Profile Image

علوية الحسيني

"إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار".

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية (18)

بقلم: علوية الحسيني طلبُ العلم قال (تعالى): {ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}(1). نشاطٌ رمضانيّ ينبغي أنْ لا تغفلي عنه يا أختاه، به تتنوّرُ البصائر، ومنه تنطلقُ الأعمال، ألا وهو طلب العلم. فيا أختاه من هُنا لا بُدّ من تضمينِ نشاطاتكِ الرمضانيةِ بساعاتٍ مُحدّدةٍ لطلبِ العلم. ولا شكّ أنّ وقتَ بعضِ النساءِ مشغولٌ ما بينَ تحضيرِ وجباتِ الطعامِ من سحورٍ وفطور، والقيامِ بتدريسِ الأطفال، ولعلّه بمُشاهدة تلفاز –إنْ كانتْ هادفة-، وتلاوة آياتٍ، وقراءة أدعية، إلا أنّ نشاطهنّ يخلو من طلبِ العلمِ الذي يُقوِّمُ كُلَّ العبادات ويُهذِّبُ الحركات والسكنات! ولمعرفة معنى التفقُّه في الدين نرجع إلى تفسيرِ الآية الكريمة؛ يقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) في ميزانه مُفسرًا هذه الآية: "ومن هُنا يظهرُ... أنّ المُرادَ بالتفقُّهِ تفهُّمُ جميعِ المعارفِ الدينيةِ من أصولٍ [التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، الإمامة، المعاد] وفروعٍ [الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الخمس، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر] لا خصوصَ الأحكامِ العمليةِ وهو الفقهُ المُصطلحُ عليه عندَ المتشرعة"(2). وأيّدَه الشيخُ ناصر الشيرازي (قدس سره) في تفسيره؛ حيثُ قال في أمثله: "لا شكَّ أنّ المقصودَ من التفقُّه في الدين هو تحصيلُ ((جـميعِ)) المعارفِ والأحكامِ الإِسلامية، وهي ((أعـمُّ)) من الأصولِ والفروع؛ لأنّ كُلَّ هذه الأُمور قد جُمِعتْ في مفهوم التفقُّه"(3). وعليه، إنّ المنظومةَ الدينيةَ عبارةٌ عن ثلاثةِ أجزاء عامة: (عقائد وفقه وأخلاق)، وهي الهرمُ الذي يُريدُنا اللهُ (تعالى) التفقُّه به. ومثلما علمتِ يا أُخيّة أنّ التفقُّه في العلومِ الدينيةِ واجبٌ (كفائي على أقل تقدير) بدليلِ ما قرأتِ في صريح الآية، فكذا روايات أهلِ البيت (عليهم السلام) حثت عليه كثيراً؛ فقد رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عليكم بالتفقُّه في دينِ اللهِ ولا تكونوا أعرابًا فإنّه من لم يتفقّه في دينِ اللهِ لم ينظرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ ولم يُزكِّ له عملًا"(4). فأبعدي عنكِ كُلَّ المعرقلات، واستعيني باللهِ (تعالى) في تنظيمِ الأوقاتِ، وتفرّغي في الشهرِ الفضيلِ للتفقُّهِ في دينكِ للوصولِ إلى منازل الكمالات، ولتفطرَ روحُكِ الصائمةُ عن تلك العلومِ بما تفيضُه علومُ الدين على قلبكِ وعقلكِ من رشحات. رويَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): أنَّ موسى (عليه السلام) لقيَ الخضرَ (عليه السلام) فقال: "أوصيني. فقال الخضر: "...واعلمْ أنَّ قلبَك وعاءٌ، فانظرْ ماذا تحشو به وعاءك"(5). فانتبهي يا ابنةَ الإسلامِ، لا تظلمي نفسكِ بالابتعادِ عن طلبِ العلومِ الدينية. وهناك عدّةُ نقاطٍ من الممكنِ أنْ تُعينَكِ على طلبِ تلك العلوم في شهرِ رمضان، منها: 1- المُشاركةُ في الدوراتِ الرمضانيةِ المُتكاملةِ من عقائدَ وفقهٍ وأخلاقٍ التي تعقدُها الجهاتُ الموثوقة. 2- دراسةُ كتابٍ عقائديّ وآخر فقهيّ وآخر أخلاقيّ، وعقدُ الهِمّةِ على إتمامِها في شهرِ رمضانَ المبارك، واختيارُ كُتُبٍ أعلى منها درجةً في شهرِ رمضان القادم بعون الله (تعالى). 3- مُشاهدةُ البرامجِ التلفازية، أو سماعُ الحلقاتِ الإذاعية التي تتناولُ بيان تلك العلوم الثلاثة. 4- عقدُ مجالسَ نسويةٍ في بيتِ إحدى النساء، وتذاكرُ العلومِ الدينية -مع رعايةِ الوقايةِ الصحية-، وحذارِ من التفريقِ بين تلك العلوم الثلاثة. 5- المواقعُ الإلكترونيةُ أيضًا من الممكنِ أنْ تخدمَنا في بثِّ العلومِ الدينية، فتلك المدارسُ والمعاهدُ الدينية قد صدحَ صوتُها في نشرِ علومِ محُمّدٍ وآلِ مُحمّد (عليه وعليهم السلام)، وبإمكانكِ التسجيل، والانتفاع منها. 6- تخصيصُ وقتٍ لدراسةِ هذه العلومِ، والأفضلُ أنْ يكونَ صباحًا أو ضحى؛ للاستفادةِ من إلغاءِ تحضيرِ وجبةِ الغداء في شهر رمضانِ، فأعدّي وحضّري فيها وجبةَ غداءٍ للروح. 7- المُشاركةُ في دوراتٍ قرآنيةٍ لتعلُّمِ قراءةِ القرآنِ الكريم، وتفسيرِ آياتِه المباركة، ولا بأسَ بدراسةِ بعض علومه، فشهرُ رمضانَ هو شهرُ القرآن. وأخيرًا اعلمي يا أخيّة مثلما أمركِ الله (تعالى) بطلبِ العلوم الدينية، كذا أمركِ بعدم الإخلالِ في وظائفكِ في بيتكِ، فحاولي الموازنة. _________________________ (1) سورة التوبة: ٢٢. (2) تفسير الميزان: للعلاّمة الطباطبائي (قدرس سره)، ج9، ص404. (3) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي (قدس سره)، ج6، ص296. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب فضل العلم, ص31, ح7. (5) منية المريد: للشهيد الثاني, ص140. اللهم وفِّقْنا وجميعَ المشتغلاتِ للعلمِ والعملِ الصالح بحقِّ سيّدِنا مُحمّدٍ وآله الطاهرين.

