Profile Image

مدونة الكفيل

سُنّةُ الإملاءِ وفرحةُ الطواغيت

بقلم: أُمّ مصطفى الكعبي الإملاءُ: يعني الإمهال، وقيلَ: الإمهال والتأخير، قال (تعالى): "واهجرني مليًّا" والاستدراج: استصعادُ درجةٍ أو إنزال.. وهو الاستدراجُ والتدرُّجُ في الشيء. وأمّا اصطلاحًا فإنّ اللهَ (تعالى) يستدرجُ الإنسانَ الكافرَ بالنِعَمِ والخيراتِ؛ ليزدادوا من الآثام، والبعد عنه (سبحانه)، ثم يُعذِّبُهم عذابًا مهينًا جزاءَ عدمِ شكرِهم نعمَ اللهِ (تعالى)، فكُلّما جدّدَ الإنسانُ ذنبَه جدَّد اللهُ (تعالى) نِعَمَهُ وزادها وأنساه التوبةَ والاستغفار.. فالاستدراجُ هو الإيقاعُ بالكافرين والمُنافقين وأهلِ المعاصي تدريجيًا، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "ما ابتلى اللهُ أحدًا بمثلِ الإملاءِ له" إنّ الاستدراجَ والإملاءَ هو سُنّةٌ من السُننِ الإلهية، ويُقصَدُ بها أنّ اللهَ (تعالى) لا يتعجّلُ بالعذابِ على الكافرين، بل يتركُهم يغترون بما لديهم من متاعِ الدُنيا الزائل، ويركبون المعاصي ثم ينالهم العذابُ الأليمُ والخُسرانُ المُبين. في قصرِ الطاغيةِ المُستكبِر صدحتْ ابنةُ أميرِ المؤمنين (عليهما السلام) فقلبتِ النصرَ والفرحَ الموهومَ إلى صاعقةٍ هزّتْ عروشَ الطُغاةِ، إذ قالتْ "أظنَنْتَ يا يزيد حيثُ أخَذتَ علينا أقطارَ الأرضِ وآفاقَ السماء، فأصبَحنا نُساقُ كما تُساقُ الأُسارى، أنّ بِنا على اللهِ هَوانًا وبِكَ عليه كرامة؟! وأنّ ذلك لِعِظَمِ خَطَرِك عندَه! فشَمَختَ بأنفِك، ونظرتَ في عِطفِك، جَذلانَ مسرورًا، حينَ رأيتَ الدُنيا لك مُستَوسِقةً، والأمورَ مُتَّسِقة، وحينَ صفا لكَ مُلكَنا وسلطاننا. مهلًا مهلًا! أنَسِيتَ قول اللهِ (تعالى): "ولا يَحسَبنَّ الذين كفروا أنّما نُملي لَهُم خيرٌ لأنفسِهِم، إنّما نُملي لَهُم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مُهين" فحوّلتْ ذلةَ الأسرِ إلى عِزّةِ موقفٍ صلبٍ وإباءٍ، وبدّلتْ عِزّةَ الحاكمِ المُزيفةَ القائمةَ على الطُغيانِ إلى ذِلّةٍ في المقام، فانهارَ ما كانَ يعيشُه من نشوةِ الحُكمِ؛ إذِ استضعفتْ مكامنَ القوّةِ عند الحاكم، وواجهته بعِزّةِ الارتباطِ باللهِ (تعالى) الذي وحده من يمتلكُ القوّةَ والعِزّةَ، واستهانتْ بجبروته وظُلمه، واستحقرتْ كُلَّ سُلطانِه وجمعِه، من خِلالِ عِزّةِ الارتباطِ باللهِ (تعالى) التي كانتْ تحملُها زينبُ العقيلةُ (عليها السلام). إنّ ما ذكرتْه (عليها السلام) من الاستشهادِ بقوله (تعالى): ﴿وَلا يَحسَبَنَّ الَّذينَ كَفَروا أَنَّما نُملي لَهُم خَيرٌ لِأَنفُسِهِم إِنَّما نُملي لَهُم لِيَزدادوا إِثمًا وَلَهُم عَذابٌ مُهينٌ﴾[آل عمران: ١٧٨] إشارةٌ إلى التطبيقِ المصداقي للقضيةِ الكُلّيةِ لمسألةِ الإملاء؛ فإنّ مسألةَ الإملاءِ المذكورِ في الآيةِ مسألةٌ قرآنيةٌ ذكرَها القرآنُ على نحوِ السُنّةِ الجارية تكوينًا في مجاري القضاءِ والقدرِ الإلهي المُرتبِطِ بقولِها (عليها السلام) في بدايةِ الخُطبة: "الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللهُ (سُبْحَانَهُ) كَذَلِكَ يَقُولُ: "ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏- أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُن"(الروم:١٠). والتي ترتبطُ بنظريةِ الاستتباعِ القُرآنيةِ التي ذكرتْها (عليه السلام) بآيةِ سورةِ الروم. ومعنى نظريةِ الاستتباعِ القُرآنيةِ أنّ للذنوبِ آثارًا أكبرَ من نفسِ الذنب، وهذه الآثارُ إنّما تترتّبُ حينَ الاستهانةِ بالذنوب. ومن هُنا بدأتْ (عليها السلام) الخُطبةَ بقولِها: الحمدُ للهِ ربِّ وصلى الله على محمدٍ واله اجمعين صَدَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: "ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏- أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ "(الروم:١٠)، فذكرتْ أنّ مَنْ أساءَ السوءَ ترتّبَ عليه أنّه كذّبَ بآياتِ اللهِ (تعالى)، وكانَ بعدَ ذلك يستهزئُ بها. والتكذيبُ والاستهزاءُ أكبرُ من نفسِ "أَساؤُا السُّواى‏" التي هي الذنب. وكذلك مثلها في سُنَنِ الاستتباعِ قوله (تعالى): ﴿إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ التَقَى الجَمعانِ إِنَّمَا استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ بِبَعضِ ما كَسَبوا وَلَقَد عَفَا اللهُ عَنهُم إِنَّ اللهَ غَفورٌ حَليمٌ﴾[آل عمران: ١٥٥]. فالفرارُ من الزحفِ يومَ التقى الجمعانِ من أكبرِ الكبائر، ولكنّه جاءَ مُترتِّبًا على بعضِ الذنوبِ التي استزلّهم الشيطانُ لأجلِها. فجعلتْ (عليها السلام) سُنّةَ الاستدراجِ والإملاءِ مُرتبطةً بسُنّةِ الاستتباع، وهو ما لا يلتفتُ إليه إلا مَنْ كانَ من أهلِ القُرآن، فذكرتْ (عليها السلام) أنّ عواملَ النصرِ المادي إذا أُتيحتْ لا يعني أنّ صاحبَه على حقٍّ في ذلك، ولذا أشارتْ بقولِها: "أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ..." ثم ذكّرتْه بسُنّةِ الإملاءِ بقولِه (تعالى): "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ". فهي (سلام الله عليها) تُشيرُ إلى أنَّ ما وقعَ هو عبارةٌ عن مِصداقٍ للإملاءِ الإلهي الذي هو سُنّةٌ تكوينيةٌ جاريةٌ في هذا الكون، لا أنّه نصرٌ من الله (تعالى)، وإنّما هو إملاءٌ له ليزدادَ إثمًا. وبذا تكونُ (عليها السلام) قد ربطتْ بينَ قاعدتين قُرآنيتين على نحوِ السُنَنِ الجارية، وطبّقتهما على الواقعِ الذي يتوهّمه يزيد. وفي هذا كانَ خِطابُها رسالةً قرآنيةً عملتْ بها السيّدةُ زينبُ ووجّهتها ليزيدَ ولكُلِّ طُغاةِ الأرضِ: أنّ العِزّةَ للهِ (تعالى) وحده، وهو (سبحانه) يهبُها لمن يشاءُ من عِبادِه، ولا عِزّةَ ولا قوّةَ لأحد، وإنْ أوتيَ العِزّةَ الظاهرية. وهي رسالةُ أملٍ للمؤمنين عِبرَ أجيالِ الإسلام تربطُ على قلوبِهم، وتُقوّي عزائمَهم، وتزيدُ في يقينِهم، وتُثبِّتُ إراداتِهم، وترفعُ من عِزّتِهم مهما تكالبَ عليهم الأعداء.

