Profile Image

رضا الله غايتي

لا تيأسوا من روح الله

جَلست في زاوية من زوايا المنزل و قد أسدل ستار الصفرة و الشحوب على وجهها، فأخفى ابتسامتها المشرقة، وأبدل وجنتيها المتوردتين إلى هالات سوداء أحاطت عينيها اللتين غارتا لكثرة البكاء، وطول النحيب وأضعف جسمها النشيط الهمُّ، فأصبحت لا تنهض من مكانها إلا لأمر ضروري جدا... هي على هذه الحال منذ أيام بعد أن سئمت التنقل المستمر بين المحطات الفضائية فتارة تتابع المسلسلات و أخرى تستمع الأغاني .... كل ذلك محاولة منها لإسكات الضجيج الذي يسود رأسها و الصوت الذي يسّهد ليلها كلما طرق سمع قلبها ...أنتِ أخطأت .....أنتِ أذنبت ....أنتِ ابتعدت عن خالقك... أنت... أنت... أنت... فتشعر بحقارة نفسها وقذارة تلفُّ باطنها... ولطالما حاولت جاهدة إسكات ذلك الصوت بشتى الوسائل و بمختلف الطرق ولكن دون جدوى.... بقيت جالسة في مكانها والأفكار تعجّ في رأسها كأنما ساحة وغى يتقاتل فيها جيشان كلاٌ منهما يبذل أقصى ما في وسعه لتحقيق الانتصار على خصمه... فتارة فكرة شيطانية تزين لها الاستمرار في المعاصي فلا مجال للتوبة بعدئذ والمبتلّ لا يخشى المطر.... وتارةً فكرة رحمانية تطلب منها محاولة العودة إلى الله ( تعالى ) وما إن تسترسل فيها حتى يدخل أبو مرة فيقطع حبلها ويأمرها بالانتحار انتقاماً من نفسها التي عصت.... فأشفقت على حالها المزرية ولم تستطع الصمود أكثر... فانتفضت صارخة كفى... كفى..... توقفا عن العراك ... قد سئمت منكما.... إلى متى وأنتما تتباريان على الفوز بالانصياع لكما... إلى متى... إلى متى... ارحماني... وما إن أتمت حديثها معهما حتى أطرقت برأسها نحو الأرض هُنيئة وانتبهت فجأة وقد علت وجهها ابتسامة ثم قالت ساخرة من نفسها... ما أغباك، أتأملين رحمتهما وتيأسين من رحمة الله ثم استجمعت شتات قواها المتحطّمة وقالت من كل قلبها... ولا تيأسوا من روح الله... فاستجمعت قوى جسمها المنهك و خطت خطوات لتسبغ الوضوء و تصلي ركعتي التوبة ... و لكنها تذكرت قذارتها التي أحاطت بها بسبب المعاصي فأكملت وضوءها وتوجهت لتغتسل من ذنوبها وقد رفعت صوتها وبكل عزم وقوة وإرادة: عليَّ أن أفتح صفحتي الجديدة مع ربي وخالقي وأنا طاهرة...

اخرى
منذ 4 سنوات
2266

مفتاح السعادة

خرجت أبرار من غرفتها و قد حزمت حقيبتها و هي ترتجف من الغضب، وتردد كلمات طالما رددتها من قبل: " لا يستحق ما أقوم به... لا يستحق ما أقدمه له ... هل هذا جزاء صبري معه ؟ ... هل هذا جزاء تضحيتي ؟ ... " و ما إن وصلت الى مخرج المنزل حتى تذكرت أنها لم تأخذ معها مفتاح منزل أبيها الذي خلا منذ مدة، فعادت مسرعة وهي تبحث عنه فسألتها زهراء: عمّ تبحثين؟ أجابتها : أبحث عن مفتاح منزل أبي لأعيش فيه وأرتاح فيما بقي من عمري من هم أخيك . تبسمت زهراء قائلة : استهدي بالله . فصرخت بوجهها وقالت: لن أكون نسخة مكررة منك... تعانين من فقر زوجك ومع هذا تصبرين على سوء خلقه وتعاملينه بالحسنى وكأنه أفضل زوج على هذه المعمورة تبسمت زهراء ثانية و أرادت أن تلفت انتباهها فقالت : لقد وجدت المفتاح .. أقبلت عليها أبرار قائلة: إذن أعطيني إياه لأرحل عن أخيك الناكر للمعروف و الجاحد للجميل أجابتها زهراء: لم أقصد مفتاح منزل أبيك بل قصدت الأهم منه! قالت أبرار: أي مفتاح تقصدين؟ أجابتها بكل ثقة: مفتاح السعادة... ألا يهمك أكثر من مفتاح المنزل؟ قالت بحسرة: يهمني... ولكن أين أجده؟.... مع أخيك؟! قالت: نعم أجابتها باستهزاء : وكيف ذلك يا فيلسوفة؟ وأنا معه منذ سنوات ولم أجده؟ قالت زهراء : لم تجديه لأنك تقدمين كل ما تقومين به طوال هذه السنين لأخي، وأنت تعرفين أنه لا يجازيك بالحسنى... فلمَ تقدمين له؟ ولمَ تطالبيه بالجزاء؟ أضعتِ جهودك وسبّب لك ذلك التعاسة ... ألم تفكري يوماً أن تتقربي بكل ما تقدمينه لزوجك وأسرتك إلى الله ( تعالى ) وتطلبين منه الجزاء. قال تعالى: " يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " (1). وقال أيضا: " وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " (2) وقال: " قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " (3). عزيزتي أبرار: لا تهدمي هذا البناء المقدس بطريقة تفكيرك هذه، ولا تكدري حياتك بل استثمري وضعك الذي أنت فيه للتقرب إلى الله.. ولا تنتظري جزاء من أحد فإن جزاء الله خير الجزاء.. لا يعدله جزاء الناس أجمعين.. فكري بهذه الطريقة تهدأ نفسك ويرتاح بالك و ينشرح صدرك و ستحصدين الثواب الجزيل و سيجازيك عليها الرب الكريم " فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ " (4) سرَتْ كلمات زهراء في قلب أبرار وهدّأته فسادَ فيه الاستقرار والاطمئنان .. و ما إن أنهت زهراء كلامها حتى جلست أبرار على سريرها، وقالت: الآن عرفت سر سعادتك وسكينتك، رغم ما تكابدينه من الألم وتتجرعينه من الحزن. وددتُ لو أنك قلت لي ذلك قبل سبعة عشر عاماً، لكان كل ما قدمته لأخيك من خير في ميزان حسناتي، ولما تنغصت عيشتي طوال تلك السنين، ولما ملأ شعري شيباً... بل ولتمتعت بحياتي.. نعم لكنت أشعر بالسعادة عندما أقدم لهم خدماتي، لأني أقدمها بأجر باهض مودع عند أمين مقتدر، يردها لي يوماً أحوج ما أكون فيه إلى الجزاء والثواب . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آل عمران 171 (2) هود 115 (3) يوسف 90 (4) الزلزلة 7