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
212

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(١٩)

بقلم: علوية الحسيني تركُ الغضب رويَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) أنّه قال: "قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): الغضبُ يُفسِدُ الإيمانَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسل"(1). إذا كانَ الغضبُ يُفسِدُ الإيمانَ، فلا إيمان، ويكونُ كُلُّ ما يصدرُ من الإنسانِ مُجرّدَ لقلقةِ لسانٍ. وعليه، ينبغي للمرأةِ أنْ تجعلَ ضمنَ نشاطاتِها الرمضانيةِ أمرًا مُهمًا يُحافظُ على إيمانها، وهو تهذيبُ نفسِها في جميعِ الأشهرِ عمومًا، وفي شهرِ رمضانَ المُبارك خصوصًا، والتهذيبُ يعني تنقيةَ النفسِ من كُلِّ السلوكياتِ غيرِ اللائقةِ بشخصِ المؤمن، ومنها الغضب. قد تغضبُ بعضُ النساءِ بسببِ مُشاجرةٍ بين أولادِها، أو احتراقِ طبختِها، أو جدالِها غيرِ الطبيعي مع زوجِها، أو انفعالاتٍ نفسيةٍ بسببِ كثرةِ مسؤولياتِها، أو عدمِ قيامِ زوجةِ ابنِها بتنظيفِ بيتِها، أو غيرِ ذلك! إلا أنّ كُلَّ تلك الأسبابِ غيرُ مُبرّرةٍ للغضب؛ لما يترتبُ عليه من نتائجَ وخيمةٍ تسلبُ الروحيةَ والخشوعَ من العبادة، والشعورَ بالضيافة الإلهية. وللأسفِ نجدُ البعضَ تجعلُ الصومَ شمّاعةً لتُعلِّقَ عليها سببَ غضبها، فتقول: (إنّ فلانة إذا صامتْ تغضب)! ولا أعلمُ أينَ المُبرِّرُ لغضبِ الصائمة؟ والحالُ أنّها في ضيافةِ الله (تعالى)، فهل يغضبُ الضيفُ؛ لأنّه على أجودِ الموائد! لا شكَّ ولا ريبَ يا أُختاه إذا لم تتغلّبي على غضبِكِ هذا فإنّه سيؤدّي إلى مشاكلَ أسريةٍ ونفسيةٍ؛ لأنّه رأسُ كُلِّ شرّ؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "الغضبُ مفتاحُ كُلِّ شر"(2). وللتغلُّبِ على هذا السلوكِ غيرِ اللائقِ بالمؤمنةِ هناك حلول عديدة, منها: 1- التوكُّلُ على اللهِ (تعالى) والاستمرارُ بالدُعاءِ بتركِ هذا الخُلُقِ المذموم. 2- الجلوسُ، جاءَ في الرواياتِ أنّ الشخصَ الغاضبَ إذا جلسَ فإنّ الغضبَ يزولُ عنه؛ رويَ عن الإمام الباقر (عليه السلام): "...فأيّما رجل غضبَ على قومٍ وهو قائمٌ فليجلسْ من فورِه ذلك، فإنّه سيذهبُ عنه رجزُ الشيطان"(3). 3- إذا غضبتِ على إحدى أرحامكِ فلتمسِّي بدنها؛ رويَ عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): "...وإيّما رجلٍ غضبَ على ذي رحمٍ فليدنُ منه فليمسّه، فإنّ الرحمَ إذا مُسّت سكنت"(4). 4- اذكري اللهَ (تعالى)؛ رويَ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام): "أوحى اللهُ (عزّ وجل) إلى بعضِ أنبيائه: يا بن آدم اذكُرني في غضبِك أذكُرك في غضبي"(5). 5- التخلُّقُ بأخلاقِ اللهِ (تعالى) كخُلُقِ الحلم؛ رويَ عن النبيّ محُمّدٍ (صلى الله عليه وآله): "يا علي لا تغضبْ، فإذا غضبتَ فاقعدْ وتفكّرْ في قُدرةِ الربِّ على العبادِ وحلمِه عنهم، وإذا قيلَ لك: اتقِّ اللهَ فانبذْ غضبَك وراجعْ حلمك"(6)، فتذكّري كم مرة حلُمَ اللهُ (تعالى) عنكِ عندما غضبَ عليكِ. 6- اعلمي أنّ الغضبَ يجعلُكِ ألعوبةً بيدِ العفاريتِ الشيطانية؛ رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "وإيّاك والغضب فإنّه طيرةٌ من الشيطان"(7). 7- استشعري الخجلَ من اللهِ (تعالى) عندما يكونُ غضبُكِ ليس لغضبِ اللهِ (تعالى). 8- أكثري من قراءةِ رواياتِ أهلِ البيت (عليهم السلام) في ذمِّ الغضب، واقتدي بهم. 9- طالعي بعضَ الكتبِ والأبحاثِ الأخلاقيةِ التي تتناولُ موضوعَ الغضب وأسبابه وآثاره وطرق علاجه. ______________________ (1) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الغضب. ص302, ح1. (2) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص303, ح3. (3) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص302, ح2. (4) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص302, ح2. (5) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج15, باب وجوب ذكر الله عند الغضب, ص364, ح1/ 20751. (6) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص14. (7) نهج البلاغة, ج3, ص136, ح76. اللهم لا تدعْ خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتها، ولا عائبةً أؤنّبُ بها إلا حسّنتها، ولا أكرومةً فيّ ناقصةً إلاّ أتممتها.