اخرى
منذ شهرين
162

ماذا تعلّمْتُ من عاشوراء الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؟(15)

تعلّمْتُ أنّ الأخلاقَ من أهمِّ قيَمِ ومبادئ دينِنا الإسلامي؛ وأنَّ المؤمنَ يُعاملُ الناسَ بأخلاقِه التي نشأَ عليها، وإنْ كانَ المُقابلُ عدوًا فاسقًا فاجرًا، فأخلاقُه الحسنةُ وسيرتُه الطيّبةُ تعكسُ صورةً جميلةً عن الدينِ الذي يتبعه، وعن المولى الذي ربّاه، وكذا العكس لو كانَ سيئَ الخُلُقِ فسيعكسُ صورةً قبيحةً عمّن يتبعه... وكما قالَ إمامُنا جعفرُ الصادق (عليه السلام): "يا معشرَ الشيعةِ إنّكم قد نُسِبتُم إلينا فكونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا" ومن أروعِ صورِ سموِ أخلاقِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) عندَما قطعَ عليه الحُرُّ وجيشُه الطريقَ في كربلاء أمرَ الإمامُ أصحابَه بأنْ يُرشِّفوا خيلَ العدوِّ بما بقيَ معهم من الماء، على حين الأعداء بدورِهم وبعدَ أيامٍ قليلةٍ قطعوا طريقَ الماءِ على الإمامِ وأهلِ بيتِه وأصحابه!

اخرى
منذ شهرين
142

مُتعلِّمٌ على سبيلِ نجاة

بقلم: يا مهدي أدركني الحلقة الرابعة عشر الخطوة الثالثة والأربعين رويَ عن الكَاهليَّ قالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام) في دُعاءٍ "الحَمْدُ لله مُنْتَهَى عِلمِهِ، فَكَتَبَ إِليَّ: لَا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلمِهِ، فَلَيْسَ لِعِلمِهِ مُنْتَهَى، ولَكنْ قُل: مُنْتَهَى رِضَاهُ"(1) إنْ كانَ علمُ المُمكناتِ ليسَ له حدٌّ يُدرك، فهو كالبحرِ لا تنتهي أمواجه، ومهما ارتقى الإنسانُ في سُلّمِ العلمِ فهو لا يزالُ في بدايةِ الطريق، فكيفَ بعلمهِ (تعالى) وهو المُتصِفُ بالصفاتِ الكماليةِ اللامتناهية! الخطوة الرابعة والأربعين رويَ عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إِنَّ العِلمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهلِ، وَضِياءُ الأَبصارِ مِنَ الظُّلمَةِ، وَقُوَّةُ الأَبدانِ مِنَ الضَّعفِ"(2). إنَّ الروحَ أفضلُ من البدنِ؛ فالروحُ تبقى والبدنُ يتفسّخُ ويُعدَمُ، وهكذا هي لذائذُ الروحِ؛ فمنها حسيّةٌ تابعةٌ للبدنِ، ومنها عقليةٌ تابعةٌ للروح، والثانية أفضلُ وأعظم. وما لذّةُ العقلِ إلا مثالٌ للذائذِ الروح، فلها حلاوةٌ في الدُنيا ونورٌ في الآخرة، والعاقلُ من يطلبُ اللذّةَ الباقيةَ لا الفانية. الخطوة الخامسة والأربعين رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "إذا سُئِلتُم عَمّا لا تَعلَمونَ فَاهرُبوا" قالوا: وكَيفَ الهَرَبُ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قالَ: تَقولونَ: «اللهُ أعلَمُ»(3) من وصايا العلماءِ لطلبةِ العلمِ التي استقوها من أميرِ المؤمنين (عليه السلام) هي قولُ (لا أعلم) عندَ عدمِ المعرفة وتعويدُ النفسِ عليها. إنَّ للنفسِ ميولًا للأنفةِ والتكبُّرِ؛ فهي قد تأبى أنْ تظهرَ بلباسِ الجهلِ، فترمي بصاحبِها في شراك التهلكة، فاعملْ على كسرِ شوكتِها ولا تستحِ من قولِ لا أعلم، فإنّ الملائكةَ قالوا: "لا علمَ لنا إلا ما علّمْتَنا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الكافي, ج1, الشيخ الكليني, ص225. (2)الكافي، ج 1، الشيخ الكليني، ص 155. (3)الأمالي للطوسي : 488 / 1069

اخرى
منذ شهرين
164

أحبُكَ...

