تشغيل الوضع الليلي

إثــباتُ إسـمِ ونبـوّةِ وموطِنُ النبيّ مُـــحمّـد (מַחֲמַדִּים) (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مِــن كتاب الإنـجيل (1), (2)

منذ سنتين عدد المشاهدات : 2740

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيم

قال تعالى: ( وإذ قال عيسى بنُ مريمَ يابني اسرائيلَ إنّي رسولُ اللهِ إليكم مصدّقاً لِما بينَ يديّ مِنَ التوراةِ ومبشّراً بــــرسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحــــمد) [الصف/6].
لـو لـم يرد هذا النصّ لا نفتح باب لمنكري نبوّة النبي الأكرم محمّد صلّى الله عليه وآله.
إلاّ إنّ الحقَ أماطَ عن لثامه وأبى إلاّ أنْ يعلو،
فبين يديكم كيفيّة الاستدلال على إثبات نبوّة نبيّنا الأكرم من كتاب الإنجيل، ضمنَ مباحثٍ عديدة.


الـمبحثُ الأول: بــئر شيـع هو بـئر زمزم الموجود في مكّة
بحسب سفر التكوين تنصّ النصوص التالية على أنّ اللهَ تعالى قد أمرَ النبيّ ابراهيم (عليه السلام) بتركِ زوجته هاجر و طفلهما اسماعيل في الصحراء (صحراء باران) حيث لا يوجد ماء، و عند عطش الطفل وبكاء هاجر فجّـر الله تحت أقدامه بــئراً للماء، ما اسم هذا البئر؟ وأين موضعه؟ وبمَ سينفعنا في هذا البحث؟
هـذا ما يجيـبنا عليه سـفر التـكوين:
لـنقرأ ماذا نصّ الإنجيل على البئـر الموجود في بـكة (بـئر شيع) كما يُسميـه الإنجيل الذي تفجّر تحت قدميّ اسماعيل ابـن هاجر.
وهذا النص باللغتين العربيّة والإنجليزيّة؛ توثيقاً للقارئ، ومنعاً من الاتهام بالتحريفِ والتدليس.
14 ((Early the next morning Abraham took some food and a skin of water and gave them to Hagar. He set them on her shoulders and then sent her off with the boy. She went on her way and wandered in the desert of Beersheba.
15 When the water in the skin was gone, she put the boy under one of the bushes. 16 Then she went off and sat down nearby, about a bowshot away, for she thought, "I cannot watch the boy die." And as she sat there nearby, she began to sob.
17 God heard the boy crying, and the angel of God called to Hagar from heaven and said to her, "What is the matter, Hagar? Do not be afraid; God has heard the boy crying as he lies there. 18 Lift the boy up and take him by the hand, for I will make him into a great nation."
19 Then God opened her eyes and she saw a well of water. So she went and filled the skin with water and gave the boy a drink)) (1) .

وبـترجمة النص:
14 فبكر ابراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء واعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. 15 ولمّا فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. 16 ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس؛ لأنّها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. 17 فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها ما لكِ يا هاجر. لا تخافي لأنّ الله قد سمعَ لصوت الغلام حيث هو. 18 قومي احملي الغلام وشدّي يدك به. لأنّي سأجعله أُمَّة عظيمة. 19 وفتح الله عينيها فأبصرت بــــئر مــاء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. 20 وكان الله مع الغلام فكبَر. وسكن في الـــبرية وكان ينمو رامي قوس. 21 وسكن في برية فــــاران)) (2) .


الــــنتيـجة:
•أنّ البئرَ التي تفجّرت تحت أقدام اسماعيل هى البئر التي يطلق عليها المسلمون الآن (بـئر زمــزم)، وهى بئر الشبع والتي لم تنضب حتى الآن ويشرب الحجاج منها والعمار طوال هذه السنون والقرون.
•أنّ اسماعيلَ وهاجرَ قد عاشوا في أرض باران. وهـي مكّة المكرمة.
حيث إن:
فارن=باران= مـكّة= بكّـة= وادي البيلسان=وادي البـكاء.