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
237

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(٢٠)

بقلم: علوية الحسيني وداعٌ وحذر رويَ عنِ الإمامِ زينِ العابدين (عليه السلام) في وداعِه لشهرِ رمضانَ المبارك: "السلامُ عليك من ناصرٍ أعانَ على الشيطان، وصاحبٍ سهّلَ سُبُلَ الإحسان"(1). بالتأمُّلِ في الدُعاءِ المُبارك نجدُ أنّ الشهرَ الفضيلَ فعلًا كانَ خيرَ ناصرٍ، حتى غلّ أيدي الشياطين، وخيرَ صاحبٍ ساعدنا على عملِ الحسنات. والدعاء يوازنُ بينَ الحذرِ من غيابِ المدافعِ الناصر، والحزنِ على توديعِ الصاحب، ومن ثم إذا غابَ الناصرُ فلربما استولى علينا الشيطان، وإذا غابَ الصاحبُ فلربما صعُبَتْ علينا سُبُل الإحسان. ومن هُنا تتجلّى أهميةُ الدعاءِ بوداعِ شهرِ رمضانَ والحذرِ ممّا يليه؛ لنوكلَ وداعَنا بالشكرِ، وحذرنا من المكائدِ الشيطانيةِ لله القيوم. فهذا هو آخرُ نشاطٍ رمضاني لكِ يا أختاه، ينبغي أنْ لا تغفلي عنه؛ لما فيه من شكرِ اللهِ (تعالى) المُنعمِ على ضيافتِه الإلهية، ولزومِ الاستغاثةِ به (تعالى) ممّا تنتقمُ به العفاريتُ الشيطانيةُ ووسوستُها للنفسِ الإنسانية. ومن أبرزِ صورِ ذلك الهجوم الشيطاني ما تفعلُه بعضُ النساءِ ابتداءً من أولِ أيامِ عيدِ الفطرِ المُبارك من سلوكياتٍ مُحرّمة، كالخروجِ أمامَ الأجانبِ مُتبرّجةً، أو الاختلاطِ مع الأرحامِ دونَ مُراعاةِ الحجابِ الشرعي، مُشمّرةً عن ساعديها، مُرتديةً الجوارب الخفيفة على قدميها، قد طلتْ بالمكياجِ والأصباغِ وجهَها وأظافيرها، أو التكلُّمِ بفاكهةِ المجلسِ –الغيبة-، وغيرها من السلوكياتِ الغريبةِ عمّا كانتْ عليها في شهرِ رمضان، أو لنقُلْ باختصارٍ: إنّ الشيطانَ يسوّلُ لها (تحطيمَ مُراقبةِ النفس) بفأسِ الوسوسةِ والتغرير. ولهذا نجدُ البعضَ ترجعُ إلى مُحاسبةِ نفسِها بعدَ انتهاءِ أيامِ العيدِ بدرجةٍ وإنْ كانتْ أقلَّ مما كانتْ عليه في شهرِ رمضان، لكنّه إنْ دلّ على شيءٍ فإنّه يدلُّ على شِدّةِ وضوحِ انتقامِ الشيطانِ بعدَ انتهاءِ الشهرِ الفضيل. فيا أُختاه! أينَ نحنُ ومُقاومة ذلك الهجومِ الشيطاني؟! فلنستودعِ اللهَ (تعالى) أنفسَنا، ونُعينها على طاعةِ ربّها، ونستعيذُ من وسوسةِ الشيطانِ عدوّها، ونستمرُّ بمُراقبتها ومُحاسبتها؛ لنصلَ إلى الكمالاتِ الروحيةِ بها. وهناك عدّةُ أمورٍ تترتبُ على قيامِنا بوداعِ شهرِ رمضانَ والحذر ممّا يليه، منها: 1- إنّ القيامَ بذلك يُعبّرُ عن شدّةِ التعلُّقِ باللهِ (تعالى) بالدُعاءِ المُستمر. 2- إنّ القيامَ بذلك يضمنُ الحصانةَ الجُزئيةَ من مكائدِ الشيطانِ الرجيم، وإلا فبعضُ الذنوبِ سببُها النفسُ الأمّارةُ بالسوء. 3- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه أنْ تكوني في مُراقبةٍ للنفسِ دائمة. 4- إنّ القيامَ بذلك يعكسُ أدبَ الضيفِ مع مُضيّفه، فهو نوعٌ من الشكر. 5- إنّ القيامَ بذلك يشرحُ الشوقَ القلبي للأجواءِ الإيمانيةِ في أيامِ الشهرِ الفضيل. 6- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه المواظبةُ على جميعِ العباداتِ العامة؛ من قيامِ ليلٍ ودعاءٍ وتلاوةِ آياتٍ صومِ بعضِ الأيام. 7- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه أنْ تكوني بينَ خوفٍ ورجاءٍ من اللهِ (تعالى)؛ فالخوفُ من أنْ يكِلَكِ إلى نفسِكِ طرفةَ عينٍ أبدًا فيُنفِّذَ الشيطانُ مكائدَه، وأما الرجاءُ فأن تبقى نفسُكِ ترجو لُطفَه (تعالى) وعنايته، وهُنا ينبغي أنْ تكوني يا أُختاه مُواظبةً على جهادِ نفسكِ، لتكونَ أهلًا أنْ تشعرَ بالخوفِ والرجاء بدرجةٍ مُتوازنة. وأخيرًا أقول: مع وداعِ شهرِ رمضانَ المبارك أودّعُ سلسلةَ (نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية) بجميعِ حلقاتِها، وهي: (معرفةُ اللهِ (تعالى)، الإحسانُ إلى الوالدين، غسيلُ الأواني المبارك، جلساتٌ دعوية، أضواءٌ على الاختلاط، سحورٌ عقائدي، شراءُ ملابس العيد، الجمال، الصحة، صلةُ الرحم القاطع، لا بخلَ ولا إسراف، أفكارٌ إيمانية، زوجةُ الداعية، فقهياتُ الصوم، معرفةٌ مهدوية، رشحاتٌ، إحياءُ ليلةِ القدر، طلبُ العلم، تركُ الغضب). وأحذرُ من الشيطانِ الغويّ الرجيم أنْ يكونَ له رجسٌ فيها أو وسوسة. أسألُ اللهَ (تعالى) أنْ يكونَ ما قدّمتُ لكنّ أخواتي المؤمنات خالصًا لوجهه إنّه رقيبٌ شهيد. ------------------- (1) الصحيفة الجامعة لأدعية الإمام السجاد، زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): إشراف: السيد الأبطحي الأصفهاني, ص296. اللَّهُمَّ اسلَخْنَا بِانْسِلاَخِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَايَانَا، وَأَخْرِجْنَا بُخُرُوجِهِ مِنْ سَيِّئاتِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَجْزَلِهِمْ قِسَمَاً فِيـهِ، وَأَوْفَـرِهِمْ حَظّاً مِنْـهُ، واخْسَأْ الشَّيطان عَنَّا بِعِبَادَتِكَ، وَاكْبِتْهُ بِدُؤوبِنَا فِي مَحَبَّتِكَ، وَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِتْراً لاَ يَهْتِكُهُ، وَرَدْماً مُصْمِتاً لا يَفْتُقُه.