بقلم: كاردينيا ياس لمْ تكن، ولن تكون.. كافية؛ لِنيلِكَ رِضا أيّ حبيب... فكيفَ بِمن هو خالقُ كلّ حبيب.. حبيبٌ، قريبٌ، خبيرٌ، لطيف..! يُحبّكَ.. ويفتح أمامك دوماً باب التوبة.. ليعفو، يغفر، يمحو كلّ ما علقَ فيك؛ من أدرانٍ لا تبقيكَ مؤهلاً لذلك الحب.. نعم، إنه (جل وعلا) كذلك؛ وأكثر وأعظم وأحن وأرأف... لكن.. هل من الأدب؛ أن تتهاون، أو تعاند، أو تسهو...معه (جل جلاله).. وأنتَ لا تفعلها مع أيّ حبيب لكَ مِن المخلوقين! #تربية-نفس #كاردينيا-ياس

اخرى
منذ شهر
141

تزايد الجشع..

تزايد الجشع.. تضاعفتِ الأموال.. تصخّرَ القلبُ قساوةً ومات.. ضاعَ الفقراءُ في حضرةِ الأغنياء..

اخرى
منذ شهر
192

خاطرة

بقلم: كاردينيا ياس صباح الأمل بالله تعالى؛ بفضله، برحمته، بقدرته... صباح اليقين بـ (كُن) لو شاء غَيّرَ بهِا ما لا تتحمله أفهامنا وتدركهُ حواسّنا بالطريقة... التي تتناسب وَحكمته، وَعدله، وجميل ألطافه... لا بما حددتهُ آمالنا، و بثّته دعواتنا! #تربية-نفس #كاردينيا-ياس

اخرى
منذ شهر
125

لكُلِّ شيءٍ وقتُه المُحدّدُ في عالمِ الغيب

لكُلِّ شيءٍ وقتُه المُحدّدُ في عالمِ الغيب، مرسومةٌ ملامحُه.. ونحنُ ليس لدينا سوى السعي إلى التخطيطِ ومُحاولاتٍ شتّى لتحويلِ تلك التخيُّلاتِ إلى أرضِ الواقع ولكن قد يكونُ لها حظٌّ من الوجود، وقد تبقى في دائرةِ التخيُّلاتِ التي تنسجُها قلوبُنا نحنُ قد نتصوّرُ فيها صلاحَنا، فرحَنا، سعادتَنا ولكنّها قد تحملُ في طيّاتِها شرًّا كثيرًا يمنعُه اللهُ (تعالى) عنّا بحِكمتِه ورحمتِه لُطفًا بعبادِه فمتى ستمتلئ القلوبُ بالرضا وتثقُ بمنْ بيدِه مقاليدُ أمورِها؟!

اخرى
منذ شهر
112

واختم يومك باستغفارٍ

"واختم يومك باستغفارٍ؛ يَجلي الروحَ والبدنِ...يامن رجوتَ العفو؛ مِن ذي الجودِ والمننِ" #كاردينيا-ياس

اخرى
منذ شهر
108

"فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا"

"فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا" آيةٌ مباركةٌ أمرَ اللهُ (تبارك وتعالى) بها نبيين راسمًا كيف ينبغي أن يتعاملا مع من ادّعى الربوبية! فبعدَ ذلك.. ترى كيف ينبغي أنْ يكونَ تعاملُك مع من يُشاركك المعتقد؟! بل كيف ينبغي أنْ يكونَ تعاملُك مع أُسرائك.. عيالك وأهل بيتك؟!

