Profile Image

باقر جميل

باقر جميل علاوي بكالوريوس علوم القرآن ماجستير جامعة الأديان والمذاهب

الحُبُّ غايةُ البلاء

بقلم: باقر جميل البلاءُ نوعان، نوعٌ عذابٌ، وآخرُ رحمةٌ وحنان. فأما الأولُ فيخصُّ المَرَدَةَ والمُعاندين والظالمين، وكذلك الأقوام الذين خالفوا أنبياءهم بشكلٍ فظيع، فيكونُ البلاءُ عقابًا أكثرَ مما يكونُ مجردَ بلاء.أما الآخرُ فغايتُه على العكسِ تمامًا؛ لزيادةِ إيمانِ المؤمنِ، ولزيادةِ التواصلِ بين العبدِ وربِّه. وهنا نقول: هل ترونَ غيرَ اللهِ (تعالى) يُقدِّمُ كلَّ ما هو جميلٌ ولطيفٌ لعبادِهِ بشكلٍ يومي بل في كلِّ لحظةٍ، في سبيلِ إبقائهم على تواصلٍ معه؟! كثيرًا ما نُعاتِبُ أحبتنا وأعزتنا؛ لعدم تواصلهم معنا، وعتابُنا يَنُمُ عن المحبةِ الكبيرةِ منّا لهم. فكيف بالله (تعالى) وهو يقول لنا: "وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا"؟! هذا التحنّنُ واللطفُ في التعبيرِ في سبيلِ جعلِ القلوبِ مطمئنةً وهانئةً، لا تجده بين العبدِ وسيّدِه إلا عند الله (تعالى) معنا. فإنْ لم تنفع معه كلُّ الطرقِ في تذكيرِ المؤمنِ بالله العلي العظيم، فإنَّ الخالقَ وبطريقةٍ أخرى يجذبُ انتباهه إليه؛ بابتلائه بنوعٍ من البلاء، فيرجع قلبه إلى صانعه الذي طالما ناداه وكان مؤنسه ورفيقه الذي لا يهديه إلا للخير، ولا ينقصُ من رزقهِ بل يُبارك له. لكن لابُدَّ من الانتباهِ بأنْ نسألَ الله (تعالى) أنْ لا يبتلينا ببلاءٍ لا نتحمّله؛ فنحن الفقراء إليه وهو الغني الحميد، فإن ابتلانا فلمصلحتنا، وإن لم يبتلنا علينا أنْ نراجعَ علاقتنا بخالقنا، فإنَّ الإمامَ الصادق (عليه السلام)يقول: "البَلاءُ زِينٌ للمؤمِنْ وكرامَهٌ لِمنْ عَقَلَ"(١). وعنه عليه السلام أنه قال: "اِنَّما المؤمنُ بِمنْزلةِ كفّةِ الميزان، كلّما زيدَ في ايمانِهِ زيدَ في بلائِهِ"(٢) ومن حبِّه (تعالى) لنا ولطفِه العجيب بنا، دلّنا على ما يُجنبنا البلاء إنْ لم نطيقه، كالصدقة، والدعاء، وغيرها، فهو (سبحانه) يُعطي البلاء ليؤجرنا عليه، وكذلك يُعطي الخيار إذا ما خِفنا من الفشل به؛ لأنّ غايةَ البلاءِ هو التذكيرُ بعطفِ الله (تعالى) ومدى حُبِّه لنا من خلالِ الكثيرِ من النعم والإحسان. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "اِدفَعوا أمواجُ الْبَلاءَ بالدُّعاء"(٣). فإذا دعا الإنسانُ ربه فقد ذكره، ومن يذكر الله (سبحانه) فقد خشيه، ومن يخشه اجتنب عن معصيته، ومن يجتنب عن معصيته دخل الجنة، وهذا ما يُريدُه الخالقُ لعبدِه أن ينتهجه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- مصباح الشريعة ب87 /ص183 ٢- بحار الأنوار 67/ 210. ٣ - نهج البلاغة، خطبة 146