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
315

علَّمَني دُعاءُ عرفة/١

بقلم: علوية الحسيني أنْ أطلبَ منه (تعالى) أنْ يُعلِّمَني من علومِ إمامي الحُسين (عليه السلام)، لا سيما التوحيدية منها؛ لأستنيرَ وأعملَ بها، ثم أطلبَ الحشرَ معه. فعند تأمُّلي في دُعاءِ عرفة: "إلهي علمتُ باختلافِ الآثار وتنقُّلاتِ الأطوار أنّ مُرادكَ منّي أنْ تتعرّفَ إليّ في كُلّ شيءٍ حتى لا أجهلكَ في شيء" ظهرَ لي أنّي دونَ تأمُّلٍ سأعيشُ حالةَ الجهل، والجهلُ قبيحٌ، وأيُّ جهالةٍ أشدُّ قُبحًا من الجهلِ باللهِ الواحدِ الأحد؟! فينبغي أنْ أنتبهَ إلى وجودِ اللهِ (تعالى) مِن خِلالِ كُلِّ شيءٍ يُحيطُ بي؛ حتى لا أجهلَ ذلك الوجودَ المُقدّسَ؛ لأنّه (تعالى) يُريدُ أنْ يتعرَّفَ إليّ، ثم أعتقدُ بعقيدةِ إمامي باللهِ (تعالى). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معرفةٌ ثم معرفةٌ ثم عمل.

العقائد
منذ شهرين
193

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) (1)

بقلم: علوية الحسيني مقدمة: قبلَ عروجِ روحِه إلى السماء، لم يقطعْ وصالَه بخالقه، حتى ناجى بفنونِ المُناجاةِ خالقه، مُتذلِّلًا بينَ يديه، مُفتقِرًا إلى إجابةِ دعوته، راجيًا دوامَ لطفه، كأنّ طائرةَ روحِه تأخّرتْ؛ ليشُدَّ حيازيمه، ويحملَ حقائبَ عقيدته، حتى ناجى ربّه بعقيدته، ثم أقلعتْ طائرةُ روحِه من مطارِ بدنه، حينما أقدمَ عدوّه على حزِّ نحره؛ فكانتْ تلك المُناجاةُ آخرَ مُناجاته. ذلك هو الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) المُستشهِدُ في سبيلِ دينه، وتلك هي مُناجاتُه مع خالقه التي سنكونُ في رِحابِها بفيضه وبركاته، في خمسٍ وعشرين حلقةٍ واقفين على سواحلِ بحرِ جواهرِه. والمُناجاةُ هي: "اللهم! مُتعالي المكان، عظيمَ الجبروت، شديدَ المحال، غنيًا عن الخلائق، عريضَ الكبرياء، قادرًا على ما تشاء، قريبَ الرحمة، صادقَ الوعد، سابغَ النعمة، حسنَ البلاء، قريبًا إذا دُعيت، مُحيطًا بما خلقت، قابلَ التوبةِ لمن تابَ إليك، قادرًا على ما أردت، ومُدرِكًا ما طلبت، وشكورًا إذا شُكِرت، وذكورًا إذا ذُكِرت، أدعوكَ مُحتاجًا، وأرغبُ إليك فقيرًا، وأفزعُ إليك خائفًا، وأبكي إليك مكروبًا، وأستعينُ بك ضعيفًا، وأتوكّلُ عليك كافيًا، احكمْ بيننا وبين قومنا، فإنّهم غرّونا وخدعونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحنُ عِترةُ نبيّك، وولدُ حبيبِك مُحمِّدٍ بن عبد الله، الذي اصطفيتَه بالرسالة، وائتمنتَه على وحيك، فاجعلْ لنا من أمرِنا فرجًا ومخرجًا برحمتِك يا أرحمَ الراحمين"(1) *اللهم! مُتعالي المكانِ ابتدأَ الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) دُعاءه قائلًا: "اللّهُمّ" وهي "صيغةُ نداءٍ ودُعاء مثل: يا الله، حُذِفَ منها حرفُ النداءِ وعُوِّضَ عنه بميمٍ مُشدَّدة"(1)، واختار مُخاطبةَ ربِّه بقوله (اللهم)؛ لأنّ اللهَ (تعالى) ولِهَ قلبه، فأحبّ الله، وهامَ بحُبِّه، حتى إنّه يُخاطِبُه في هذا الظرفِ الصعب، والأعداءُ يقتربون منه، وحرائرُ آلِ مُحمّدٍ (عليهنّ السلام) على وشكِ أنْ يُصبِحنَ سبايا، لكنه (عليه السلام) كانَ وفيًا بولائه وإيمانه وحُبِّه لربِّه، فلم يعترضْ على فاجعةِ كربلاء، فكانتْ آخرُ أنفاسِه تقديسَ اللهِ (تعالى). بعدَها يقولُ الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) لربِّه: (مُتعالي المكان) إشارةً إلى تنزيهِ اللهِ (تعالى) عن المكان، فلعلّه يقصدُ اللهمَّ تعاليتَ وتنزّهتَ أنْ يكونَ لكَ مكانٌ يحويك؛ بدليلِ فقرةِ الدُعاء التي تليها (عظيم الجبروت) التي سيأتي بيانُها إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)، كما جاءَ في الدُعاء: "ليس يمنعُك عزُّ سُلطانِك، ولا عظمُ شأنِك، ولا ارتفاعُ مكانِك، ولا شِدّةُ جبروتِك من أنْ تُحصيَ كُلَّ شيءٍ وتشهد كُلَّ نجوى"(2) فالدعاء يقول: أنتَ مكانتكَ معنوية، ولستَ يا ربّي في السماء، فجلالتُكَ تحصي كُلَّ شيءٍ في السماءِ والأرض، وأنتَ معنا في كُلِّ نجوى، فتعلم بما سنقوله، ونقوله، وسوفَ نقوله. حاشاكَ يا إلهي أنْ تكونَ في السماءِ العالية، أنتَ تتعالى عن ذلك؛ لأنّ عقلي يحكمُ أنّكَ لو كُنتَ في السماء، لكانتِ السماءُ حوتكَ وأحاطتْ بكَ، والذي يُحيطُ به المكان هو الجسم، والجسمُ مُركّبٌ من عدّةِ أجزاء، والمركبُ يحتاجُ إلى كُلِّ أجزائه. وحاشاكَ يا ربّي أنْ تكونَ مُحاطًا بالسماء، وأنْ تكونَ جسمًا مُحتاجًا لشيء، فأنتَ الغنيُّ عن كُلِّ شيء. 1/ محرم/ 1443هـ. __________________ (1) المصباح المتهجد: للشيخ الطوسي, ص٨٢٧؛ الإقبال: للشيخ الطوسي, ج3, ص304؛ بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج93, ص348 . (2) معجم اللغة العربية المعاصرة: د. أحمد مختار عبد الحميد, ج1, ص114. (2) مصباح المتهجد: للشيخ الطوسي, ص473. اللهُمّ يا مُتعالي المكان، صلِّ على مُحمّدٍ وآله سادةِ الإيمان، واحشرْنا معهم في الجنان. صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ اللهِ، صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ الله، صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ الله

