Profile Image

مدونة الكفيل

دعوة

بقلم: فاطمة الحساني لو كُلُّ واحدٍ منّا خصّصَ ولو ساعةً واحدةً لقراءة الكتب لما بقيَ أحدٌ منّا جاهلًا أو غيرَ واعٍ. فالكتبُ -يا عزيزي- تُحلِّقُ بكَ وتجعلكَ ترتقي إلى عالمٍ فكريٍ أفضل.. فكم يقضي الكثيرُ من الساعاتِ أمامَ الهواتف؟! وكُلُّ ذلك الوقت يذهبُ هدرًا من دون فائدة؛ انصياعًا لهوى النفس الإمارة... والحالُ إنّه لو خصّصَ ساعةً أو نصفُ ساعةٍ للقراءة يُغذّي بها عقلَه كما أنّه يُغذّي أهواءَ نفسِه الأمّارة لما بقيَ على حاله، ولارتقى إلى مستوى أفضل من العلم والثقافة وأصبح على سبيل النجاة... روي عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "الناسُ ثلاثةُ أصنافٍ: عالمٌ ربّاني ومُتعلمٌ على سبيلِ نجاة وهمجٌ رعاع..." يُمكِنُك -أيُّها العزيز- أنْ تتعلّمَ وتقرأَ وتكونَ على سبيلِ النجاة، وتُجنِّبَ نفسك أنْ تتسافلَ إلى الهمج الرعاع.

اخرى
منذ 6 أشهر
456

رسالةٌ من نور(28)

أعِدْ ترتيبَ حياتِك... أخرِجْ كُلَّ ما يسوؤها.. واغرسْ في كُلِّ جرحٍ زهرة..