ليسمّوها ما شاؤوا مِن تسميات، فالمـهم هو إثبات أنّها مديــنة محمّد (صلى الله عليه وآله) التي تلألأ النور فيها بتلك الشريعة كما نصّ سفر التثنية:
((1 وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته 2 فقال. جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتـــلألأ من جبل فـــاران واتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم)) (3).
الـــــمبحثُ الــــــــثاني: مـحاولةُ طمسِ اسم بكّة في الإنجيل
مِن المعروف أنّ النبيَّ الخاتم (محمّد صلّى الله عليه وآلهِ) قد ظهر في مدينة (مكة) ولادةً ودعوةً، وما زال ذلك اسمها: (مكة) أو (بكة)، حيث (بكة): هي أرض الحرم من (مكة). وهي التي يتوجّه إليها المسلمون في صلاتهم: مِن مشارِق الأرض ومغارِبها.
وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم باسم: " بكة " فقال سُبحانه :
((إنَّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بــِ(بَــكَّةَ) مُبَارَكاً وَهدُىً لِلعَالَمِين)) (4) .

والآن لــنر ماذا فعل المترجمون باسم " بكة " في ترجمتهم للعهد القديم؟
نقــرأ النــص:
إنّ النص الأصلي في سفر المزامير كان يُقرأ هكذا:
" عابرين في وادي بكة يُصيرونه يــــنبوعا " (5) .
وباللغة الإنجليزية:
" through the valley of Ba'ca make it a well " (6).
فقام بعضهم باستبدال كلمة: (بكة) أو (وادي بكة) بـ: (وادي الـــبُكاء أو (وادي البلــــسان)!
في حين أنَّ شجرَ (البلسان): هو شجرٌ (لا يظهر في هذه المنطقة إلاّ بمكة)
وأنّ له مادة صمغية تشبه بالفعل (دموع الإنسان في البكاء)(7).
_________________________________________
(1) Genesis 21.
(2) سفـر التكوين/ إصحاح 21.
(3) سفر التثنيـة: اصحاح 33.
(4) آل عمران : 96.
(5) سفر المزامير 84- 6.
(6) المصدر نفسه.
(7) موقع الأنبا تكلاهيمانوت القبطي الأرثوذكسي، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر، قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية شرح كلمة- وادي البُكاء.


يتبع في الحلقة التالية لإثبات اسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الانجيل.
والحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.

علوية الحسيني

اخترنا لكم

من قوانين النجاح في حياة الإنسان

بقلم: زينة عبد الزهرة زاير حسين مع العزيمة والاصرار والانضباط يأتي التفاؤل وحسن الظن بالله، ليحقق في حياة الإنسان كل ما يرجوه من خير، وهذه الجملة النبوية الكريمة (تفاءلوا بالخير تجدوه) بها 672 قانون من قوانين نشاط العقل الباطن، قانون العقل الباطن أن كل شيء تفكر فيه يتسع وينتشر مع الوقت وعندما أتفاءل بالخير سأجده... سأجده من القوانين التوقع وقانون الانجذاب وقانون العودة وقانون الرجوع ... (سأجده) من القوانين ما يحقق لي ما أفكر فيه وأرجو إنجازه ... كل هذا داخل الإنسان (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) بداخلك التقدير الذاتي وتحقيق الذات والثقة بالنفس والمثل الاعلى الذاتي والقيم والاعتقادات والقدرات... إلخ. إن الله تعالى يقول (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) فليس تقويم الإنسان عادياً أنه أحسن تقويم أحسن بناء القدرات وبالإضافة اليها سخر له الكون وما فيه لخدمته يذكر أحد علماء النفس: أنه سمع إنساناً يكثر الشكوى من الفقر فقال له: إنك تملك الكون وما فيه ولا يستطيع أحد أن يمنعك من الاستمتاع بالطبيعة وجمال السماء وخضرة الحقول ... أراد أن يعلم الرجل أن مصدر الشكوى هي نفسٌ كئيبة لا ترى الجمال، كم تشتكي وتقول: إنك معدم *** والأرض ملكك والسماء والأنجم ولك الحقول وزهرها وأريجها*** وعبيرها والبلبل المترنم والماء حولك فضة رقراقة *** والشمس فوقك عسجد يتضرم فمشاعر الغنى والفقر مصدرها النفس... فكن جميلاً... ترى الوجود جميلاً... انظر في قدراتك ومواهبك وملكاتك التي أعطاك الله إياها، وحسّن فيها وحاول أن تكتسب المزيد مما تحتاجه مثل تعلم اللغات والمهارات التي تعينك على تحقيق هدفك. وانتبه جيدًا... بعد أن تحدد أهدافك الوسائل وتبدأ في خطوات التنفيذ لا تهتم إلا بعمل اليوم وواجب الوقت الحاضر، ولا تنشغل بما هو أبعد منه فيشغلك عن واجب اليوم ... بهذه الطريقة ستجد نفسك تصعد السلم درجة بعد أخرى... واحذر أن تنشغل بالماضي وما فيه من ضياع حظ وفوات رزق حتى لا تغطي سحبه على شمس يومك فتقف مكانك وأنت تعمل للمستقبل... احذر من هذا كل الحذر وافهم جيداً: إذا أخذت قرارك الواعي بالوصول إلى النجاح وحددت أهدافك ووسائلك وبدأت في التنفيذ بلا تردد وعزمت على الاستمرار وعدم التوقف، فأخلص التوكل على ربك ليحبك ويرعى لك مسعاك... ما أجمل هذه الآية الكريمة (فإذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين) ولا تأخذ من الماضي إلّا ما يزيدك عزما وإصراراً على العبور للمستقبل