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهر
191

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)2

بقلم: علوية الحسيني ح2/ اللهُمّ!... عظيم الجبروتِ بعدَ أنْ نفى الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) عنِ اللهِ (تعالى) المكانَ، قال: "عظيم الجبروت"؛ إشارةً إلى اسمِ اللهِ (تعالى) الجبار، وجبروتُ مُشتقةٌ من جبرَ "الجبّار: اللهُ عزّ اسمُه القاهرُ خلقَه على ما أرادَ من أمرَ ونهي"(1). فأحدُ معاني الجبّار هو "العالي الذي لا شيءَ فوقه؛ لأنّ الجبرَ جنسٌ من العلو"(2). إذن فلسانُ حالِ الإمامِ يقولُ لربِّه: إلهي أنتَ عظيمُ القهر والهيمنةِ على عبادِك، حاشاكَ أنْ تعلوَ على أوامرِك ونواهيك أوامرُ عبدِك ونواهيه. ذكرت جبروتكَ لتجبرَ ظهري المُنكسرَ على عيالاتي ونسائي، فبجبرك ضمادٌ لقلبي المُتقرِّحِ أسفًا على غدرِ أعدائي بي. ورغمَ علمي أنّ لُطفك جلالتك سيُحيطُ بهم، إلا أنّ انكسارَ قلبي لا يجبِرُه سوى مُناجاتي وتذلُّلي لك يا إلهَ العالمين، فمُناجاتك مرهمٌ يداوي ندبات قلبي، وانكسار ظهري. كما إنّي ذكرت جبروتك المُشتقةَ من اسمِك الجبّارِ لأسألك أنْ تجبرَ قلبَ أُختي الحوراء (عليها السلام) بالصبرِ عندَما تسمعُ صوتَ حزِّ السيفِ لنحري، حينما تصرخُ جروحي بصوتِ الدماء، وعندَما ترضُّ الخيولُ عظامي، وعندَما يُنتزَعُ السهمُ من نحرِ ولدي الرضيع... وبدُعائي الأخير: يا ربّي أرجو أنْ تتقبّلَ حمدي لك على جبرِك مُقدّمًا، وجبروتك التي لم أرَ منها إلا جميلًا ورضوانًا منك، فقد جبرتَ وليّك بالشهادةِ على يدِ أخبثِ خلقِك، التي لا ينالها إلا ذو حظٍّ عظيم، وهيهات مِنّا الذلة، فما أعظمَ جبروتك وجبرك! ومن هذا نتعلّمُ من الإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) تقديسَ اللهِ (تعالى)، ودوامَ ذكرِه قلبًا ولسانًا في كُلِّ الأحوال، فذكرُه سلوى لحالةِ الغُربةِ التي يعيشُها المؤمنُ وسطَ كثرةٍ لا خيرَ فيها، وأنْ نرى البلاءَ جمالًا مع صبر؛ لننالَ الرضوان الأكبر. ليلة4/ محرم/ 1443هـ. ___________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص113. (2) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (جبر)، ص 184. اللهُمّ يا عظيمَ الجبروت، اِجبرْ قلوبَنا بالحشرِ مع مولانا الإمامِ الحُسينِ الشهيدِ المنعوت؛ فهو دُعاؤنا في كُلِّ قنوت.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهر
184

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)(3)