اخرى
منذ 6 أشهر
458

ملاذُ الروح

بقلم: نورا كاصد العبودي هناك حيثُ الشمس لا تُشرقُ أبدًا، وجدتُ صورتَكِ قد رُسِمتْ ولوِّنَتْ ملامحُكِ حيثُ بدأَ الرسّامُ ببياضِ شعركِ والسوادِ المُقيمِ تحتَ عينيكِ! وأمّا التجاعيدُ فعالجَها بِدقّةٍ مُتناهيةٍ؛ لتبدوَ أنّها قليلةٌ جدًا، ولكن مع ذلك فقد رأيتُها بوضوحٍ.. وقفتُ لأسردَ لكِ الخفايا عن عُمرٍ متهاوٍ بينَ ضجيجٍ سابق وحاضرٍ يملؤه التأرجُّحُ، لكنّكِ اختفيتِ تمامًا.. سألتُ عنكِ كثيرًا وكانتِ الإجابة.. - من؟ ذاتُ أسود القلبِ والروحِ؟! خفتُ وقرّرتُ الابتعادَ، لماذا ينعتونها بهذهِ الصفات التي لا تليقُ بمقامها، لكنّ في صدري شيئًا ما يطلبُ منّي العودةَ والبقاءَ والتحقُّقَ من الأمر.. عُدتُ وبدأتُ أبحثُ من جديدٍ عن سِرٍّ كائنٍ يملؤه الظلامُ بشهادةِ الناسِ.. وبعدَ السهرِ والأَرَقِ والتفكيرِ وطرحِ الأسئلة لم يعدْ أحدٌ يُجيبُ عن أسئلتي، بل لم يتوقفّوا، كي أسألهم.. كانوا يهربونَ بُمجرّدِ رؤيتي أمامَهم! عُدتُ أجرُّ أذيالَ خيبتي، وقفتُ أمامَ مرآتي لم أجدْ سوى ظلامٍ مقيت، ودموعِ فشلٍ ذريع، وجروحٍ لزمنٍ ماضٍ، وترانيمِ شوقِ مُحِبّ، تحيكُ قصصًا خيالية! وعشقٍ دُفِنَ مع زيفِ السنينِ في جُحرٍ لامرأةٍ عجوز.. ركضتُ مُسرعةً مع السراب، حتى وصلتُ دارك.. أ هيَ حقًّا دارُكِ أم أصبحتُ أُسلّي نفسي بالوهم؟! طرقتُها كثيرًا، فتحتْ لي فتاةٌ نصفُ جميلةٍ ونصفُ قبيحة.. توجّستُ في قلبي خيفةً منها.. بتردُّدٍ قُلتُ لها: - هل هذه دارُ الحقيقةِ؟ أريدُ رؤيتَها؟ زجرتني وأغلقتِ البابَ بوجهي.. التففتُّ من وراءِ الدارِ وصرتُ أطرقُ النافذةَ سمعتُ صوتَ ضحكٍ عالٍ.. فعُدتُ وطرقتُها من جديد.. فتحَ لي شخصٌ غبيٌ كانَ يرمقُني بنظراتِ تعجُّبٍ وقال: - ماذا؟! تُريدينني بهذا الوقتِ وهذا الزمان بالتحديد؟! - لقد سألتُ قبل قليلٍ فتاةً عن الحقيقة، أريدُ اللقاءَ بها بعد إذنك.. ضحكَ كثيرًا وصمتَ، ثم أزاحَ بوجهِه عني يمينًا وشمالًا، وقال: - لقد ماتتْ ليلةَ أمسٍ ودفناها.. - لا يوجد في هذه الدار سواي وإخوتي.. - من أنتَ ومن إخوتك؟ - أنا الخداعُ وأخي الكذب، والآخرُ النفاقُ وأُختُنا المُدلّلةُ الحيرةُ التي رأيتيها قبلَ قليل.. فانصرفي وإلا دفناكِ معها.. هرولتُ مُسرعةً خائفةً بالكادِّ أجرُّ أنفاسي.. سقطتُ أرضًا وصرختُ: - أينَ أجدُ الحقيقة؟ سارَ طيفٌ باهتٌ أمامي وقال: - أنا روحُها المُمزّقة! لذتُ خلفَها هربًا من ظلامِ أحقادِ البشر؛ لأنّها هيئتي وملجئي الوحيد وطيبتي ونقائي.. لأنّها وحدتي السرمدية والنصفُ المُكمِّلُ لي.. لأنّها أفضلُ ما لديَّ وخاتمةُ جميعِ أشيائي.

اخرى
منذ 6 أشهر
322

خاطرة

يوثِّقُ إحسانَه بالصور.. يُجاهِرُ بصدقاتِه للملأ.. لا يفتأ عن ذكرِ ما بذلَه من الخير للناس.. لِمَ كُلُّ ذلك؟! أليس اللهُ (تعالى) يحولُ بينَ المرءِ وقلبِه؟! وأنّه لا يخفى عليه شيء؟! وما من عملٍ ولو كانَ بمثقالِ ذرّةٍ يعلمه؟!

اخرى
منذ 6 أشهر
321

تربيةُ نفس

لا تحيكُ يداكَ إلا بما تُحبّ أنْ تراه عيناك.. من نقشٍ ولونٍ.. وكذلك عملُك! فافهمْ واعملْ.. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}. #تربية-نفس #كاردينيا-ياس

اخرى
منذ 6 أشهر
472

فنجانُ قهوة (38)

عند هطول المطر والشعور بالبرد، ستجد في نفسك رغبةً باحتساء فنجان قهوة دافئ. هي إذاً طبيعية بشرية... وماذا بعدُ؟! عندما تنزل عليك الابتلاءات كالمطر... ستدفعك تلك الطبيعة إلى أن تحبو لحضنٍ دافئ يحميك من قساوة الظروف... لكن... كن على حذر... وأحسن الاختيار...