اخرى
منذ سنتين
1431

خطوات التعلّم الذاتي (١)

بقلم: أم قنوت في أي مكان في العالم، وتحت أي ظرفٍ كان، في أي عمر، وفي كل زمان، أنا وأنت نستطيع ونستحق أن يولَدَ داخلنا الأمل... والعلم. والعلم على تعدد أنواعه إلّا أن التقنية قد سهلت الحصول على أكثره، لذا سيفصّل هذا المقال بعض من الخطوات للبدء به. المحاور التي سنتطرق لها هي: ١- مفهوم التعلم الذاتي. ٢- العقبات التي تقف في طريق التعلّم الذاتي. ٣- بعض الطرق التي تساعد على التغلب على العقبات أعلاه. ٤- تقسيم العلوم. ٥- نقطة البداية. ٦- التمرين. التعلّم الذاتي: هي عملية أخذ المعلومات، ومعالجتها وفَهمها، والاحتفاظ بها، ثم المداومة عليها دون الحاجة إلى شخص يقوم هو بمعالجتها عوضًا عنك وشرحها إليك (١). ما هي المعوقات أو المشاكل التي ستمنعك من البدء؟ يسوّف الإنسان عادة متخذًا الأعذار الواهية ذريعة، ومنها على سبيل المثال: ١- ضيق الوقت. ٢- تواجد الزوج الدائم في البيت. ٣- الزوج ذو المزاج الصعب. ٤- برودة/ حر الجو. ٥- ضيق ذات اليد. ٦- عدم توفر المكان المناسب للتعلم داخل البيت. ٧- المرض. ٨- الانشغال. ٩- كثرة المواعيد. ١٠- سيطرة الزوج. وغيرها من الأعذار. كل الأعذار السابقة هي عبارة عن فقاعات فارغة حبسنا أنفسنا داخلها، فكلنا يعيش نفس الظروف في أوقات مختلفة، ولكن المرونة في التعامل مع الظرف شيء جدًا مهم، وإذا استمررنا بالتسويف والانتظار فلن نبدأ في أي يوم لأن الظروف الصعبة قد تنتهي ويأتي غيرها. يستطيع الشخص البدء براحة عند قيامه بترتيب الأولويات، فكل الناجحين يمتلكون دفترًا وقلمًا، لذا اكتب مسبقًا: غَدًا جدولي كالآتي... ستجد أنّ الحمل زاح وأصبحت أكثر وعيًا لتقبّل أفكارًا جديدة. إذا كان الزوج صعب المزاج ويحاسب زوجته بشكل دائم بحيث لا توجد للزوجة فرصة للتطوير، لا يُعقل أنها لا تستطيع حمل الهاتف ولو لعشر دقائق تقرأ فيها موضوعًا، وهذا في البداية يكون كافيًا جدًا، ستتعود لاحقًا على زيادة الوقت بشكل تدريجي، أما إذا كان الزوج شديد السيطرة على زوجته بحيث لا تنفعها المحاضرات والقراءات ولم تغير في واقعها شيئاً، فلتستثمر إذًا في نفسها وصحتها، بحيث تستشير مختصًا اجتماعيًا أو نفسيًا، تدريجيًا ستقل الضغوط عليها وستتعلم كيف تتعامل معها. ما هو الحل لأتغلب على المصاعب التي تقف في طريق تعلمي؟ ١- تقوية الجانب الإيماني، حيث إنّ التوكل على الله تعالى والتسليم المطلق لإرادته سيجعلك أكثر توازنًا وراحة وهذا هو المطلوب. ٢- حضور محاضرات عبر شبكة الانترنت تعلمك كيفية الحصول على حالة التوازن والسيطرة على المشاعر المختلفة التي تعيشها، وهذه بحد ذاتها تكون اولى المهارات المُتعلَّمة عن طريق التعلم الذاتي. نحن كتلة من المشاعر، ضبطها ومعرفة كيفية التعامل معها والوصول لحالة التوازن خاصة بوجود النقطة السابقة سيجعلك أكثر تقبّلًا لأي أفكار جديدة، وأكثر مرونة. ٣- التركيز على نفسك فقط، وهنا نضع عشرات الخطوط تحت كلمة فقط، أبدًا لا تقارن نفسك بغيرك، فلا الظروف التي يعيشها الغير نفس ظروفك، ولا البيئة نفس البيئة، لا ماضيه ولا حاضره ولا مستقبله كماضيك أو حاضرك أو مستقبلك. قارن نفسك بنفسك فقط ولا تنبهر بالمقابل فالصورة ليست كاملة، أنت لا تعلم كم المعاناة التي يعانيها مثلًا، ولا تعرف عن مشاعره ولا ما يدور داخل بيته لذلك ركز على نفسك فقط. ٤- استغل الفرصة فهي تمر مر السحاب، فإن صادفك مثلًا اعلان عن دورة في مجال معين أو دعوة لقراءة كتاب، أو حضور محاضرة عبر الهاتف وغيرها من الفرص المخفيّة التي تبدو تافهة المحتوى ولكن قد تكون شرارة انطلاق علم أو مهارة جديدة، فاشترك بها ولا تتردد. ٥- نظّم أولوياتك، فتنظيم الأولويات يسمح بالتعرف على الوقت الضائع غير المُستغَّل. ترتيب الأولويات ذو القوانين الأربعة (٢): ١- قانون الأحجار الكبيرة: يعني البدء بالمهام الكبيرة وإعطاءها أولوية، ولهذا عندما نتعرض لعديد من المهام يجب أن لا ننسى صعيد حياتنا الأُسرية والاجتماعية، وأن لا ننسى صعيد صحتنا وصعيد تحصيلنا الدراسي أو الديني ودائمًا لا بد أن نضع الأهم في البداية ثم نتدرج بالتالي. ٢- قانون لا: قُلْ لا! فليس كل الأشياء تستحق وقتًا، وليس كل الأشخاص يستحقون وقتًا. لا: حرفان لا أكثر ولكنها تعني الكثير؛ كلمة "لا" تعني أن هنالك مجموعة من المهام تُوكل إلينا من قبل الآخرين الذين نخجل منهم أو ربما نتحرج أن نقول لهم "لا"، فنسايرهم على هذا الأمر بحيث تُسرق منا فرص كثيرة وساعات على إزاء ذلك الحرج الذي يصيبنا لأننا لا نستطيع النطق بكلمة لا في وجوههم. ٣- قانون استبق: استبق: أي خطّطْ، أنجزْ المهام بالشكل المطلوب. استبق؛ الوقت يمضي أسرع مما تظن، بادر بالمهام قبل حلول وقتها، وذلك عن طريق وضع الأولويات والاهتمام وترتيبها في الذهن. ٤- قانون الموعد المخصص "م.م": ضع موعدًا نهائيًا لإنجاز العمل، فالجدول الزمني المفتوح يخسرك الكثير. لنتصور الوقت المحدد كجرس الإنذار كلما رن يجب أن نواصل العمل ونستمر وهكذا وكأن شيئاً ينبهنا لإتمام هذا العمل. _____________________ ١- https://www.sasapost.com/self-learning/ ٢- القوانين الأربعة مقتبسة من ملف ورشة ترتيب الأولويات للأستاذة منتهى محسن، احدى ورشات مدونة الكفيل.

