تشغيل الوضع الليلي

الحجاب الشرعي والإطلالة العصرية؟!

منذ سنتين عدد المشاهدات : 651

من المعلوم أن فلسفة الحجاب الشرعي قائمة –فيما هي قائمة عليه- على ضرورة إبراز الجانب الإنساني فقط للمرأة عند ظهورها للمجتمع، وأما الجانب الأنثوي منها فيجب التحفظ عليه، وذلك من خلال حجب مفاتن المرأة ومحاسنها عند بروزها إلى المجتمع، ووقفها على الزوج، وبذلك تسهم الأنوثة في تكامل البشرية وتطورها وتقدمها؛ لأنها وُظّفت في الوظيفة التي أرادها الله (تعالى).
وأما لو حصل خلاف ذلك، فمما لاشك فيه يحصل العكس، حيث تتسافل المجتمعات وتتراجع ويسودها الفساد والتحلل الخلقي، وأول من تدفع ثمن ذلك باهضاً هي المرأة.
وأما الإطلالة العصرية ــ كما يُعبِّرون ــ فهدفها الأول والأخير هو أن تظهر المرأة بأبهى طلة، بحيث تأسر العقول وتجذب القلوب وتشد الأنظار، عبر إبراز المفاتن والمحاسن سواء بالملبس المغري وإضافة المساحيق والألوان ورشّ العطور، أو باتّباع الأساليب المغرية من السلوكيات، والمثيرات من الحركات.
ومن الواضح جداً أن الحجاب الشرعي يقف على الطرف المضادّ من الإطلالة العصرية بهذا المعنى، ومن المعلوم أن المتضادّين لا يجتمعان، وعليه فإن دعوى الإعلام الموجّه -سواء المرئي منه أو المسموع أو المقروء- للنساء المحجبات بأن يظهرن بإطلالة عصرية إنما هي مغالطة كبيرة ومحاولة صريحة لتفريغ الحجاب الشرعي من مضمونه ومحتواه وبالتالي الحيلولة دون تحقيق هدفه في المجتمع الاسلامي.
ومما يؤسف له أن بعض المؤمنات تنطلي عليهن هذه الدعوة لسببٍ أو لآخر فيحرصن على تنفيذها وينجررن وبكل سهولة وراء كل ما تمليه عليهن تلك الإطلالة العصرية من ملبس وسلوك وو..
ولعل من أبرز تلك الأسباب هو ترسيخ وسائل الإعلام المتكرر لعباراتٍ من شأنها أن تزرع حب الإغراء ولفت الانتباه كقيمة مهمة في العقل الباطن لدى بعض النساء من قبيل (كوني الأجمل، تمتعي بإطلالة ساحرة، فاجئي كل من حولك بمظهر جذاب) وما شابه ذلك من عبارات، يعضده جهل النساء المتفشي بالأحكام الشرعية لا سيما الحجاب وفلسفته.
وقد تعي بعض النساء هذا التناقض بين الحجاب الشرعي والظهور بإطلالة عصرية بالمعنى المذكور، ولكن ضعف الوازع الديني هو الذي يجرهن الى محاولة الجمع بينهما، أو لشعور بعضهن بعقدة النقص بحيث لا يتقبّلن مظهرهن إلا بعد تزيينه وتلوينه ليصبح جذاباً، ولربما يعود هذا إلى التربية الخاطئة التي تزرع فيهن جمال المظهر مقياساً لقيمة المرأة وكرامتها.