اخرى
منذ 4 سنوات
2832

جنة في محضر الشياطين

منذ شهور وقد تجمدت مشاعرها فلم تعد تسمع كلمة حب أو همسة شوق.. و ذات ليلة كادت مشاعرها و عواطفها أن تنفجر .. ولِمَ لا؟! أولم يقولوا إن الكبت يولد الانفجار؟ .. و لكنها تغافلت عنها مقنعة نفسها كما في كل ليلة .. عليّ أن أنام فأنا أشعر بنعاس شديد ... دفعت باب غرفتها لتجده قابعاً في زاويتها محدقاً بكلتا عينيه مستمتعاً بمحادثته مع من تتقنَ حديث الغرام وفن الهيام مبتسماً سارحاً لا يكاد يشعر بما حوله... رفعت طرف الغطاء لترمي بنفسها وسط السرير .. حاولت النوم و لكن عبثاً.. فقد أهجرت شعلة عواطفها الملتهبة الكرى من عينيها المغرورقتين بالدموع ... حانت منها نظرة إلى رف سريرها لتجد جهازها.. فقررت أن تطالع كتاباً تنشغل به إلى أن تنام كما اعتادت... ما إن لمست جهازها لتشغيله حتى وقعت عيناها على طلب المراسلة الذي أتخم بعبارات الحب والشوق.. وهنا تحلقت شياطين الجن و الإنس حولها .. فشيطانٌ قصّر في واجبه فزهد معها بما يوزعه على باذلات الشرف والعفة و الحياء بلا مقابل ...وشيطانٌ أتقن نصب شراكه ليوقعها في صيده... و شيطانٌ يوسوس بأن هذه فرصة ويجب إغتنامها... لم تتمالك نفسها وأرخت عيناها بالدموع التي بللت وسادتها .. لم ترَ حولها إلا الظلام و لم تشهد عيناها إلا العتمة ...تشّدد قبضتها على جهازها تارة وترخيها أخرى. وفجأة تنهدت بعمق ورمت بالجهاز على الأرض وارتسمت على وجهها الحزين ابتسامة الأمل... ضجّ بعض الشياطين صارخين مجنونة .. مجنونة .. اغتنمي الفرصة .. عاقبيه بالخيانة .. ولكنها لم تكن تسمع كلمة واحدة ... إذ كان صدرها منشرحاً لما حلّقت به عيناها... في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.. قائلة في سرها: ما حجْمُ عمري إن ذهب حسرات بأجمعه و قد قال ربي " وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)"