اخرى
منذ 11 شهر
417

آراءٌ ووجهاتُ نظر/ الجزء الخامس القدوةُ وأثرُها في التربية

بقلم: دعاء الربيعي يكاد لا يخلو مؤلَّفٌ في مجالِ التربيةِ من ذكرِ مُفردةِ القدوة كإحدى الوسائل المهمة نظرًا لفعاليتها ولتأثيرها الإيجابي على سلوك الفرد؛ فالقدوةُ تُعدُّ من أهمِّ وأكثرِ الوسائلِ تأثيرًا في مجالِ التربية. ويعود السببُ في ذلك إلى تأثيرِ النموذجِ الواقعي في حياةِ الناس بشكلٍ عام؛ فالإنسانُ مجبولٌ فطريًا على الاقتداءِ بالشخصياتِ المؤثِّرةِ التي تُطابِقُ أفعالُها أقوالَها بغضِّ النظر عمّا إذا كانت صالحةً أو طالحة، فتكمنُ أهميةُ القدوةِ في وجودِ الغريزة الفطرية في هيكلة الإنسان والتي دومًا ما تدفعُه نحو تقليدِ ومُحاكاةِ الآخرين. ويتمثَّلُ ذلك أكثر عند الأطفال، فهم الأكثرُ تأثُرًا بالقدوةِ في طورِ التنشئةِ الجسميةِ والعقليةِ إذ يعتقدون أنَّ كُلَّ ما يفعله البالغون هو عينُ الصواب، فيبدأُ الطفلُ في سنِّ الثالثةِ يُدرِكُ بوضوحٍ أنّه من الذكور، وأنّه سيُصبِحَ يومًا ما رجلًا كأبيه، وهذا ما يدفعه بالإعجاب المستمر بأبيه وبغيره من الرجال، فإنّه يُراقبهم بدقةٍ وعلى الدوام، ويُحاوِلُ التشبُّهَ بهم في مظهرِه وسلوكِه ورغباتِه. وكذا في الإناث؛ حيثُ تُدرِكُ الطفلةُ عند الثالثة من عمرها أنّها ستُصبِحُ يومًا ما امرأةً بالغةً فتتجّه نحو التشبُّه بأُمِّها وببقيةِ النساء القريبات منها، وتركِّزُ اهتمامَها على الأعمالِ التي يُمارسْنها من أعمالٍ منزليةٍ وغيرها، وما عنايةُ الطفلة بالدُمى إلا تقليدٌ لأُمَّها التي تعتني بالأطفالِ المواليدِ من إخوتِها وغيرهم، فتسلكُ نفسَ الأسلوبِ بالتحدُّثِ إليهم وكأنّهم أحياء. فالقدوة الصالحةُ مُهمةٌ جدًا في الكثير من الأمور، منها توجيهُ السلوكِ العفوي، وتجسيد الفضائل، كما أنّها تُساعدُ على تربيةِ أفرادٍ صالحين يتمتعونَ بسلوكياتٍ وصفاتٍ إيجابيةٍ، وتساهمُ في بناءِ مُجتمعٍ مُتماسكٍ وقويّ قادرٍ على مواجهةِ التحدياتِ الخارجية. وبما أنَّ موضوعةَ القدوةِ ذات تأثيرٍ عالٍ في تكوينِ شخصيةِ الفرد ولا سيما الأفراد الناشئين؛ لذا ارتأينا تسليط الضوء على هذه الموضوعة، فتوجهنا بالسؤال إلى مجموعةٍ من الشخصيات المُختصة في مجالاتٍ لها علاقةٌ بموضوعةِ التربيةِ لنستفهمَ منهم عن أهميةِ القدوة ومدى أثرها على تربية الجيلِ الصاعدِ. أشارتِ الباحثةُ الاجتماعية: بشرى مهدي بديرة/ سوريا- دمشق: إلى أهميةِ القدوةِ في توجيهِ السلوكِ العفوي حيثُ قالت: بلا شكَّ أنَّ من أُسسِ التربيةِ الصحيحةِ والسليمةِ هي غرس القدوةِ الصالحةِ والمثلِ الأعلى لدى الطفلِ الأمرُ الذي يهدفُ إلى توجيهِ سلوكِه العفوي الفطري إلى الطريقِ الصحيح، أيّ تهذيب السلوك لديه بغرسِ القيمِ والأخلاقِ والمبادئ بالإضافةِ إلى تنميةِ الوازعِ الديني الفطري في نفسه أيضًا، وقد أكّدَ علمُ النفس على ضرورةِ القدوةِ لما فيها من انعكاسٍ إيجابي على سلوكياته. أمّا عن الآليةِ التي تجعلُ الطفلَ مُتأثرًا بمحيطهِ بشكلٍ إيجابي؛ فهي خروج تلك العناوين والمفاهيم من إطارها النظري وانصهارها في حيّزِ التطبيق، فالطفلُ يلجأُ بدايةً إلى التقليد فيُقلِّدُ من حولَه ومن في مُحيطه، والأُسرةُ هي المدرسةُ الأُولى التي ينشأُ الطفلُ في كَنَفِها والتي يستقي منها معارفه، فلابُدّ أولًا من تحقُّقِ الترابُطِ الأُسري الأمرُ الذي يؤثِّرُ على سلوكِ الطفلِ واستقراره النفسي ويمنحُه الشعورَ بالأمانِ ليبدأَ بمرحلةِ التلقّي، ويجبُ أنْ يتطابقَ القولُ مع الفعلِ؛ لأنّ الطفلَ يعقدُ مقارنةً بين ما يراه وما يسمعه وهو عاجزٌ عن الحكم والتقييم واختيارِ الأفضل، وبالتالي حينَ شعورِه بالتناقُضِ قد يلجأُ إلى الطريقِ الأسهل وهو تقليدُ الفعل؛ لأنّه يتجسّدُ أمامه، لذا فمن الضرورة الاقتداءُ بقدوةٍ إيجابيةٍ بكُلِّ تفاصيلها فهي ستُشكِّلُ الإطارَ الأساسي لشخصيته في المستقبل. وحين يتمُّ ربطُ الدينِ وتعاليمه مع القيمِ العُليا تنشأُ لدينا شخصيةٌ متكاملةٌ إيجابيةٌ قادرةٌ على التفاعُلِ مع العالمِ الخارجي والاندماج بالمجتمعِ والقدرة على تمييزِ الخيرِ من الشر، ولأنّ شخصيةَ الإنسانِ هي خُلاصةُ وراثةٍ وتربيةٍ وبيئةٍ فمن الضروري وجود البيئة الصالحة للطفل، والاعتناءُ بتربيته وتهذيبه، وهنا يتعاظمُ مفهومُ القدوةِ الحسنةِ التي ستُنشئُ لنا أطفالًا مؤهلين للاعتمادِ على النفس وقادرين على خوضِ مُعتركِ الحياة. أما الأُستاذةُ خلود إبراهيم محمد البياتي/ مُدرِّبة تنمية بشرية ودعم نفسي مُجتمعي، ومسؤولةُ شُعبةِ التدريب والتطوير النسوي في العتبة الحسينية المقدسة: فقد أشارت إلى دورِ الأهلِ في موضوعةِ القدوة، ولو أخذنا نظرةً سريعةً على كُلِّ أساليبِ التربيةِ والتعليم منذُ بدايةِ الخليقةِ وإلى يومِنا هذا، فسنجدُ أنّ هناك عاملًا مشتركًا بينها، ألا وهو القدوةُ وهو إيجادُ مثالٍ يتمتعُ بصفاتٍ متميزةٍ عن الآخرين ونيل الرضا ويكون ممّن يُحتذى به. ولعلَّ مما سبق يتضحُ أنّ لهذه الشخصية القويةِ المُتميزةِ الأثر البالغ على المُحيط من الأعمار الكبيرة والذين يقطعون شوطًا كبيرًا من حياتِهم وهم يقلدون الآخرين ويحاولون بكُلِّ ما أوتوا من قوةٍ أنْ يكونوا نُسَخًا مُشابهةً لمن يُحبّون، فما بالكم بالأطفال! وهنا تكمنُ أهمية إيجاد القدوة الصالحة. ولو تتبّعنا نظرياتِ التعلُّمِ سنجدُ منها ما يُسمّى بالنمذجة، وهي اتخاذُ نموذجٍ يكونُ المثلَ الأعلى الذي يضعُه الطفلُ ويسعى جاهدًا للوصولِ إليه، وهو من أخطرِ أساليبِ التربيةِ؛ ففيه تُنحَتُ أفكارُ الأطفالِ وتتشكّلُ حياتُهم بصورةٍ تدريجيةٍ بطيئةٍ ولكن قوية الأثر طويلة البقاء. والنمذجةُ تحدثُ إما باختيارٍ من الطفلِ ورغبةٍ في تقليدِ شخصيةٍ معينةٍ بحيث يتتبعُ السلوكياتِ المُحبَّبة لديه ويقومُ بتقليدها، أو أن تتمَّ بطريقةٍ عفويةٍ وبصورةٍ تراكميةٍ فتترسّخُ السلوكياتُ وتُصبِحُ خريطةً لحياته، ويتمُّ ذلك عن طريقِ وسائلِ الإعلامِ المُتاحةِ من التلفاز ومواقعِ التواصل أو البيئة المحيطة. وهنا تكونُ صدمةُ الأهل بالسلوكياتِ غير المرغوب فيها مع عدمِ وجودِها في مُحيطِ العائلة مثلًا، وبمُجرَّدِ تتبُّعٍ بسيطٍ ولو ليومٍ واحدٍ في حياةِ هذا الطفل سيكتشفُ الأهلُ مصدرَ هذا التغيير. وعليه يجبُ بذلُ الكثيرِ من الجهودِ لتكوينِ مصادرَ القدوةِ الجيّدةِ، وجعلِها نظامَ حياةٍ كالصدقِ في الحديث، واحترام الآخرين، وحُسنُ الظن بهم بحيث يُصبِحُ الأهلُ وسيلةً تعليميةً مُتحرِّكةً تحتوي على كُلِّ وسائلِ الإيضاح قولًا وفعلًا وأنْ يستشعرَ الأهلُ أهميةَ دورِهم الرسالي في خطِّ سيرِ حياةِ الطفل حاضرًا ومستقبلًا وكذلك بناء مستقبله بصورةٍ صحيحةٍ يتشكّلُ منها المُجتمعُ الذي نرغبُ فيه. على حين أضافتِ الأستاذة الحوزوية منى ابراهيم الشيخ حوزة الغدير الإسلامية النسوية/ دولة البحرين قائلةً: إنّ الفضائلَ تتجسّدُ من خلالِ القدوةِ، على أنَّ الإنسانَ بطبعه يميلُ إلى الاقتداءِ والتأسّي بمن حوله، والتأسي أمرٌ فطريٌ جُبِلت عليه الخليقةُ ويميلُ إليه الإنسانُ ويبحثُ عنه تلقائيًا، فهو يميلُ إلى جعلِ نموذجٍ حيٍّ يقتدي به؛ فلذا نجدُ الطفلَ الصغيرَ ينظرُ إلى والدِه بما أنّه قدوةٌ له، فيقومُ بتقليدِه ويُحاكي تصرفاتِه، حتى قد تكونُ مشيتُه مشيةَ أبيه وكذا لباسه وكلامه. والبنتُ هي الأخرى تُقلِّدُ أُمَّها بارتدائها خمارًا للصلاة مثلًا، أو بتربية الأبناءِ وذلك باتخاذِها دُميةً تعتني بها. وبما أنّ التقليدَ أمرٌ فطريٌ مجبولٌ عليه الإنسانُ منذُ طفولتِه فينبغي أنْ يكونَ هناك توجيهٌ مبكرٌ للطفل نحو القدوةِ الصالحة وتحبيبها إليه وربطها به؛ فبلا شك أنّ للقدوةِ أهميةً كبيرةً في صناعةِ الإنسان وتشكيلِ شخصيته في المستقبلِ، ولدينا نموذج ملموس وقدوة حيّة هي بنتُ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله). فالزهراءُ (سلام الله عليها) عندما تُلقِّنُ أبناءها بموقفٍ عملي، فهذا دليلٌ على أهميةِ القدوةِ وأثرها في مُستقبلِ حياتهم، فعند سؤالِ الإمامِ الحسن (عليه السلام) عن فعلِها بقوله: أُمّاه، لِمَ لا تدعين لنفسكِ كما تدعين لغيرك؟ فتُجيبُه: يا بُني الجارُ قبلَ الدار. ومثلُ هذا الموقف وغيره من المواقف التي عايشها أبناؤها، فهذا يعني أنّهم كانوا يخضعون إلى تربيةٍ عمليةٍ والذي يُسمّى بـ(السوك الإيجابي) من خلالِ سلوكِها، وهذا النوعُ من التربيةِ يجد الأبناءُ فيه القيمَ والفضائلَ تتجسَّدُ في تربيتِهم تربيةً صالحةً تصنعُ شخصيتهم في المستقبل. أكّدت فاطمة سلمان/ موظفةٌ في مجلةِ مع الشباب التابعة للمركز الإسلامي للدارسات الاستراتيجية فرع بيروت/ لبنان: على أهميةِ المدرسةِ ودورِها في زرعِ مفهومِ القدوة عندَ الأطفال قائلةً: إنَّ المؤسسةَ التعليميةَ عاملٌ مهمٌ في غرسِ مفهومِ القدوةِ، فيتوجّبُ على الكادرِ التعليمي أنْ يكونَ قدوةً للتلاميذ في طريقةِ التعامُلِ؛ فالمدرسةُ تُساهمُ مُساهمةً فعّالةً بتشكيلِ شخصيةِ الطفلِ وتقويمِ سلوكِه، فدورُ المدرسةِ هو تربويٌ قبلَ أنْ يكونَ تعليميًا، ولا انفصالَ بينَ هاتين المرحلتين ولا يقلُّ أثرُ أحدِهما عن الآخر أهميةً في تكوينِ شخصيةِ وتوجيهِ سلوكِ الطفل. كما أنّ وسائل الإعلامِ لها دورٌ هامٌ ومصيريٌ في موضوعةِ القدوة فقد يُعِدُّ الطفلُ الشخصياتِ الكارتونيةَ الموجودةَ في برامجِ التلفزةِ شخصياتٍ مثاليةً تصلحُ أنْ تكونَ قدوةً لهم، وبالتالي ربما يتحوّلُ سلوكُ الأطفالِ إلى سلوكٍ عدائي مُشابِهٌ للشخصيةِ الكارتونيةِ الموجودة على شاشاتِ التلفزة؛ لذا يتوجّبُ على الأبوين أنْ يُراقِبوا أفعالَ وأقوالَ وتصرُفاتِ أبنائهم ليتجنبوا الوقوعَ في المشاكلِ. وختامًا يُمكِنُ القولُ: إنَّنا نجدُ اليومَ وبشكلٍ واضحٍ أنّ مفهومَ القدوةِ قد تغيّرَ خصوصًا في فكرِ الإنسانِ العصري، فأصبحَ يختلفُ تمامًا عمّا عُرِفَ عنه سابقًا في الأعراف، فالقدوةُ اليومَ ربما تكونُ شخصيةً مشهورةً على المستوى الفني أو السياسي أو الثقافي، فلا نجدُ القدوةَ في القيمِ والأخلاقِ العاليةِ، بل في أمورٍ مُغايرةٍ أُخرى بعيدةً كُلَّ البُعدِ عمّا خطَّه لنا دينُنا الحنيف؛ ولذلك يجبُ علينا كعناصرَ مؤثِّرةٍ في المجتمع أنْ نسعى جاهدين لإحياءِ حياةِ القدوةِ الحسنة التي أرادنا اللهُ (تعالى) أنْ نقتديَ بها. ونجدُ أهلَ البيت (عليهم السلام) هم الخيار الأصلح والأفضل للقدوةِ بشكلٍ عامٍ؛ فهم خيرُ خلقِ الله تعالى، وعلى رأسِهم رسولُ الإنسانيةِ محمد وبنته الصديقةِ الطاهرة وزوجها الوصي علي بن أبي طالب (عليهم جميعا أفضلُ الصلوات وأتمُّ السلام).

اخرى
منذ 6 أشهر
212

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
91601

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
90645

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
49265

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
47303

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
47285

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
46975