اخرى
منذ 6 أشهر
186

تربية نفس

ليكُنْ توقّفُك على مقدارِ استراحةٍ فقط، تزوّدْ للطاقةِ... لا غير! وتابِعْ سيرَك.. بكُلِّ ما أوتيتَ من قوّة.. فالأمواتُ يتمنّون الخطوة! #تربية-نفس #كاردينيا-ياس

اخرى
منذ 6 أشهر
193

أثرٌ جميلٌ

بقلم: فاطمة الحساني لا تعلمينَ كم أنَّ الدقائقَ التي تقرئين فيها أو تتصفّحين كتابًا أو تهتمين خلالها بتنميةِ قُدُراتكِ الكتابية والثقافية أو معلوماتكِ الفقهية أو العقائدية ستُنقذكِ في المُستقبل، بل ستجعلكِ تتجنّبين الكثيرَ من العقباتِ والمُشكلاتِ مع أبنائكِ؛ لأنّهم يجدون أُمًا مثقفةً مهدويةً صادقةً موهوبةً قادرةً على بناءِ أسرةٍ مهدويةٍ مؤثرةٍ، وبذلك ستقومين ببناءِ جيلٍ كاملٍ مُثقفٍ هادفٍ موهوبٍ... أرأيتِ كيفَ سيكونُ لكِ أثرٌ جميلٌ؟! فأنتِ الآنَ مُخيّرةٌ... بين استثمارِ الدقائقِ والساعاتِ بالاهتمامِ بالثقافةِ، وبين تضييعها بمتابعةِ أكاذيبِ المسلسلات.. انظري أيَّهما سيبقى له الأثرُ الواضحُ والامتدادُ الأكثر..

اخرى
منذ 6 أشهر
369

الإيمانُ باللهِ (تعالى) مصدرٌ للأمل..