اخرى
منذ 4 سنوات
3626

الاستهانة بالمفقود

من بين أهم الأسباب التي تسبب تعاسة الانسان بل و قد تحيل حياته الى جحيم أحيانا هو فقده لأمر يعتبره غاية في الاهمية و ركناً أساسياً من أركان سعادته. فالبعض يشكو فقدانه للصحة، وآخر يشكو فقدانه للذرية، وثالث يشكو فقدانه للمال...وهكذا، فيحزنون ويتذمرون بسبب ماديات افتقدوها يظنون أنها سبيلهم الى السعادة، وقد تكون كذلك أحياناً .. إلا أن السعادة لا تكمن فيما حولنا من ماديات بل هي شعور داخلي يحسه الإنسان يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير. وهذه لا يمكن أن تتأتى بالأمور المادية بتاتاً؛ ما لم يكن هناك شعور بالسعادة ينبع من داخل الانسان ؛ لأن السعادة هي بما الإنسان عليه من شعور لا بما تحيطه من ظروف. فالسعادة ليست في كثرة المال وإلا لسعد قارون، ولا في رفعة المناصب وإلا لسعد هامان وزير فرعون، ولا في متعة دنيوية زائلة بل السعادة الحقيقية في طاعة الله، والبعد عن معصيته، وراحة الضمير.. و مع ذلك فمن الصحيح أن يسعى الانسان بكل جهده للحصول على ما يشعره بالسعادة سواء كان مالاً أو ذرية أو زوجة أو بيتاً واسعاً... وما إلى ذلك فإن كان الله (تعالى) قد قدر الخير فيما يبتغيه منحه له فلا بخل في ساحة المولى (عز وجل)، وإلا منعه منه حرصا عليه. فقد ورد في الحديث القدسي: " أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك وأن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك " (1) فإن بذل كل ما في وسعه و تعسّر عليه أن يجد ضالته ففي هذه الحال لا يجدي نفعا التحسر على ما يفقده مع كل نفس و في كل حين . و إلا فسيعيش التعاسة بعينها بسبب شيء لم يقدر الله (تعالى) أن يكون من نصيبه يوماً، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام): " ما أعجب هذا الإنسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته، محزون على فوت ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر، وعلم أنه مدبر، وأن الرزق عليه مقدر، ولاقتصر على ما تيسر ولم يتعرض لما تعسر " (2). و لعل خير بلسم لجراحات كل فاقد ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو قوله : " السعيد من استهان بالمفقود " (3) . و قد يتساءل البعض كيف يمكن أن يحقق مجرد (الاستهانة بالمفقود) السعادة؟ و للجواب على ذلك نقول: إن الاستهانة بالمفقود تعني أن يرضى الانسان بالحال التي هو عليها و لا يتذمر مما يعانيه بسبب فقده لبعض الاشياء ..و هذا بحد ذاته يمثل : أولاً: عبـــادة ؛ لأنه رضا بما قسم الله (تعالى) ، والرضا كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " (4)، فضلاً عن الثواب العظيم الذي يرصده الله (تعالى) لمن يرضى كما روي عن الامام الصّادق (عليه السلام) أنه قال: " من رضي القضاء، أتى عليه القضاء وهو مأجور. ومن سخط القضاء، أتى عليه القضاء وأحبط الله أجره " (5). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب الله تعالى يوم فقركم والإفلاس "(6). وبالإضافة إلى ذلك يكون دعاء الراضي بما قسم الله مستجابا فقد روي عن الإمام الحسن (عليه السلام): " أنا الضامن لمن لا يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له " (7). بل وإن الرضا سبب لاصطفاء الله لعباده كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه " (8). لذا كان الرضا بالقضاء مطلبا للأئمة (عليهم السلام) و الصالحين فقد ورد في الزيارة الخامسة من زيارات الجامعة ": واجعل الارشاد في عملي،... والرضا بقضائك وقدرك أقصى عزمي ونهايتي وأبعد همي وغايتي، حتى لا أتقي أحداً من خلقك بديني ولا أطلب به غير آخرتي "(9) ثانياً: راحة نفسية: فالإنسان الراضي بما قسمه الله (تعالى) له يعيش في راحة نفسية وهدوء لا يمكن أن يصل إليهما من شغل باله بالهم و قلبه بالحزن و صدره بالضيق بسبب ما يفتقده و بالتالي ينعكس ذلك على سلوكه فلا ينفكَّ يتذمر ساخطاً على قدره متشنج السلوك مما يدخله ذلك في سلسلة من المشاكل و الخصومات مع غيره والتي تزيد من وضعه تأزماً وتعقداً. لذا فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " الروح والراحة في الرضا واليقين، والهم والحزن في الشك والسخط " (10). وعنه (عليه السلام): " ارضَ تسترح " (11). وعنه (عليه السلام) أيضاً: " من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته " (12). وعنه (عليه السلام): " الرضا ينفي الحزن " (13). وعنه (عليه السلام): " نعم الطارد للهم، الرضا بالقضاء " (14). و عنه (عليه السلام): " إن أهنأ الناس عيشا من كان بما قسم الله له راضيا " (15) ثالثاً: طريق الى السعادة: فقد أثبت علماء الطاقة اليوم أن الإنسان يبث طاقة تشبه ما هو عليه من تفكير ومشاعر وتجذب هذه الطاقة بدورها ما يشابهها من ظروف وأحداث إليه عبر قانون الجذب. وبما أن الذي يعاني من الفقد لا يبعث إلا طاقة الفقر والسلبية فإنه لا يجذب اليه سوى المزيد من الفقر في الأحداث والسلبية في الظروف. وبالتالي يعيش في سلسلة من الأحداث المؤلمة والظروف القاسية والتي لا تنتهي إلا بانتهاء تفكيره السلبي وشعوره العالي بالفقد وذلك لايمكن الا من خلال الاستهانة بالمفقود . وبما إن الاستهانة بالمفقود والقناعة بالموجود غنى في حد ذاته كما روي عن الامام علي (عليه السلام): " من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس " (16)، وهي كذلك تبعث من الإنسان طاقة الغنى والإيجابية فإنها بالتالي ستجذب إليه المزيد من الأحداث المفرحة والإيجابية والسعادة بحسب قانون الجذب. وقد ورد في الروايات ما يعاضد هذا المعنى: " إن الله تعالى أوحى إلى داود (عليه السلام): تريد وأريد وإنما يكون ما أريد فإن سلّمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد " (17) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عوالي اللآلي ج2 ص29 (2) التحف في مناقب السلف ص 54 (3) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص108 (4) بحار الانوار ج75 ص135 (5) ميزان الحكمة ج4 ص101 (6) بحار الأنوار ج 79 ص 143 (7) مشكاة الأنوار ص 74 (8) بحارالأنوار ج 26 ص 142 (9)المصدر السابق ج4 ص99 (10) ميزان الحكمة ج4 ص100 (11) غرر الحكم ص 104 (12) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد، ج19 ص355 (13) غرر الحكم، ص 31 (14) عيون الحكم والمواعظ ص 494 (15) نفس المصدر السابق ص 143 (16)بحار الانوار ج75 ص158 (17)ميزان الحكمة ج4 ص101

اخرى
منذ 4 سنوات
3930

رب ارجعون

كلمتان وردتا في القرآن الكريم لبيان حال الانسان عندما يأتيه الموت إذ يقول الباري (جل وعلا) : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) " (1) والهدف من طلب الرجوع هو ليعمل الصالح من الأعمال ... كلمتان تختصران الكثير من المعاني وتختزلان الكثير من المشاعر، الخوف والهلع من الموت والقلق لما هو قادم عليه في ذلك العالم ، ممزوجاً بالندم والحسرة على العمر الذي ضيعه هباءً منثوراً وعلى المال الذي شقي في جمعه ولم يستثمرهما في إثقال كفة حسناته ... وقد يكون الكثير منا مر في حالة خوف من أمر أهون من الموت بآلاف المرات بل قد لا يكون بينهما أي وجه مقارنة، أو مر بحالة ندم على أمر هو لا يمثل الواحد بالمليار بالنسبة إلى أمر عظيم كخسران العمر وضياعه ومع ذلك فقد كان الشعور بالخوف عظيماً وبالندم مراً لا يطاق، فكيف بالشعور الذي سيشعر به كل منّا عند الموت ونحن بين فكي الموت تفترسنا أنياب المنايا وتغرس مخالبها فينا آلام الموت وعذابات نزع الروح؟! أم كيف سنشعر وقد سُجّينا في ملحودتنا وقد أحاطنا التراب من كل جانب وإبتلعتنا وحشة الظلمة وقد تنقّل الدود على وجوهنا؟ هل الموقف مخيف؟ وهل لنا فرصة في تدارك ما فاتنا لوْ حلَّ فينا الموت وأصبحنا من ضيوف دكة المغتسل وأمسينا ليلتنا الأولى في منزلنا الذي لم يؤثث إلا بأعمالنا ولم يُكيّف إلا باعتقاداتنا؟ لا شك أنك توافقني عزيزي القاريء أن لا فرصة يمكن أن نحصل عليها حينئذٍ فقد أجاب (تعالى) طلب من جاءه الموت ممن سبقنا بالرفض إذ قال: " كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " ... فلِمَ لا نتخيل أننا قد صرنا الى ما صار اليه من جاءه الموت وطلب من الله (تعالى) الرجعة الى الحياة ولنفرض أن الله أجاب طلبنا وها نحن اللحظة عدنا الى الحياة ... ترانا ماذا سنصنع؟ هل نعود إلى ما كنا عليه من تأخير الصلاة؟ واستماع الغيبة والأغاني؟ والنظر إلى ما حرم الله؟ والتقصير في حق الوالدين والأرحام؟ أم كنّا سنتغير إلى الأفضل؟ ها هي ذي الفرصة بين أيدينا والفطن من يعرف كيف تقتنص الفرص وتستثمر ... ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المؤمنون 99و100