بقلم: علوية الحسيني الحلقة الثالثة: قولُه (عليه السلام): "اللّهُمَّ!... شديدَ المحال" المحالُ لُغةً هو: "الكيد والمكر"(1)، فالإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) رغمَ علمِه باستشهادِه على يدِ أرذلِ خلقِ اللهِ (تعالى)، وقد يظنُّ البعضُ انتصارَ العدوِّ بقتلِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، إلا أنّ الخلدَ كان من نصيب الإمام (عليه السلام)، والذُلَّ والهوانَ أمطرَ حجارتَه على أعداءِ الإمام (عليهم لعنة الله). ورغمَ ذلك فالإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) يدعو اللهَ (تعالى) بـ(يا شديدَ المحال)؛ أي يا شديدَ الانتقامِ من الأعداء، شديدَ المكرِ والكيد بهم؛ لعلمِ الإمامِ بأنّ اللهَ (تعالى) عادلٌ ناصرُ المظلومين. فلسانُ حالِ الإمامِ (عليه السلام) يقولُ: إلهي أنتَ أعلمُ بما حلَّ بي وبأهلي، فقد أمطرَنا الأعداءُ غدرًا وتشريدًا، وإنّ طوفانَ حقدِهم سيجرفُ آلَ بيتي وحرائري إلى حيث أرذلِ خلقك. ولم يطفُ فوقَ طوفانِ الدم سوى أجساد بالجروحِ مُثكلات، عن الرؤوسِ مفصولات. فكما نادى نوحٌ ربَّه بعدَ مكرِ قومِه به، نادى الحُسينُ (عليه السلام) ربَّه بعدَ مكرِ قومِه به أيضًا: {رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا* وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارا}(2). وها أنا ذا ربّي أدعوك يا شديدَ المحال، يا شديدَ المكرِ والانتقام بالماكرين، عليكَ بأعدائي. فها أنا ذا وارثُ نوحٍ نبيّك، أنا أيضًا {دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا}(3)، فيا إلهي و{رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا* وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارا}(4) فاتبعوا آلهتهم يزيد، وابنَ زياد، وابنَ مرجانة، وعمرَ بن سعد، وشمرًا (عليهم سطوات غضبك)، ومكروا بي مكرًا كبّارا. فيا {رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا}(5)، فهم هتكوا حُرمتي، واستحلّوا دمي، وأغضبوا حبيبَك محمدًا (صلى الله عليه وآله), وأفجعوا قلبَه. يا ربِّ فكما قُلتَ: {ونُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم}(6) فاستجبْ لي واكشفِ الكربَ عنّي وعن أهلي، وأنا على يقينٍ أنّك ستُركبني وأهلَ بيتي سفينةَ الصبرِ والنجاة، أعِدُكَ يا ربّي سنركبُها مُتكئين على التسليمِ لأمرِك {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}(7), وستجعلني أنا سفينةَ نجاةِ كُلِّ مظلومٍ ومكروب، وإنْ أمرتَنا بعدَ النصرِ بالحمدِ والثناء عليك، فسنحمدك حمدًا بليغًا؛ كما أمرتَ نوحًا (عليه السلام) ومن معه {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(8). وسأقولُ مثل ما أمرتَ نبيّك نوحًا (عليه السلام) بالقول: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِين}(9)؛ لأنّ جدّي رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أنّك ستُنزِلُني منزلًا مباركًا لاتِّباعي، الذي سيكونُ هو كعبةً لعُشاقي، ومع أنّه كَربٌ وبلاء، لكنّه آيةٌ من آياتِكَ في الشهادة. ورغمَ أنّي بكيتُ على أعدائي؛ لأنّهم بسببِ بُغضِهم وقتلهم إيّاي سيدخلون جهنم، لكنّني طوعُ أمرِك الإلهي (أنْ لا مُخاطبةَ معك في شأنِ الظالمين)، وطوع أمرِك إيّاي (أنِ اصنعِ الشهادةَ وستأتي روحي إلى الملكوت، فأنا في رِحابِ اللُطفِ والرعايةِ الإلهية)، كما أمرتَ نوحًا (عليه السلام) أنْ يُكمِلَ صُنعَ سفينتِه {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونْ}(10). يا ربِّ إلا أنّ موعدَ نصرِ نوحٍ (عليه السلام) كانَ حينما فارَ التنور "للدلالةِ على موعدِ الطوفان"(11) {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَك}(12) فلم يُفجَعْ فيه أهلُه، أمّا موعدُ نصري كانَ حينما فارَ دمُ رضيعي من نحرِه، ودمُ أخي العباس من حدقةِ عينه، ودمي من أوداجي، ففُجِعتِ السماءُ وملائكتُها، والأرضُ وأنبياؤها، حتى نوح ناحَ عليّ نَوحًا. ونحنُ جميعًا اليومَ نرى أنّ اللهَ (تعالى) استجابَ للإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) فأمطرَ السماءَ دمًا، وأغرقَ أعداءه بطوفانِ الذُلِّ والهوان، وتلاطمتْ بهم أمواجُ خيانةِ بعضِهم بعضًا. فسلامٌ عليكَ يا نوحَ كربلاء، واللعنُ الدائمُ على كُلِّ من حلَّ عليهم طوفانُ الغضبِ الإلهي. ______________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج11, ص619. (2) سورة نوح: 21-22. (3) سورة نوح: 5-6. (4) سورة نوح: 21-22. (5) سورة نوح: 26. (6) سورة الأنبياء: 76. (7) سورة هود: 41. (8)سورة المؤمنون: 28. (9) سورة المؤمنون: 29-30. (10) سورة هود: 37. (11) ظ: تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج10, ص226. فار التنور: التنور المتعارف, أو فار الماء للطوفان من أعالي الأرض, أو فار حين طلوع الفجر. (12) سورة هود: 40. اللّهُمَّ يا شديدَ المحال، صلِّ على مُحمّدٍ والآل، وألهِمْنا صبرًا على ما جرى من فجائعِ الأفعال، وضاعِفْ عقابَك على أعدائهم في الغدوِ والآصال. ليلة10/ محرم/ 1443هـ.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 4 أسابيع
161