اخرى
منذ شهر
111

أجادتِ الزرعَ.. أينعَ الثمر

بقلم: شمس الغدير الجبوري هكذا هي الدُنيا، تزأرُ وتهاجِمُ بلا موعدٍ أو إنذار، تُفرِّقُ الأحِبّةَ عن مُحبّيهم، وتسلبُ رداءَ السعادةِ عن من اغترّ بها وتقمّصَ رداءها، وتُخاصمُ من أمِنَ بصداقتها والتذّ بعيشها، وطمعَ بالمزيدِ من متاعها، تأخذُ أكثرَ ممّا تُعطي ولا تمتنعُ عن حرماننا ممّن نُحِب، لا يأمَنُ مكرَها وغدرَها من كانَ عاقلًا.. فكم من زوجٍ عاشقٍ ولهانَ بزوجته غادرَها بلا استئذان! وكم من أُمٍّ ثُكِلتْ بولدِها وفلذةِ كبدِها من دونِ سابقِ إنذار! هكذا هي أحوالُ الدهر، ما عليك إلا أنْ تتعلّمَ قوانينها الصارمةَ وتعرفَ التعامُلَ معها وتتأقلمَ من ضرباتِها الموجعة.. هكذا تبادلنا أطرافَ الحديث أنا وصديقتي التي رأتْ بأُمِّ عينيها مصرعَ سندِها وشريكِ حياتِها، وأبي أولادِها الثلاثة، زوجِها العزيزِ أمامَ ناظريها وبمرأى أولادِها الثلاثة أيامَ الطائفيةِ المقيتةِ.. تلك الأيام النحسات. خاصمتْها الدُنيا وكسرتْها، ولكنّها وقفتْ كالجبلِ الأشمّ، لم تهزّها رياحُ الحزنِ والهمِّ ولم تهزمها مُلِمّاتُ الدهر، بل وقفتْ بوجهِ الأحزانِ بالصبرِ والتوكُّلِ على اللهِ (تعالى)، كانَ يجبُ أنْ تقفَ وتُضمِّدَ الجرحَ الذي لم يندملْ بعد من أجلِ أولادِها الثلاثة وفلذاتِ أكبادِها، يجبُ أنْ تواصِلَ شقَّ طريقِها في رعايتهم وإعالتهم فلا شيءَ يُعطى في الدُنيا بالمجان، فكم مرّة سمعتُها تقولُ: - هؤلاءِ أعزُّ ما أملكُ، ولو خيّروني بينَ كنوزِ الدُنيا وأولادي سأختارُ أولادي. رتبتْ أوراقَ حياتِها التي بعثرتْها الأيامُ بفقدِ زوجِها، واتكأتْ على عُكّازِ صبرها لتستقويَ على زمانها. بدأتْ بالمُراجعةِ على وظيفةٍ كانَ قد أُعلِنَ عنها مُسبقًا، وقد أخبرتها بها إحدى صديقاتها، كانَ شرطُها أنْ تكونَ تلك الوظيفةُ مُناسبةً لها؛ لتحفظَ كرامتَها ولا تحتاج إلى طلبِ العونِ من أحد، عسى أنْ تحظى فيما بعد بوظيفةٍ تُناسِبُ تخصُّصها.. مرّتِ الأيامُ وها هي الفرحةُ تُخيّمُ على قلبِها المحزونِ الصبورِ باستلامِ أولِ راتبٍ شهري، لا بأسَ به، قد يكفي لنهايةِ الشهر، ويسدّ احتياجاتِ الأبناء، فالقناعة والرضا هما بركةُ الشيء، فكم من مالٍ قليلٍ ازدانَ بالبركة، وكم من أموالٍ كثيرةٍ مُحِقَتْ منها البركة.. هكذا في كُلِّ مرةٍ كنتُ أصغي لحديثِها وأستمتعُ بكلامِها العذب، وكأنّي أقرأُ كتابًا "كيفَ تكونُ ناجحاً؟" كنتُ مُستمعةً جيّدةً حينما أسألُ وهي تُجيبُ عن أسئلتي حولَ تربيةِ الأبناءِ وسُبُلِ النجاحِ والارتقاءِ بهم حيثُ لاحظتُ على أبنائها تفوّقهم دراسيًا وتميّزَهم أخلاقيًا، ما