نتيجةً لذلك أصبحنا نشاهد محجبات ولكنهن في الحقيقة يفتقرن إلى الحجاب! إذ تحوَل اللباس الفضفاض الواسع الواجب في الحجاب الشرعي إلى ضيّقٍ مجسمٍ للمفاتن، وتحوّل الساتر إلى شفاف تُرى من خلاله البشرة، وأضحى الحجاب ذاته زينة بحد ذاتها إذ صار يُلفُّ بطريقة تحيله إلى تحفةٍ فنيةٍ، ولكي تكتمل اللوحة بأبهى صورة لابد من إضافة بعض الألوان والأصباغ والمساحيق مع إظهار بعضٍ من الشعر ليُعلَم أنها غايةً في الذوق والتنسيق إذ لم تنسَ مراعاة تناسب لونه مع سائر ألوان اللوحة!!
ولكي تتم إطلالة المرأة المحجبة بشكل عصري لا بد من اتباع بعض سلوكيات التحضر والانفتاح من قبيل عدم التورع من الاختلاط والمزاح مع الأجانب وتبادل الضحكات والجلوس معهم على مائدة واحدة ومشاركتهم في النزهات وما إلى ذلك..
وإذا كان صدور كل الأمور المتقدمة من النساء المحجبات عجباً، فالأعجب هو رضا الرجال بذلك من الأزواج والإخوة والآباء، فإن كانت المرأة جاهلة بالحكم الشرعي أو عاطفية وانجرَت وراء حبها للجمال والتبرج فما بال غيرة الرجال اختفت؟!
ختاماً .. لا بد من التأكيد على أن انتشار الحجاب العصري بالمعنى المتقدم -والذي في الحقيقة لا يصدق عليه كونه حجاباً البتة- ظاهرة يجب التصدي لها ومعالجتها قبل الوصول إلى الأسوأ والأسوأ ــ لا سمح الله ــ وذلك من خلال:
*الرجوع إلى القدوات الصالحات من النساء كسيدتهن الزهراء وابنتها الحوراء (عليهما السلام)، والتوقف عن غرس النساء الفاسقات من الممثلات والمغنيات كقدوة في أذهان الفتيات، ويتم ذلك من خلال حضر ومنع الموائد السامة التي تفرشها الفضائيات غير الملتزمة أمام فلذات أكبادنا صباحَ مساءَ.
*تفعيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة وبأسلوب راقٍ جذاب لا على نحو النصيحة الهجومية أو الأسلوب المنفر.
*نشر ثقافة الحجاب وفلسفته بين النساء خصوصاً الفتيات في أوائل تكليفهن، وإفهامهن بأن الحجاب تشريف لا تكليف، وأن المستفيد الأول منه هي المرأة قبل سواها.
*تحفيز غيرة الرجال على نسائهم وتوعيتهم بأن كل رجل مسؤول عن أهله يوم القيامة من خلال البرامج والخطب والمحاضرات وبثّ المبلغين من الشباب الواعي ولكن بشكل غير تقليدي بين صفوف الشباب لتصحيح المفاهيم الخاطئة بعنوان الصداقة أو الزمالة التي تجمعهم لا بعنوان التبليغ والنصح والإرشاد.
رضا الله غايتي