إنارةٌ حَسَنية/ ١

بقلم: علوية الحسيني "عَـجِبْتُ لِمَنْ يَتَفَكَّـرُ في مَـأْكُولِهِ كَيْـفَ لا يَتَفَـكَّـرُ في مَعْـقُـولِهِ، فَيُجَنِّبُ بَطْنَهُ ما يُؤْذيهِ، وَيُودِعُ صَدْرَهُ ما يُردِيهِ"(١). قولٌ رويَ عنِ الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السلام)، فيه إنارةٌ واضحةٌ تُنبِّهُنا على أنّ اللهَ (تعالى) خلقَ الإنسانَ للوصولِ إلى الكمال، ولا يستطيعُ كُلٌّ مِنّا أنْ يُحلـِّقَ في مدارجِ الكمالِ ومراتبِ القُربِ من رضوانِ اللهِ الأحد إلا من خِلالِ جناحين: ■الجناحُ الأول: وهو الأساس، جناحُ العِلمِ والمعرفة. ■الجناحُ الثاني: وهو الفرعُ، جناحُ العمل. •فقيمةُ العملِ إنّما تثقلُ وتتبلورُ من خِلالِ الكيفِ المعرفي والعلمي عندَ الإنسان؛ لهذا كانَ العلمُ أفضلَ العباداتِ وأرقاها وأسماها، لكنَّ العجبَ كُلَّ العجبِ من زُهدِ الكثيرين -ممّن ينتسبون إلى الإسلامِ عمومًا، وإلى الولايةِ خصوصًا- في العلمِ والمعرفةِ الدّينيّةِ وكأنّها أمرٌ ثانوي لا أهميةَ ولا ضرورةَ له! •ومن هُنا يتعجّبُ سيّدُ شبابِ أهلِ الجنةِ الإمامُ المُجتبى (عليه السلام) من ظاهرةِ اهتمامِ الإنسانِ بمأكولاتِه وعنايتِه بدِقّةِ اختيارِها ذوقًا وطعمًا ولونًا ونظافةً، لكنّه لا يولي ذاتَ الاهتمامِ بمعقولاتِه ومعلوماتِه ومعارفِه، فيُشبِعُ جوعَ بطنِه، ولا يُشبِعُ جوعَ عقله! والأغربُ من ذلك عندَما يُطلَبُ من إنسانٍ ما أنْ يأتيَ إلى مجالسِ العلم، أو يطلبه في بيتِه يتعذّرُ ويتذرّعُ بقوله: ((لا يوجدُ لديّ الوقتُ الكافي لذلك))! عجبًا عجبًا، هل يوجدُ عندَك وقتٌ لإشباعِ بطنِك، ولا يوجدُ عندَك وقتٌ لرُقي عقلِك؟! •إنّ السلوكَ المعرفي التكامُلي الذي يهدفُ إلى بناءِ الذاتِ الإيمانيةِ وتكامُلِها في دائرةِ انتظارِ الفرجِ للحُجّةِ المُنتظر (روحي فداه)، والاستعدادَ الحقيقي للمؤمنِ لدولةِ القائمِ يكونُ من خِلالِ قولِ اللهِ (تعالى): {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة}(٢)، وإنّ من أعظم السِلاحٍ والقوة التي يستعدُّ به المؤمنُ والمؤمنةُ للظهورِ المُقدّسِ لبقيّةِ اللهِ (عجّل الله فرجه الشريف) هو سلاحُ العِلمِ وقوّةِ المعرفة. فهلاّ تأمَّلْنا؟ ____________________ (1) بحار الأنوار: ج1، ص218، ح43؛ عن دعوات الراوندي. (2) سورة الأنفال: ٦٠. اللهم وفّقْنا للعِلمِ والعملِ الصالح.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ أسبوع
147

إنارةٌ حَسَنية/٢

بقلم: علوية الحسيني "لا تأذنوا لأحدٍ حتى يُسلِّم"(1). هذا ما رويَ عن الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السلام)، وفيه إنارةٌ لمن كانَ يسيرُ في ظُلُماتِ الغفلةِ عن أهميةِ السلام، أو كانتْ روحُه إما مُتغطرِسةً لا تتواضع، أو بعيدةً عن التخلُّقِ بأخلاقِ اللهِ السلام، أو باختصارٍ: غافلةً عن ثقافةِ ابتداءِ السلام، وحتى ردّه؛ لأنّ من اعتادَ أنْ يتكلّمَ دونَ سلام فإنّ ردَّ السّلامِ عندَه من نافلةِ القول. ومن المؤسفِ أنّ البعضَ يتكلّمُ معك دونَ أنْ يُلقي السلام. الإمامُ المُجتبى (عليه السلام) يُريدُ أنْ يسموَ بشيعتِه إلى الرُقي، فأخذَ يُخاطِبُ الطرفَ الآخر، لا الذي كانَ ينبغي عليه أنْ يُسلِّم، ويقول له: لا تأذنْ لذلك الشخصِ بالكلام قبلَ أنْ يُسلّم. لكن، من المُحرجِ أنْ تقولَ لمن يتكلّمُ معك دونَ سلام: (سلِّم أولاً) لا سيما إذا كانَ أكبرَ منك سنًّا، أو أعلى منك درجةً علمية؛ لذا ينبغي أنْ نستضيءَ بنورِ قولِ الإمامِ (عليه السلام) ونجعلَ البدءَ بالسلامِ ثقافةً واستنانًا وتحصيلًا لرضا الرحمن. وكما هناك حقٌّ لمن يُريدُ أنْ يُلقى السلامُ عليه، فهناك حقٌ لمن سلّمَ ولم يتلقَ ردًّا على سلامه! فلماذا هذا الابتعاد عن تُراثِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)؟! ولماذا هذا التكاسُل عن إلقاءِ السلامِ أو ردّه، أو حتى كتابته؟! والخُلاصةُ: إنارةُ الإمامِ المُجتبى (عليه السلام) تكشفُ لنا الدُّررَ التالية: 1/إنّ السلامَ وإنْ كانَ تطوّعًا إلا أنّه سُنّةُ المعصوم فينبغي على الموالي اتباعُها. 2/إنّ في السلامِ ثوابًا عظيمًا، وليس بعاقلٍ من تنازلَ عن ثوابه؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "مَنْ قالَ: السلامُ عليكم فهي عشرُ حسناتٍ، ومن قالَ: [ال] سلام عليكم ورحمة الله فهي عشرون حسنةٍ، ومن قال: [ال‍] سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاثون حسنة"(2). 3/ردُّ السلامِ واجبٌ، رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) قال: "قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): السلامُ تطوّعٌ والرَّدُّ فريضةٌ"(3). .......................... (1) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص246. (2) الكافي: للشيخ الكليني, باب التسليم, ج2, ص645, ح9. (3) المصدر نفسه, ج2, باب التسليم, ص644, ح1. اللهمَّ اجعلْ نفسي مُستنّةً بسُنَنِ أوليائك. 8/صفر/ 1443هـ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 6 أيام
137