بقلم: فاضل حاتم الموسوي يُمثِّلُ الإيمانُ باللهِ (تعالى) قوةً تكمنُ في داخلِ الإنسانِ شأنها أنْ تزيدَ في عطائه في جميعِ نواحي الحياةِ سواء أفي البيتِ أم في العملِ أم مع الأصدقاء؛ فليسَ من الصحيحِ أنْ يفهمَ الإنسانُ أنّ الإيمانَ يكمنُ داخلَ دورِ العبادةِ أو في إقامةِ الشعائرِ وغيرِها من الأمورِ، وإنّما هو مصدرٌ يمنحُ الإنسانَ روحَ التفاؤلِ إذا ألمّتْ به الخطوبُ ويملأُ القلبَ باليقينِ إذا تسرّبَ إليه اليأس.. فلذلك حينَ يستقرُّ الإيمانُ في القلبِ وتترسّخُ أركانُه يكتسبُ قوةً على تخطّي الحواجزِ وتحطيمِ الصعاب، وينبعُ ذلك من علمِه واعتقادِه بأنّ اللهَ (تعالى) هو القادرُ على كُلِّ شيءٍ في الأرضِ وفي السماءِ وبيدِه خزائنُ كُلِّ شيء، قال (تعالى): ﴿واللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾. (المنافقون:7) والحقيقةُ التي نُريدُ أنْ نوضِّحَها أيضًا، أنّ شعورَ الإنسانِ بالأملِ والتفاؤلِ وحدَه لا يكفي، وإنّما ينبغي أنْ يُصاحبَه العملُ الذي يُغيّرُ الواقعَ السيّئ ويحثُّ صاحبَه على التحرُّكِ نحوَ هدفٍ أسمى، وإلا فمُجرّدُ التمنّياتِ المحصورةِ في الذهنِ تجعلُه يعيشُ حالةً من السرابِ، ومن ثم ينقطعُ ذلك الخيطُ الذي ينبغي أنْ يوصلَ الإنسانَ بربِّه، وردَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "الأملُ كالسرابِ يغرُّ من رآه ويخلفُ من رجاه". وعنه أيضًا (عليه السلام) قال: "الأملُ يُفسِدُ العملَ ويفني الأجل"(غرر الحكم ). إنَّ حاجةَ الإنسانِ إلى الدعمِ والمُساندةِ مُستمرةٌ لا تختصُّ بزمانٍ ومكانٍ مُحدّدين؛ فعندما يواجهُ مشكلةً أو أزمةً داخليةً أو خارجيةً يتولّدُ عندَه شعورٌ نحو جهةٍ يثِقُ بقُدرتِها على إعانتِه ومُساعدته والاستجابةِ لطلبِه ورجائه، وهُنا يأتي دورُ الإيمانِ باللهِ (تعالى) الذي يكونُ منبعًا للاطمئنانِ والوثوقِ النفسي قال (تعالى): ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(غافر :60)، وقال (تعالى) أيضًا:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾(البقرة :186) وهذا الخطابُ يتميّزُ بالشموليةِ والعمومِ ولا يقتصرُ على شريحةٍ مُعيّنةٍ أو فئةٍ خاصةٍ دونَ غيرِها؛ لأنّ اللهَ (تعالى) لا يغلقُ البابَ أمامَ عبدِه، ولا يُبادرُ إلى الانتقامِ منه، قال (تعالى):﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزمر:35) وحينما بلغَ الإمامَ زينَ العابدين (عليه السلام) أنّ الحسنَ البصريَّ يقول: ليسَ العجبُ ممّن هلكَ كيفَ هلك، وإنّما العجبُ ممّن نجا كيفَ نجا، قال (عليه السلام): أنا أقول: ليسَ العجبُ ممّن نجا كيفَ نجا، وإنّما العجبُ ممّن هلكَ كيفَ هلكَ مع سعةِ رحمةِ الله تعالى. (أعلام الورى :489 ) . ويُعطينا القُرآنُ الكريمُ نماذجَ متعددةً لتجاربَ مُختلفةٍ ومُشكلاتٍ متنوعةٍ استطاعَ المُبتلون بها اجتيازها بما يحملونه من أملٍ بالله (تعالى) وثقةٍ بقُدرتِه، منها حجمُ الألمِ الذي عاشَه نبيُّ اللهِ يعقوب (عليه السلام) في فترةِ غيابِ يوسف (عليه السلام) والتي أدّتْ إلى ذهابِ بصرِه ومشيبِ رأسِه وبناءِ بيتٍ لأحزانِه بعيدًا عن أهلِه وعيالِه، إلا أنّه ظلَّ مُتمسِّكًا بخيطِ الأملِ وقالَ لأولادِه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف :87 ). وكما عاشَ المُسلمون الأوائلُ مشاعرَ الخوفِ في الغزواتِ الأولى وما كانَ يُثيرُه المُنافقون من حالةِ الإحباطِ والتشكيكِ في الخفاء بالقُدرةِ على الانتصارِ وكسرِ شوكةِ المشركين فأيّدَهم اللهُ (تبارك وتعالى) بتأييدِه الإلهي فربطَ على قلوبِهم وأرسلَ معهم ملائكةً يقاتلون لا يرونهم. إذن فالأملُ هو الذي يُعطي الحياةَ معناها، ويمنحُ الإنسانَ شعورَ الاستمرارِ والبقاء، قال الشاعرُ الطغرائي: أُعلِّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها ما أضيقُ العيش لولا فُسحة الأملِ

اخرى
منذ 6 أشهر
279

رسالةٌ من نور (29)

لَمْلِمْ بقايا روحِك المُشظّاة... ضمِّدْ كُلَّ الجراح.. وأشرِقْ مع صباحِ يومٍ جديد..