دعاني في كُلِّ مرةٍ لطرحِ أسئلتي لإشباعِ فضولي المعرفي في معرفةِ طُرُقِ التربيةِ الناجحة للأبناءِ في ظِلِّ غيابِ الأب، حيثُ كانتْ تؤدّي دورَ الأبِ والأُمِّ معًا، ومصدرَ الرعايةِ والحنان.. لم تكنْ أُمًّا كباقي الأُمّهاتِ، لا بل كانتْ أُمًّا استثنائيةً؛ يدٌ تعملُ من أجلِ لُقمةِ العيش وحِفظِ ماءِ الوجه من أنْ يُهانَ بكلمةٍ أو موقف قد يظلُّ أثره على أولادِها فيما بعد، ويدٌ ترعى وتحنو وتُربّي، إنّها مِثالٌ للأُمِّ التي يُحتذى بها في زمانِ اللامسؤولية. أتذكّرُ يومًا سألتُها عن عدمِ قبولِها المُستحقّاتِ الماليةِ وبعضِ المُساعداتِ الشهريةِ التي يُرسِلُها بعضُ المؤمنين كي تُساعدَها في سدِّ احتياجاتِ الأولاد المعاشيةِ ومُستلزماتهم الدراسية، فردّتْ بروحٍ تملؤها القناعةُ والرضا: - الحمدُ لله؛ فمُرتبي لا بأسَ به ويكفي لنهايةِ الشهر، وهناك ربٌّ كريمٌ يُدبِّرُ الأمرَ من السماءِ إلى الأرضِ، ولم أعتدْ على أخذِ شيءٍ من الناس.. ثم أردفتْ قائلةً: - هناك من يعيشُ في كنفِ أبويه، ولكنّه يعيشُ يتيمًا؟! استغربتُ من كلاِمها، وقلتُ: - وكيفَ ذلك؟ فقالت: - هناك من يفتقدُ الرعايةَ والاهتمامَ، أليسَ هذا يُتمًا؟! وهناك من يعاني من قسوةِ الأبِ والأُمِّ وبلادتهما وعدمِ شعورِهما بالمسؤولية تجاهه.. أليسَ هذا يُتمًا؟! وهناك من يغدو إلى المدرسةِ مُتسخَ الملابس، لم يجدْ من يهتمّ بهِندامِه، وهو يعيشُ في ظِلِّ أبوين.. أليس هذا يُتمًا؟! فكُلُّ تقصيرٍ تجاهَ الأبناءِ من قِبَلِ والديهم يتمٌ يا عزيزتي! فاليُتمُ ليسَ بفقدِ الأبِ أو الأُمِّ فحسب؛ إنّما اليُتمُ عيشُ حالةَ الخوفِ والاضطرابِ والغُربةِ والتشرُّدِ في ظلِّ الأبوين! فالأبوةُ والأُمومةُ اهتمامٌ واحتواءٌ والتزامٌ قبلَ أنْ تكونا كسوةً وإطعامًا. كلماتُها هذه وقعتْ على قلبي كزلزالٍ هزَّ كياني وأعادَ حساباتي خوفًا على ولدي الصغيرِ من هذا النوع من اليُتم، هرعتُ مُسرعةً إلى طفلي أحتضنُه أقبِّله أضمّه لصدري، وكلماتُها تُدغدِغُ روحي وترنُّ بأُذني كجرسٍ يُذكِّرُني بموعدِ الاهتمامِ بصغيري... عاهدتُ نفسي أنْ أرعاهُ وأهتمَّ به وأُغدِقَ عليه حُبًّا وحنانًا ما دُمتُ برعايةِ اللهِ (تعالى) وحفظه. ومرّتِ الأيامُ سريعًا كمرورِ السحاب، وبدأتْ صديقتي المعطاءُ والأُمُّ المثالُ بحصادِ ثمارِ الرعايةِ والاهتمامِ وما بذرته في الأيامِ الصِعاب، ها هي تقطفُ ثمارَ بذورها، بتخرُّجِ ابنها الأكبر في كُليةِ الطب، وإكمالِ البنتِ السنةَ الثالثةَ في كليةِ الطبِّ أيضًا، والتحاقِ الابنِ الأصغرِ بكُليةِ الهندسة؛ حقًا ثمارٌ أينعتْ فحانَ قطافُها..