اخرى
منذ 4 سنوات
2895

احذروا البرمجة السلبية

روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه "(1) ، فعن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن قوله الله عز وجل:{فطرة الله التي فطر الناس عليها}؟ قال: "فطرهم جميعا على التوحيد"(2). فإذا كان للأبوين الدور الكبير في تغيير فطرة الانسان بحيث يترك التوحيد لتأثره بهم ويغير دينه الى غيره، فمن باب أولى أنه يتأثر بما يرددانه على أسماعه يومياً وما يرسلان إلى عقله الباطن من الرسائل التي تترسخ فيه لمكانتهما وأهميتهما في نفسه وتصحبه معه أينما حل وإرتحل وإلى مدة قد تكون طويلة من الزمن... فكم من شخصية قد كسرت، وثقة بالنفس قد هدمت، ومستقبل قد ضاع، وحياة قد تحولت إلى جحيم بسبب الرسائل السلبية التي تشبعت بها العقول الباطنية للأبناء من قبل الأمهات خصوصاً ومن قبل سائر الأهل بشكل عام، وبالتالي يُبرمج هؤلاء الأبناء برمجة سلبية حيث أن من لا يسمع سوى إنك فاشل سيفشل في العادة، ومن تسمع أنها قبيحة ستقتنع بذلك، ومن يُعامَل على أساس أنه عديم المسؤولية وضعيف الشخصية سيكون كذلك، ومن تتربى على أنها ليست مرغوب بها ستتكسر في نفسها قدرات لا تحيى ربما مدى الحياة .. وقد يتصور من يقرأ هذه الكلمات أننا نبالغ، إلا إن ذلك هو الواقع حقاً، لأن الطفل ومنذ بدء إدراكه يرى أن أهله هم المقيّمين لذاته والمشخصين لمدى نجاحه سواء كان دراسياً أو اجتماعيا أو اقتصادياً وعلى أساس ما يقيمونه وما يشخصونه يقتنع به الابن تماماً ويبني عليه ما يؤدي به بالتالي إلى تحقيق ذلك التقييم فعلاً وتحويله من مجرد رأي للأهل إلى واقع يعيشه، وهذا ما يدعى في التنمية الذاتية بالبرمجة فالأبناء لا سيما في أولى سنوات حياتهم كالجهاز الآلي (الروبوت) الذي يحمل مختلف السمات والقدرات إلا إن ما يبرمج عليه منها هو ما سيقوم به في الخارج فعلا ، فإن بُرمِجَ على التنظيم سيكون منظما لا محالة وإن برمج على التخريب فإنه لا يكون إلا ذلك .. الى ما شاء الله من السنين .. وعلى الرغم من خطورة البرمجة لتأثيرها الكبير على حياة الأبناء إلا أنها وفي الوقت ذاته تعد مفتاحاً من أهم مفاتيح التربية الناجحة والإعداد السلوكي السليم للأبناء فيما لو أحسن الأهل ــ وبصورة خاصة الأمهات ــ توظيفها ؛ لأن الأبناء في الأعم الأغلب سيعتمدون عليها في ممارسة حياتهم واتخاذ قراراتهم وبناء مستقبلهم ما شاء الله من السنين فإن كانت برمجة سليمة كانت حياتهم وقراراتهم وسلوكهم كذلك وإن كانت سقيمة كانت أيضاً كل من حياتهم وسلوكهم وقراراتهم كذلك.. ولذا نجد البعض يفشل في حياته ولا يعلم الأسباب ويجهلها حتى يدرك الحياة ويفهم الواقع ويشخص أخطاءه ليجد المفاجأة أن أهله هم الذين أوصلوه الى هذه النتائج المزرية والطامة الكبرى. وغالباً ما يكون ذلك بعد أن اختار التخصص العلمي وشغل الوظيفة ربما بل وقد يكون فات الأوان كما لو اختار الزوجة أو اختارت الزوج وأصبحوا آباء أو أمهات بناءً على البرمجة الخاطئة ! ولو تغلغلنا إلى أذهان الكثير ممن فشل في حياته سنجده يشير بأصبع الاتهام إلى أهله في كل ما يجنيه اليوم من متاعب وما يحصده من مصاعب، ولكن مع ذلك لا بد له أن يسامح الجميع كما ويسامح نفسه ولا يحمّلها نتيجة عمل زرعه غيره فيه ويطوي صفحته الماضية تماماً إن أمكن وينطلق في بداية جديدة لحياته.. وقد يقول من وجد نفسه فيما أسلفناه من كلام: كيف لي أن أبدأ من جديد وقد فاتني الكثير وربما أهم القرارات في الحياة كالتحصيل والتخصص العلمي أو كاختيار شريك الحياة أو ما الى ذلك ؟ نجيب نعم، نوافقك الرأي إن الموقف لا يخلو من غصة وألم كما هو مفعم بالصعوبة غالباً إلا أن خسرانك لجزء مهم من حياتك لا يسوغ لك خسرانها جميعاً، فحاول النجاح في القابل من عمرك فإن الإنسان لا يعدم الفرص في النجاح إلا حينما يعدم الحياة ، فتحلَّ بالأمل ، وانفض عنك غبار الشجن، وبرمج نفسك بنفسك برمجة صحيحة خالية من السلبية والتردد والجبن ، وكن شجاعاً في اتخاذ ما يمكنك من قرارات ولو قصيرة المدى وقليلة الأثر فإنه بتراكم هذه الصغائر من الخطوات الصحيحة يكمن النجاح الباهر ويتحقق المستقبل الزاهر... لكل ما تقدم .. احذروا أن تبرمجوا أولادكم برمجة خاطئة واحرصوا على أن لا يقوم بذلك أحد أبداً مهما كان عزيزاً عليكم .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عوالي اللآلي ج1 ص20 (2) المحاسن ج1 ص 241

اخرى
منذ 4 سنوات
2819

رب إني تبتُ إليك

تبسمت ابتسامة عريضة، فظن أنها تبسمت لإقباله عليها، مدَ ذراعيه الصغيرين بكل شوق وكأنه يريد أن يروي ظمأ شوقه إليها، ويسد رمق جوعه إلى حنانها، إذ لطالما هدّدته بعدم الاقتراب منها عندما تتواصل مع أصدقائها وصديقاتها على وسائل التواصل الاجتماعي! وما إن لامستها يداه الصغيرتان حتى دفعته بقوة وصرخت في وجهه: إبتعد عني! ماذا فعلتَ؟ لقد أفسدتَ عليّ تعليقاً هاماً… وعادت وهي يملؤها الغضب متمتمةً بكلمات الكفران والجحود بأهم نعم الله عليها؛ لما فعله طفلها الذي لم يتم ثلاث سنين بعد! ولكن ما إن رد أحدهم على تعليقها رداً مفعماً بالكلام اللطيف، والذي أعقبه إطراءٌ من آخرٍ ظريف، حتى تلاشى لديها ذلك الشعور بالغضب وتبدد الطبع العنيف، وتوردّ خداها وعاد اليها النشاط وغمرتها الحيوية، حيث شعرت بأنها أتمّت ما تعتبره واجباً... عندئذ التفتت إلى واقعها وحال بيتها فسقطت عيناها على طفلها وهو ملقىً على الأرض... اقتربت منه لتنقله إلى سريره كالعادة إذ لطالما نام وحيداً على الأرض بينما هي تجري اتصالاتها ومحادثاتها!! ولكن هذه المرة ما إن رفعتْ رأسه من الأرض حتى شاهدت دماً يسيل من جرحٍ في رأسه... فأعادت النظر إلى الأرض ثانية لتتحقق من سبب الجرح ولكنها إزدادت ألما، وانتفض ضميرها يؤنبها بقوة عندما لاحت أمام عينيها عيناه البريئتان وهما تتوسلان: أمي أريد حليباً في كوبي هذا، فأنا جائع جداً ولم أجد ما آكله ... هالها ما رأت وعلمت أن خطراً ما قد ألمّ بطفلها العزيز، فهزته صارخةً: ولدي ولدي، إنهض، إستيقظ، ما بك؟ أرجوك انهض ولكن لا فائدة.. في تلك اللحظة شعرت بعظم خطئها فكرهت نفسها التي انقادت لشهواتها، وكرهت جهازها الذي طالما ألّهته وأطاعته دون ربها، وكرهت أصدقاءها الذين فضلتهم على عائلتها ، وحملت ولدها وأسرعت إلى المشفى وهي لا تكاد تبصر طريقها، كشف عليه الطبيب وهو يتألم لظاهرة غفلة الأمهات عن أطفالهن هذه الأيام، ولكنه أحسن الظنَّ بها لأنه لم يقطع بتقصيرها تجاه ولدها فطمْأنَها: لا تقلقي.. الحمد لله.. ولدك لم يمت ولكنه غائب عن الوعي، يبدو أنه قد سقط من مكان مرتفع، فاحرصي عليه مستقبلاً ولا تغفلي عنه، هزت برأسها موافقة لكلامه وهي تحدث نفسها في سرّها: لابد لي من الحرص على نفسي أولا لأتمكن من الحرص على عائلتي، وأنا عازمة على ذلك ومعاهدة لك يا الله.. ربي إني تبتُ إليك...

اخرى
منذ 4 سنوات
2310

لِمَ لا نتأثر بكلام الله (تعالى)؟

قال (تعالى) : " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " " (1)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " وَ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ وَ اَلْهَادِي اَلَّذِي لاَ يُضِلُّ وَ اَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِي لاَ يَكْذِبُ وَ مَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى " (2)، فإذا كان كتاب الله كذلك فلِمَ لا يتأثر به ذلك التأثير المرجو (الرحمة والهداية والزيادة في الهدى والنقصان من العمى) كل من يقرؤه؟ نجيب: إن القرآن الكريم كالشمس التي تظهر على الدنيا أجمعها ولا يحرم منها إلا من حرم نفسه وركن الى الظل، فهو مصدر رحمة وهداية ولا يحرم من خيره وبركاته إلا من أوجد الحجب التي تمنع من وصول أشعة علمه ونور هدايته ودفء سكينته. والحجب تارة تكون: • بالغفلة عن كلام الله (تعالى) كأن يُشرّق القارئ ويُغرّب ويناقش مختلف مشاكله أثناء تلاوته ، أو يتلوه وكل همه آخر السورة فلا يفقه ما يقرأ ولا يفهم ما يتلو .. ولذا روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال : " بيّنه تبيينا، ولا تهذّه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه، وجرحوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة "(3). • وأخرى يتلو الكتاب ويعي معانيه ويفهم مقاصده إلا أنه يتلوه وكأنه يتحدث عن غيره وكإن المخاطب به سواه، فيقرأ " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ "(4) وذكر الله بين يديه ولا يخشع قيد أنملة !! ويقرأ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ "(5)، وهو يرتكب كل ما نهي عنه وكأنه ليس المخاطب! وهكذا ... • وأما الصنف الثالث فإنه حتى وإن تلا الكتاب بالتفات وعلم أنه المقصود بالخطاب إلا أنه لا يتأثر فيه لكثرة الذنوب التي ارتكبها والآثام التي اقترفها والتي شكلت رينا كسا قلبه وأقفالاً حالت دون دخول معاني القرآن اليه فيبقى مظلماً ولذا قال (تعالى) : " أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " (6). إذن فالقرآن الكريم كنز لا يمكنه التأثير على حياتنا أو تغيير واقعنا أو تطهير نفوسنا أو معالجة أمراضنا إلا باستثمار ما فيه من الجواهر الاعتقادية والدرر الأخلاقية، ولا بد من استخراج اللآلئ العلمية واستنباط الدروس والعبر من قصص الأمم الماضية، ولا يكون ذلك إلا إذا أزلنا ما على قلوبنا من حجب بترك اقتراف الذنوب وفتشنا عما فينا من العيوب وعملنا على إصلاحها أولا، وقرأنا القرآن الكريم ونحن في قرارة أنفسنا متيقنين بأننا نحن المخاطبون به فنتفاعل في كل آية من آياته المباركة ونتأثر بكل ما يرد فيه من وصف لأهل الجنة ولأهل النار .. وهذه هي سمة المتقين التي ذكرها أمير المؤمنين لصاحبه همام حيث قال: " فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم "(7) فالمتقون يركنون أي يميلون ويشتاقون إلى كل آية فيها تشويق للجنة طمعاً لما فيها، وتتطلع نفوسهم أي تشرف شوقاً إلى النعيم، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم أي أيقنوا أنّ الجنّة التي وعدوا بها هي ماثلة بين أيديهم ولذا وصفهم في نفس الخطبة بأنهم: " فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون "(8). وإذا مرّوا بتلاوتهم لكتاب الله (تعالى) بآية فيها تخويف و تحذير من النار أصغوا أي أمالوا إليها مسامع قلوبهم لا مسامع آذانهم وحسب وظنّوا أي علموا أنّ زفير جهنّم وشهيقها أي صوت توقدها وسعيرها في اصول آذانهم أو قد يكون المراد زفير أهلها المعذبين و شهيقهم، ولذا وصفهم في نفس الخطبة بأنهم: " فهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون " (9).. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاسراء 82 (2) نهج البلاغة خطبة 171 (3) نوادر الراوندي: 30. (4) الحديد 16 (5) الحجرات 12 (6) محمد 24 (7) نهج السعادة ج1 ص39 (8) في ظلال نهج البلاغة ص162 (9) المصدر السابق ص163

اخرى
منذ 4 سنوات
2998

التفكير بالمفقود

اتفق العقلاء على أن شكر المنعم والمحسن واجب مهما قلَ إنعامه أو تدانت درجة إحسانه، فإن كان الأمر كذلك فمما لاشك فيه أن شكر الله (تعالى) يعد من أوجب الواجبات لأنه قد غمر الانسان بالنعم الكثيرة وأمده بالمواهب الوفيرة، وأحسن اليه بأجلى صور الاحسان من قبل خلقه وإلى ما بعد ذلك، بل وفي كل آن، وحتى يوم الآخرة حيث يخلد من أحسن وينعّمه في الجنان ، ويعذب الظالم إنصافاً للمظلوم منه في لهب النيران .. ولا يجد الإنسان سبيله إلى شكر خالقه إلا بعد تذكر نعمه عليه، ونعم الله لا تعد ولا تحصى ، قال (عز من قائل) : " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا (34)"(1) . وللشكر درجات أدناها شكر القلب وهو أن يتصور الانسان النعمة، وأنها من اللّه (تعالى) فيغمره الشعور بشكره جل وعلا ، ويليها الشكر اللفظي وهو التلفظ بكلمات الحمد والشكر النابع من القلب لا مجرد لقلقة لسان ، وأما الشكر العملي فهو أعلى درجات الشكر وأفضلها ، وقد حث الله (تعالى) على الشكر العملي إذ قال : " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)" (2). ويكون الشكر العملي بأن يوظف الإنسان كل نعمة أنعم الله (تعالى) عليه بها للعمل في سبيله وطاعته وللتقرب اليه ، والتحرج بها عن معاصيه فيوظف لسانه في حسن المقال والصلح بين المتخاصمين وتعففه عن الفحش والنميمة ، ويوظف ذكاءه لخدمة المجتمع قربة الى الله وينأى عن استعماله في المكر والخديعة ،ويشكر نعمة العلم بالعمل به كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «شُكرُ العالِمِ عَلى عِلمِهِ، عَمَلُهُ بِهِ وَبَذْلُهُ لِمُستَحِقِّهِ»(3) ، وشكر التمكن من العدو العفو عنه كما روي عنه أيضا(عليه السلام): «إِذا قَدَرتَ عَلَى عَدوِّكَ فاجعَلِ العَفوَ عَنهُ شُكراً للقُدرَةِ عَلَيهِ»(4) ،وهكذا .. وقد جمع أمير لمؤمنين جميع صور الشكر العملي وأشكاله في قوله «أحسَنُ شُكرِ النِّعَمِ الإنعامُ بِها»(5). وختاما يمكن للانسان أن يكون في شكر دائم لله (تعالى) إذا ما عبده بدافع الشكر له كما روي عن مولى الموحدين علي(عليه السلام): «إِنّ قَوماً عَبَدُوهُ شُكراً فَتِلكَ عِبادَةُ الأَحرارِ»(6). وهو خير الدوافع للعبادة وأشرفها .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إبراهيم 34 (2) سبأ 13 (3) ميزان الحكمة ج5 ص90 (4) بحار الانوار ج68 ص427 (5) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص191 (6) عيون الحكم والمواعظ ج1 ص138

اخرى
منذ 4 سنوات
2690

أعجبني

أعجبنـــــــي أحسنتــــــــم بوركتـــــــم رائـــــــــــع... كلمات تتكون من حروف قليلة الا إنها قد تُحمِّل الانسان الكثير من الذنوب .... نعم ... تلك هي الكلمات التي إعتاد عليها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي .... حتى أصبح لديهم عرف خاص بهم ... من يُعجَب بمنشوري علي أن أعجَب بمنشوره مهما كانت الصورة المرفقة به... و من يعلق على منشوري علي أن أعلق على منشوره مهما كان المضمون...و من وافقني الرأي علي أن أوافقه الرأي مهما كان حديثه تشهير أو تسقيط أو إشاعة فاحشة أو أو أو ...!!!!... و هذا تقريبا هو قانون أغلب المستخدمين... و لكن أتعلم ما هو قانون السماء ؟؟؟ قانون السماء.... " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)" - ق قانون السماء...." إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) " - النور قانون السماء ..." وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) " الاسراء قانون السماء...." يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) " -الحجرات *فكم من خبر يُنشر قبل التثبت من صحته فيسقط مؤمن من أعين الناس أو تشوًه سمعته؟؟؟ *و كم من رأي يُحارب الله (تعالى) و شرعه يُؤيَد بدافع المجاملات ليس إلا ؟؟؟؟ *و كم من متجاهرة بالفسق شجعتها الاعجابات و التعليقات على المضي في طريق الانحراف؟؟؟ *و كم من شبهة تلوث فطرة الانسان شجع على إنتشارها تشجيع من يجهل أبجدية العقائد؟؟؟ *فهلا راجعنا أنفسنا قبل فوات الأوان .... و قبل أن يأتي يوم نصرخ فيه " رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " فيأتينا الجواب ... " كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) "- المؤمنون