اخرى
منذ 5 أشهر
296

إنّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً

المُعلِّمُ الذي يهتمُّ بتلاميذِه ويُعطي الدرسَ حقَّه ويكونُ قدوةً صالحةً لهم، ولا يضطّرهم لدخولِ دروسٍ خارجَ المدرسة.. يُمارِسُ الخلافةَ في الأرض #إنّي_جاعلٌ_في_الأرضِ_خليفةً

اخرى
منذ 5 أشهر
305

نوافذُ أدبيةٌ وجهةُ نظرٍ في البناءِ القصصي (رجالٌ في الشمس نموذجًا)

بقلم: وجدان الشوهاني لا يخلو نصٌ أدبيٌ من رؤيةِ الكاتب، فهي الزاويةُ التي يرى منها الكاتبُ الأحداث، فتدورُ في مُخيّلته مُحاولًا ببراعتِه أنْ يقتنصَها ليعرضَها بشكلِ هندسةٍ أدبيةٍ مُتكاملةِ الجوانب، وهذا ما يُسمّيه النُقّادُ بوجهةِ النظر أو ما تُسمّى بـ (الفكرة). وتُعدُّ الفكرةُ من جملةِ ما يحكِمُ البناءَ القصصي (عناصر القصة)، وحتى المقال أيضًا لا يخلو من الفكرة، وهي ممّا لا يُمكِنُ لأيّ ناقدٍ أدبيٍ أنْ يتجاوزَه، إنْ أرادَ أنْ يضعَ أيَّ نصٍّ قصصي أو حتى مقالي تحتَ مِجهرِ النقد؛ ليتضحَ من خلالِ ذلك المجهرِ النقدي إبداعُ القاصِّ أو الكاتبِ من عدمِه في عرضِ الفكرة، ونفهمُ من ذلك أنّ مفهومَ وجهةِ النظر يحملُ قيمةً أدبيةً؛ لأنّه يُعدُّ عدسةَ الكاتبِ إنْ لم تكنْ عينَه الناظرة. تتّولدُ الفكرةُ دائمًا من موقفٍ سياسي، أو ديني، أو اجتماعي أو غيرها يمرُّ به الكاتبُ (الروائي) أو تقعُ أمامَه أو تكونُ من نسجِ خيالِه الوقّاد، فيرسمُها في ذهنِه ويضعُ هندستَها بما يمتلكُ من أدواتٍ معرفيةٍ وخزينٍ لفظي، ويعرضُها مرّاتٍ ومرّاتٍ في ذهنِه قبلَ أنْ يبدأَ بصياغتِها على الورق. وتظهرُ وجهةُ النظرِ في النصِّ الأدبي من خِلالِ الشخصيّاتِ التي تنكشفُ لتكونَ أدواتِ إظهارِ وجهةِ نظرِ الكاتب، وذلك عبرَ تصرُّفاتٍ ومواقفَ تُجسِّدُها تلك الشخصيّاتُ داخلَ النصِّ القصصي. وما يجعلُ الفكرةَ مُميزةً هو تمكُّنُ الكاتبِ بما يملكُه من إبداعٍ أنْ يُظهرَها من دونِ أنْ يوحيَ للآخرِ بأنّه موجود، بمعنى أنّ النصَّ الأدبي يبدو وكأنّه لا صِلةَ للكاتبِ به، فتجري أحداثُ النصِّ وكأنّها على سجيّتها، وهُنا يبرزُ الإبداعُ، عندَما يُترَكُ الأمرُ للوقائعِ الموجودةِ في النص، والتي تُعرَضُ عرضًا مشهديًا؛ لتُبرِزَ مُهمِّةَ القارئ أو الناقدِ اللبيبِ في اكتشافها، وعندَ ذلك تكونُ للقصةِ استقلاليةٌ ذاتيةٌ من دونِ عصبيّةٍ أو نظرةٍ غيرِ مُحايدةٍ؛ فهناك وجهاتُ نظرٍ تحملُ طابعًا عصبيًا، ينعكسُ سلبًا على النصِّ الأدبي، ويبرزُ من خلالِ شخصياتِ السرد التي تظهرُ وكأنّها دُمى يُحرِّكُها الراوي وفقَ رؤيتِه التي تكونُ غيرَ مُحايدة، فهو كمن يئدُ الفكرةَ عندَ ولادتِها، وهذا ما يؤدّي إلى اندثارِ بعضِ النصوصِ الأدبية. وتتخذُ تلك الوجهةُ أشكالًا مُختلفةً جعلَها النُّقّادُ على ثلاثة أشكال، ويُمكِنُ تمييزُها من خِلالِ الضمائر المستعملةِ في النص، فالشكلُ الأولُ أسماه النُقّادُ بوجهةِ نظرِ الشخصِ الأولِ، وغالبًا ما يُميّزُها استخدامُ الكاتبِ ضميرَ المُتكلّم، أما الشكلُ الثاني فهي وجهةُ نظرِ الشخصِ الثاني والتي يستخدمُ فيها الكاتبُ ضميرَ المخاطبِ وهي نادرةُ الاستخدامِ في السردِ القصصي، على حين يكونُ الشكلُ الثالثُ لوجهةِ النظر وجهةَ نظرِ الشخصِ الثالثِ وهي التي يستخدم فيها الكاتبُ ضميرَ الغائبِ، وتكونُ على قسمين؛ الأول: محدودٌ، وهو ما يُركِّزُ فيه الكاتبُ لعرضِ وجهةِ نظرهِ على شخصيّةٍ واحدةٍ في النصّ، والثاني: كُلّي العلم، وهي التي تعرضُ وجهةَ النظرِ من خِلالِ جميعِ الشخصياتِ، والشكلُ الثالثُ كثيرُ الاستعمال. ونحنُ إذ نوضِّحُ وجهةَ النظرِ في البناءِ القصصي؛ لنجعلَها واضحةَ المعالمِ لمن يودُّ أنْ يكتبَ نصًّا قصصيًا مُميزًا، كانَ لا بُدّ أنْ نعرضَ وجهةَ النظرِ تلك بنصٍّ أدبي مُميّزٍ ليكونَ نموذجًا نعتمدُ عليه في عرضِ وجهةِ النظر. ومن بينَ قصصٍ كثيرةٍ وقعَ اختيارُنا على روايةِ (رجالٌ في الشمس) للأديبِ الفلسطيني غسّان كنفاني، الذي أبدعَ في عرضِ وجهةِ نظرِه، خصوصًا مع كونِه مُناضلًا عانى الأمرّين، فحاولَ من خِلالِ مُعاناتِه أنْ يعرضَ مُعاناةَ شعبه، إنْ لم تكنْ مُعاناةَ الشعوبِ العربيةِ كما رآها بعضُ النُقّاد. فـ (رجالٌ في الشمس) هي أولى رواياتِ الكاتبِ غسّان كنفاني التي كتبَها عقيبَ نكبةِ 1948م، والتي تميّزتْ لدرجةِ إدراجِها ضمنَ مائة أروعِ الرواياتِ العربية، فمن يقرأ الروايةَ قراءةً كاملةً سيجدُ الشكلَ الثالثَ من أشكالِ وجهةِ النظرِ واضحةً في الرواية، مثلما أنّه سوفَ لن يرى وجودًا للكاتبِ لدرجةِ أنّ القارئَ يجدُ الحيادَ واضحًا فيها، ويظهرُ تمكُّنُ الكاتبِ من عرضِ الفكرةِ من خلالِ جميعِ شخصيّاتِ الروايةِ التي كانتْ تصرفاتُهم ومواقفُهم ترمزُ لجُزءٍ منها، لدرجةِ أنّ القارئَ يرى نفسَه مُجبرًا على إكمالِ الروايةِ إلى الأخيرِ مُحاولًا استنتاج الفكرةِ المقصودة، فالروايةُ كمن تأسرُ القارئَ وتُقيّدُه بأحداثِها ولا ثمنَ لفكِّ تلك القيودِ إلّا إكمال الرواية. سنُحاولُ من خِلالِ نافذتِنا الأدبيةِ أنْ نتعرَّفَ على وجهةِ نظرِ غسّان كنفاني؛ لنرى ما يراه وذلك من خِلالِ تتبُّعِ أحداثِ الرواية، فالمُعاناةُ الإنسانيةُ والقوميةُ حاضرةٌ في تصرُّفاتِ الشخصيّاتِ (أبو قيس، أسعد، مروان) التي كانتْ مرآةً لطبقاتِ المًجتمعِ الفلسطيني المختلفةِ من حيث العمر والفكر، فرغم اختلافِ العمرِ والتوجُّهِ نجدُهم قد اتفقوا على الهروبِ من واقعِهم الذي لم يرحمهم. والهروبُ هُنا عبارةٌ عن حُلمِ الخلاصِ من الاحتلالِ والسيرِ باتجاهِ التحرُّرِ والتنعُّمِ بالحياةِ الكريمة، فرمزَ للنعيمِ الذي كانَ مطمعَ الجميعِ بـدولة (الكويت) التي تُمثِّلُ الراحةَ والسعادة. أمّا الوسيطُ الذي سيكونُ حلقةَ الوصلِ فرمزَ لها بمُهرِّبي (سماسرة) البصرة وهي إشارةٌ إلى الدولِ العربية، فهؤلاء الذي لا يقومون بشيءٍ دونَ مُقابلٍ ومن دونِ مصلحةٍ، وأهمُّ شيء مصلحتهم. إما شخصيّةُ (أبو الخيزران العقيم) فهي الشخصيّةُ الفلسطينةُ التي رشّحتْ نفسَها لتكونَ بديلًا عن سماسرةِ الدولِ العربية، ووثِقَ بها (أبو قيس، وأسعد، ومروان)، فقد مثّلتِ القيادةَ الفلسطينيةَ التي وثِقَ المجتمعُ الفلسطيني بها، لتُعيدَ الأرضَ لهم، ولكنّها قيادةٌ عقيمةٌ، فهي سببُ الضياعِ والتشرُّدِ، فقد صوّرَ غسانُ كنفاني تلك القيادةَ تصويرًا رائعًا، وكأنّه رمزَ من خلالَ روايتِه إلى ضرورةِ استبدالِ تلك القيادةِ التي لا جدوى منها، بعدَ أنْ فشلتْ في إنقاذِ الفلسطينيين من خِلالِ خسارة الحرب، وهذا ما كانَ واضحًا في مسيرةِ الهروبِ التي قادَها العقيمُ (أبو الخيزران)، عندما اقترحَ على (أبو قيس، وأسعد، ومروان) أن يدخلوا في الخزان متى ما وصلَ نقاطَ التفتيش، ويتحمّلوا حرارته بسبب تعرُّضه للشمسِ الحارقةِ طوال الطريق، وقلةَ الهواء للتنفُّس؛ بسببِ غلقِ فوهته.. كُلُّ ذلك من أجلِ أنْ يتمكّنوا من عبورِ السيطرة، وقد نجحَ في عبورِ السيطرةِ الأولى، لكنّه في السيطرةِ الثانيةِ كانَ القدرُ يرسُمُ نهايتَه المحتومة، حيث يتناسى أبو الخيزران (القيادة) مَن في الخزان، وينشغلُ بالحديثِ مع الموظفين في السيطرةِ الموجودةِ في البصرةِ (الدول العربية) لتمريرِ الأوراقِ الخاصّةِ بالعبور، وتخلَّلَ الأمرَ كلامٌ عن الليالي الحمراء، من دونِ أنْ يُفكِّرَ بمَن ينتظرُه داخلَ الخزان؛ لينتهيَ من جولاتِه الكلاميةِ ومُفاوضاته.. وما إنْ يعودُ إلى السيارة، ويناديهم