إنارةٌ حَسَنية/٣

بقلم: علوية الحسيني "مَنْ تذكّرَ بُعدَ السفرِ اعتدّ"(1) قولٌ رويَ عن الإمامِ الحسن (عليه السلام), يُنيرُ الجوانحَ؛ لتُعيدَ النّظرَ في عقيدتِها, ويُنيرُ الجوارحَ؛ لتقضيَ حقوقَ اللهِ (تعالى) وعبادِه، وتُعامِلَ النّفسَ والآخرين بأخلاقِ اللهِ (تعالى) ربِّها. اعتادَ الإنسانُ إذا أرادَ السّفرَ أنْ يأخذَ معه حقيبةً يضعُ فيها الزّادَ الذي يحتاجُ إليه في السفر, من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ واللوازمِ الأخرى التي يحتاجُها جسدُه. وكما الجسدُ يُسافرُ, فالرّوحُ ستُسافِرُ أيضًا في يومٍ ما, لكن دونَ أنْ نعلمَ بموعدِ سفرِها؛ سترتحلُ إلى عالمِ البرزخ, ومن الظُّلمِ عدمُ تزويدِها بالزّادِ الذي تحتاجُه؛ فليس هناك زادٌ يأخذُه الإنسانُ إلى عالمِ البرزخِ والقيامةِ سوى العِلمِ الصالحِ النافعِ المؤدّي للعملِ به في عالمِ الدُنيا. إذًا, لا بُدَّ أنْ نكتسبَ العلمَ النّافعَ, ثم نعملَ به؛ حتى يكونَ عملنا صالحًا. ولعمري, أيُّ علمٍ أنفعُ للإنسانِ سوى العِلمِ باللهِ (تعالى), المُسمّى بالتوحيد! يقولُ اللهُ الواحدُ الأحد: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه}(2), فالكلمُ الطيّبُ هو التوحيدُ حسبما جاءَ في تفسيرِ هذه الآيةِ المُباركة؛ "فلا عملَ يرتفعُ إذا لم يكنْ نابعًا عن توحيدِ اللهِ (تعالى)"(3). •والإمامُ الحسنُ (عليه السلام) يُنيرُ قلوبَنا بموعظتِه هذه؛ حيثُ يُرشِدُنا إلى جوهرِ العُدّةِ أو الزّادِ في السفرِ البرزخي وما بعده، وهو (معرفة الله (تعالى))؛ وهذه هي الغايةُ من خلقِ الإنسان؛ حيثُ توصِلُه للكمال. كما ويصِفُ الإمامُ السّفرَ إلى اللهِ (تعالى) بالبعيد؛ لعلّه للإشارةِ إلى المُدّةِ الزمنيةِ, أو إلى بُعدِنا عن التفكُّرِ بالسفرِ الرّوحي, فيُسرِجُ لنا نورَ الموعظةِ؛ لنُعالِجَ مرضَ غفلتِنا, حيثُ الرّوح تنزفُ جهلًا, ولا يُضمِّدُ جرحَها النازفُ سوى معرفةِ اللهِ (تعالى) وتوحيدِه بذاتِه, وصفاتِه, وأفعاله. أو لعله إشارة إلى أن طريق التكامل غير متناهٍ، فهو بعيد عن متناول يد الممكن أن يصل إلى الغاية فيه. ذلك التوحيدُ الشّاملُ المُصحِّحُ عقائدَ الإنسانِ, ودافعُه إلى أداءِ عباداتِه، واجتنابِ المُحرّمات، وحُسن مُعاملاتِه مع عِبادِ الرحمن, وتهذيب النّفس، والتخلُّق بأخلاقِ أهلِ الجنان. فكفانا غفلةً, وهلّا استيقظنا وتزوّدنا؟ "تخيّرْ قرينًا من فِعالِك إنّما قرينُ الفتى في القبرِ ما كانَ يفعلُ فلا بُدّ للإنسانِ منْ أنْ يعدّه ليومٍ يُنادى المرءُ فيه فيُقبلُ فإنْ كُنتَ مشغولًا بشيءٍ فلا تكنْ بغير الذي يرضى به اللهُ تُشغَلُ فما يصحبُ الإنسانَ من بعدِ موتِه ومن قبلِه إلا الذي كانَ يعملُ ألا إنّما الإنسانُ ضيفٌ لأهلِه يُقيمُ قليلًا عندَهم ثم يرحلُ"(4). ___________________ (1) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص236. (2) سورة فاطر: 10. (3) ظ: تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج17, ص23. (4) شعر نظّمه قيس بعد أن تشرف بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله), بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج74, ص176. إلهي إنْ كانَ قلَّ زادي في المسيرِ إليك، فلقد حَسُنَ ظنّي بالتوكُّلِ عليك. 10/ صفر/ 1443هـ.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 4 أيام
108