اخرى
منذ 4 سنوات
1991

التكامل الثقافي للمرأة و الحياة الزوجية

ما أن تتزوج المرأة حتى تزداد مسؤولياتها فتنهمك أغلب النساء بهذه المسؤوليات و تنشغل بها فتتأخر عن التكامل العلمي ، والثقافي ، ومواكبة التطورات بعكس الزوج المتواصل علمياً وثقافياً مع تطورات الحياة ...و حينها يلاحظ الزوج ان هناك شرخاً عميقاً بينه وبينها ... وان المسافة قد ابتعدت كثيرا .. بينما نجد البعض الآخر من النساء و هن القلة النادرة في مجتمعنا العراقي يقدمن تكاملهن و تقدمهن العلمي و الثقافي على حساب الزوج و الاولاد .. في حين ان المرأة الذكية لا تتنازل عن طموحها و في الوقت نفسه تؤدي التزاماتها الزوجية والعائلية..و ذلك بمعالجة أهم الأسباب و أبرز المعوقات و هو ضيق الوقت غالبا وذلك من خلال عدة حلول نذكر منها : 1- وضع خطة أو برنامج بالمهام الواجب عليها تأديتها بحسب الأهمية مع تخصيص وقت بين عمل وآخر للراحة أو لممارسة هواية لغرض تجديد النشاط .. 2- عدم تضييع الوقت بمتابعة الافلام و المسلسلات غير الهادفة والتي تضيع العمر الذي تسأل عنه يوم القيامة ... كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم ) :" لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه .... " (1) ، بل قد تكتسب الذنوب والآثام من خلالها فيما لو وقع نظرها على مشاهد محرمة والعياذ بالله. . 3 - تخصيص وقت محدد لتصفح برامج التواصل الاجتماعي لكيلا تلتهم جل الوقت و الابتعاد عن المراسلات التي لا تجدي نفعا عاما ولا خاصا .. 4-بإمكانها أن تستثمر قدرتها على إدارة أكثر من عمل في وقت واحد فتطهو الطعام مثلا و تراقب الثياب في آلة الغسيل و تشرح لولدها ما صعب عليه فهمه -- إن أمكنها ذلك -- أو أن تستمع للمواقف التي تعرض لها خلال اليوم و كيف تعامل معها فتشجعه أن أصاب و تقوم سلوكه إن أخطأ... 5 - أغلب الأعمال المنزلية لا تفتقر إلى إعمال الذهن لذا يمكن للمرأة و هي تؤدي أعمالها أن تشغل ذهنها بالأمور النافعة من خلال الاستماع إلى محاضرة أو درس أو برنامج مفيد يثري رصيدها الثقافي و العلمي ... وهكذا يكون للمرأة بعض الفائض من الوقت يمكنها إستثماره في مطالعة الكتب أو تنمية هواية ككتابة الشعر أو القصص و غير ذلك حسب توجهاتها و طموحها ... عزيزتي ... إن قطار العمر لا ينتظر فإن استثمرتيه استثماراً صحيحا تقدم و تقدمت معه والا تقدم هو فيما تبقين انت على ما أنت عليه بل تكونين قد غبنت نفسك ...كما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) :" من اعتدل يوماه فهو مغبون ومن كان في غده شرا من يومه فهو مفتون" (2) وفقنا الله وإياكم للطاعة والعمل... -------------------------------------- (1 ) أمان الأمة من الاختلاف ج1 ص141 (2 ) أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع ج1 ص146

اخرى
منذ 4 سنوات
1685

الثناء على الأطفال قد يقتل الابداع !!!

يعد الثناء على الأطفال من الأساليب الهامة في تربيتهم وتنمية السلوك الايجابي فيهم وتشجيعهم عليه إذا ما إستخدم إستخداما صحيحا ، فهو أسلوب يبعث في الطفل الشعور بالسعادة والاطمئنان فضلا عن تقدير الذات ومن ثم يدفعه الى المزيد من التطور والابداع .. ولعل الكثير من الأسر تستخدم هذا الاسلوب بطريقة خاطئة فيكون مردوده عكسي لا ايجابي ، وقد يتسبب في قتل الابداع والتطور لديهم . هل يعقل ذلك ؟؟ وكيف ؟؟ معقول جدا وقد أثبتته التجارب ، وأما كيف فيكون عندما يمتدح الاهل والمربون الطفل ذاته وشخصه لا سلوكه وتصرفه ، فمثلاً إذا ما حل الطفل مسألة رياضية صعبة نوعا ما فلا يستحسن أن تثني عليه قائلا : أنت ذكي ، أنت عبقري ، أنت رائع ، بل يجب أن تنصب كلمات الثناء على السلوك نفسه وعلى الجهد المبذول ذاته كإن تقول : لقد بذلت مجهودا كبيرا في حل هذه المسألة أو حلك متقن ، لقد كنت كالعلماء في إستخدامك الكبير لعقلك والخ .. لأن الثناء على الطفل نفسه يكون مردوده عكسي فقد أجرى بعض التربويين تجربة على مجموعتين من الاطفال خضعوا لنفس الاختبار ونجحوا فيه فأثنوا على أشخاص المجموعة : أنتم أذكياء ، أنتم مبدعين .. أما المجموعة الثانية فقد أثنوا على مجهودهم فقط كما تقدم من عبارات .. ثم أخضعوهم لإختبار ثانٍ منحوهم حرية الاختيار فيه بين إختيار الاختبار المشابه للأول في درجة الصعوبة وبين إختبار أصعب منه فلاحظوا إختيار المجموعة الاولى للإختيارالأسهل وذلك محاولة منهم في الحفاظ على صورة الطفل الذكي لديهم !!! بينما إختار أطفال المجموعة الاخرى الاختبار الاصعب لثقتهم في مجهودهم ومحاولة منهم بذل المزيد منه !!! فالثناء على الطفل بأنه ذكي وعبقري يجعله يرسم في ذهنه صورة الذكي والعبقري وبذلك يحاول التهرب من مواجهة الإختبارات الاصعب ، وقد يكون الحل حاضرا في ذهنه إلا إنه يتردد في رفع يده للإجابة خوفا من أن يكون خطأاً فتخدش هذه الصورة التي في ذهنه ، وبمزيد من التردد والوجل يصل الى نتيجة أن لا يحاول البحث عن حل من الأساس إذا ما شعر في المسألة صعوبة .. على العكس من الثناء على الافعال والسلوكيات فإنه يعمل عمل المحرك الذي يدفع بالطفل الى الامام والتطور ويحفزه على المحاولة والمشاركة.. ⚜⚜⚜⚜⚜⚜

اخرى
منذ 4 سنوات
2448