للخروجِ من الخزّانِ بعدَ أنِ اجتازَ السيطرة، ولكن بعدَ فواتِ الأوانِ فلا من مُجيبٍ، فما كانَ منه إلا أنْ يفتحَ فوهةَ الخزانِ ليراهم جُثثًا هامدةً قد حرقتْهم حرارةُ الخزان، فآمالُ النجاة قد غرستْ أنيابَها فيهم من دون رحمةٍ ولا رأفة، وقطّعتْ بأظفارها كُلَّ حبالِ التواصُلِ مع الحياة. إنَّ تلك اللحظاتِ التي تناسى أبو الخيزران من معه، قد كانتْ كالسيفِ الذي أودى بحياتِهم، ليبدأَ بالتفكيرِ في كيفيةِ التخلُّصِ من الجُثث، مُتسائلًا بكُلِّ برودٍ: - لماذا لم يدقّوا بابَ الخزان؟ فهذا السؤالُ يرمزُ للشمّاعةِ التي تُعلِّقُ عليها القياداتُ العقيمةُ خيباتِهم وفشلهم، فلم يهتم (أبو الخيزران) لموتِهم، بل اهتمَّ للتخلُّصِ من تلك الجُثث! وهنا رمزَ غسانُ كنفاني إلى ديدنِ القياداتِ العقيمة، التي لا تهتمُّ سوى بمصالحها ولا ترحمُ شعبَها، في حين أنّها تُطالبُهم بالتضحية وتحثُّهم عليها، وترسُمُ لهم أوهامَ النجاة، وما لتلك الشعوبِ سبيلٌ سوى تصديقِ الأكاذيب، ولهذا حاولَ غسانُ كنفاني أنْ يكشفَ خيوطَ تلك الأوهامِ والأكاذيبِ من خِلالِ شخصيّاتِ روايته؛ وكأنّه أرادَ أنْ يستنهضَ الشعبَ الفلسطيني، بل كُلَّ الشعوبِ التي تُعاني لتغييرِ قياداتِهم العقيمة؛ لكونِها لا جدوى من وعودِها الكاذبة. ومن هذا العرضِ البسيطِ لأفعالِ الشخصيات، وطريقةِ عرضِها من خِلالِ مشاهدِ القصة، نجدُ استقلاليةَ القصةِ عن الكاتبِ فلا وجودَ للكاتبِ في أحداثِ القصة، بل إنّه عرضَ رؤيتَه، ووجهةَ نظرِه بعينِ مُبدعٍ، تمكّنَ من تصويرِ الواقعِ الفلسطيني المؤلم، والقيادةِ الفاشلة، وسماسرةِ العرب، في ظِلِّ كونِه يعيشُ مُعاناةَ الهروبِ في بيروت، بعدَ أنْ دخلَ لها بشكلٍ غير قانوني، فاضطرَّ للبقاءِ مُتخفيًا لفترة. فقد رأى غسانُ كنفاني من خلالِ ما مرَّ به من ظروف أن لا جنةَ موعودة، ولا عيشَ رغيداً، ولا سعادةَ منشودة، في ظِلِّ قيادةٍ عقيمة، تتصفُ بالكذبِ وتوهمُ الآخرين بوجودِ جنة. فمن يُرد الجنةَ فعليه أنْ يضعَ ثقتَه بقيادةٍ حكيمةٍ تتميّزُ بميزاتِ القيادة، فمتى ما وجدتْ يتحقّق حلمُ الفلسطينيين في التحرّر. وقد رأى بعضُ النُقّادِ أنّ غسان كنفاني أشارَ إلى مُعاناةِ كُلِّ الشعوبِ العربيةِ لا فقط فلسطين، التي تكمنُ بثقةِ الشعوبِ بها، وحانَ وقتُ التغيير. لقد كانَ نصًّا مُميّزًا، من خِلالِ فكرةِ الكاتبِ الذي أبدعَ في تصويرِها لنا من خِلالِ عدسته.

اخرى
منذ 5 أشهر
335