اخرى
منذ شهر
224

تِينَةُ ٱلدَّارِ

بقلم: صاحب ساجت نَثَرْتْ أغْصانَها بِزَهوٍ، تُمْسِي وَتُصْبِحُ مَلاذًا لِعَصافِيرِ ٱلحَيِّ، تَرْقِصُ بِهِدُوءٍ، تَتَمايَلُ مَعَ ٱلنَّسَماتِ. تَحْرِقُ دُمُوعُها لَوْ بَكَتْ... ذاتَ صَباحٍ، لَسَعَتْنِي شَمْسُ ٱلضُّحَىٰ، كُلُّ شَيءٍ هادِئٍ، إلا وَجِيبَ قَلْبي مِنْ فَزَعٍ داهَمَنِي. تَدَحْرَجْتُ عَلىٰ ٱلسُّلَّمِ، مَذْعُورَةً لا أُصَدِّقُ ما فاجَأَنِي.. ــ بَابَا هُوَ مَنْ قَطَعَها. قالَ: إنَّها شاخَتْ، وَفي ٱلرَّبِيعِ نَزْرَعُ مَحَلَّها أُخْرَىٰ! ــ مَامَا.. وَأَنَا؟

اخرى
منذ شهر
218

أُختي المؤمنةُ..

أُختي المؤمنةُ.. لا تتذمّري من ارتداءِ الحجابِ الشرعي مع ارتفاعِ درجاتِ الحرارة ولا تُصغي لقولِ البعض؛ فحجابُكِ سِترٌ من النارِ وواقٍ من حرارتِها.... حجابُكِ فخرٌ لسيّدةِ النساء

اخرى
منذ شهر
94