اخرى
منذ سنتين
1242

أشعةٌ من شمسِ فاطمة

بقلم: باقر جميل تميزتِ الزهراءُ (عليها السلام) بمزايا عجزَ اللسانُ عن وصفها، وتحيّرَ الألبابُ بكنه معرفتها، ويكفيك ما وصل إليك من أنَّ رضاها مقرونٌ برضى ربِّ العباد، وغضبها بغضبه. وفي ذكرى زواجِها من أميرِ المؤمنين (عليه السلام) إليك هذه الميزة الأخرى، فكما نعرفُ أنّ للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولايةً على المؤمنين جميعًا، وهذا ما صرّح به النبيُّ الأكرم بكلِّ وضوحٍ في يومِ الغدير حين قال: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فاقرّوا له بذلك. فإنَّ ولاية النبيّ (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين أولى من ولايتهم على أنفسهم، وأولى من ولايةِ آبائهم عليهم أيضًا. أما السيّدةُ فاطمةُ (عليها السلام) فعليها من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولايتان، وليست واحدة، ولايةُ الأبوّة النسبية، وولاية النبوَّة أيضًا. لكن مع وجود هاتين الولايتين عليها من قبل والدها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلا أنّ زواجها لم يكنْ بيده! بل صارَ زواجُها من الأمور التي تدخّلَ بها الله (تعالى) بشكلٍ مباشر، ولا يتدخلُ اللهُ (تعالى) بشكلٍ مباشرٍ هكذا لأيِّ حدثٍ كان، بل للأمورِ العظيمةِ جدًا، كبقاءِ الإسلامِ مثلًا عندما أنزل الملائكةَ في معركةِ بدرٍ؛ لأنّ عدمَ انتصار المسلمين يعني انتهاء الرسالة بشكلٍ كامل. من هذه الزاويةِ يُمكِنُ أنْ نرى ما تحويه الزهراء (عليها السلام) من أسرارٍ نفسيّة، ومنزلةٍ رفيعة، حتى صار زواجُها بيد ربِّ السماوات والأرض.

اخرى
منذ سنتين
1447

هلِ الحُسينُ ثائرٌ أم مُعارضٌ؟

بقلم: باقر جميل لا يُمكِنُ لنا أنْ نفهمَ ماهيِّة الحسينِ (عليه السلام) مهما تَعمّقَ الكُتابُ في بحرهِ الُّلجي، فَمكنونُ شخصِيتهِ من مُختصاتِ أهلِ العصمةِ الذين لهم الولاية التكوينيةِ في معرفةِ طرقِ السماء أكثر من طرق الأرض. لقد امتلأتِ الصفحاتُ وانحنتِ الأقلامُ متواضعةً، وسالَ حِبرٌ كثيرٌ في شرحِ أسباب استشهادهِ (عليه السلام)، وشرحِ معالم نهضته وقيامه، وقد ذهبَ البعضُ شططًا أنّه يطلبُ الحكمَ فقط، والإمامُ بعيدٌ عن هكذا زُخرف لا قيمة له. لكنِ السؤال الأكثر طرحًا هو عن سببِ قيام الإمام (عليه السلام) بهذه الطريقة، حتى كان مُستعدًا لتقديمِ أغلى الأثمانِ لذلك، بذبحِ رضيعهِ على يديه، والتمثيلِ بجثتِه وبجثثِ أصحابهِ وأهل بيتهِ كما هو معلومٌ لديكم، هل يُمكِنُ أنْ تكونَ مجردَ ثورةٍ على حاكمٍ ظالم فقط؟ أو أنّه معارضٌ لحكمٍ غير صحيح يا تُرى؟ نعتقدُ (وبتواضعٍ) أنّ ظهورَ الدين الإسلامي يكونُ على ثلاثِ مراحل أساسية، تُمثِّلُ غاية الكون ومن به. فأول ما بدأ به كانَ ضمنَ جهودِ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ثم يقومُ الإمامُ الحسين (عليه السلام) بالمرحلةِ الأخطر والأفجع، مرحلة التجديد لهذا التدين الحنيف، فيبقى تجديده عصيًا على الظالمين حتى اليومَ الموعود بظهورِ الحجة. فالحسينُ (عليه السلام) لم يكنْ ثائرًا ولا معارضًا فقط، بل أبعد من ذلك بكثير؛ فمن ينظر إلى ما قامَ به الإمامُ (عليه السلام) منذ استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام)، وتخطيطه المستمر، وصولًا ليوم العاشر من محرم الحرام، إنّما هو تجديدٌ للإسلامِ بشكلٍ كامل. لقد صارَ جليًا أمامَ الحسين (عليه السلام) أنَّ الإسلامَ بحاجةٍ إلى تجديدٍ جذري، ولابُدَّ أنْ يكون ذلك بصفعةٍ قويةٍ يبقى صداها إلى يومِ القيامة، تُعطي الحافز والدعم لإحياءِ شرائع الله (تعالى) وتثبيتِ دينه. جمعَ سيّدُ الشهداء كُلَّ تلك الجهود المبذولة من الأنبياء والمرسلين سابقًا، وكُلَّ تلك الآلام التي رافقتهم وأطلقها بشكلٍ متدرجٍ منذُ وفاة الإمامِ المجتبى (علي السلام)، حتى وصلت ذروتُها إلى ظهيرةِ العاشرِ من مُحرّمِ الحرام، فصار ما أنتم به على اطلاعٍ من حجمِ المصيبةِ وعظمِ الرزية، فوقع صدى تجديده للدين لكُلِّ الناسِ، بعدما كادَ أنْ يغيبَ بفعلِ حكمِ يزيدٍ وأعوانه.

اخرى
منذ سنتين
1108