اخترنا لكم

الوفاء للشهداء

انتصف الليل، خفتت الأضواء، ملأ الظلام السماء، لاتسمع إلا أصواتاً هنا وهناك... إنه الموعد للّقاء، إنهم سكان جنة الزهراء، كل ليلة لهم جولة في أروقة المدينة يشتاقون إلى من تركوه من الأصدقاء... هذه الليلة هم متوجهون إلى (علي أكبر). أصوات ضحكهم ومزاحهم تعلو إلى السماء، لكن من يسمعهم؟ صاح أحدهم: يامرتضى، أنت قائد كتيبتنا، إلى أين تذهب الليلة؟ قال: اتبعوني، بقي عندنا صديق وهو بالانتظار. قال الآخر: هل سنذهب إلى بيت مسلم؟ اشتقت لرؤيته، كان يمسح أحذيتنا ويقول قربة إلى الله ضحك الجميع. توجه الجميع إلى المستشفى وجدو (علي أكبر) في نزعاته الأخيرة فتح عينيه رآهم مجتمعين حول سريره، وقف مرتضى عند قدميه ومدّ يده، قال: ياأخي لماذا أنت متمسك بهذه الدنيا الدنية، تعال معنا لترى مانحن فيه، إنها الجنة في جنة الزهراء، خرجت روحه وترك البسمة تملأ ثغره وأضاء الغرفة بنور جسده. كبّر الأصدقاء كبّروا جميعاً وذكروا الصلاة على النبي وآله. ثم أعدوا موكب الزفاف لعلي أكبر ومعهم ملائكة الله، وكأن أكاليل الورد على رأس (علي) وهو ذاهب إلى مثواه الأخير. فجأة تركهم وصاح: تعالوا يا أصدقاء أ تذكرون أنه ميدان التحرير؟ هنا، هنا نجتمع بانتظار الحافلة، عندما نذهب لجبهات القتال! أ تذكرون آخر مرة جلسنا هنا وأكلت متاع مسلم؟ صاح الآخرون: نعم، مسلم لماذا تركناه؟ لم يبق إلا هو! شق البرق وسط السماء وكان الرعد يصيح: الله أكبر الله أكبر. أدار مرتضى ظهره، نظر إلى امرأة تقف على جانب الطريق، مالذي تفعله امرأة في هذا الوقت من الليل! اقترب نظر بهار، أنها زوجته ابتسمت فتح عينيه، وقال بهار: مالذي تفعلينه في هذا الوقت من الليل؟ قالت: والدمعة تملأ تلك العينين الجميلة: أنا بانتظارك، جئت لأراك. قال بهار: تلك العينان المليئتان بالأمل وهذا الجمال ماذا ينتظر؟ أنا أعرف أنك مؤمنة بالله وبرسوله، محبة لعلي والزهراء، اذهبي وتزوجي، انجبي أطفالاً استمري بالحياة، بكت وقالت: أنا وفية لك في حياتك وسأبقى كذلك، وأنت أ تعدني أنك لاتدخل الجنة بدوني؟ سأنتظرك على باب الجنة، خذ بيدي أ تعدني يا مرتضى؟ قطع تلك اللحظات الجميلة صوت أحدهم: يا مرتضى، نريد الذهاب لبيت مسلم، هيا معنا، قال مرتضى: سوف نذهب إليه غداً، اليوم يوم (علي أكبر) وقد يكون لنا بمسلم غداً لقاء.

اخرى
منذ سنتين
1136

زينبُ الكُبرى (عليها السلام) ومقامُ الصدّيقية

Sh_almusawi المُصطفون الإلهيون هم حُججُ اللهِ (تعالى) على خلقِه، اختارهم (سبحانه) لقابلياتٍ فيهم ميّزتهم عن غيرهم فهمُ السابقون السابقون في إجابةِ الدعوى الإلهيةِ، فأصبحوا همُ المُقربين. كذلك هم يتمتعونَ بخصائصَ ومقاماتٍ كالعصمةِ والحُجّيةِ والصدّيقيةِ وغيرها من المقامات التي يتميّزونَ بها عمّا سواهم؛ لذلك جعلهم اللهُ (تعالى) حُججًا على خلقه، بل هم يتمايزون فيما بينهم في هذه المقاماتِ فيشتركونَ ببعضِها ويختلفونَ في الأخرى.. ومن المقاماتِ المُشتركةِ بينَ هؤلاء الحُجج هو مقامُ الصدّيقية، فالحُجّةُ الإلهي تارةً يكونُ نبيًا كما في إبراهيم (عليه السلام)، قال (تعالى):{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}(1)، وتارةً اُخرى يكونُ الصدّيقُ إمامًا كما في أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي وصِفَ بأنّه جاءَ بالصِدقِ وصدّقَ به وأنّه الصدّيقُ الأكبرُ كما جاءَ عن الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله) حيثُ قال: (يا علي أنت حجةُ الله، وأنتَ بابُ الله، وأنتَ الطريقُ إلى اللهِ وأنتَ النبأُ العظيم، وأنتَ الصِراطُ المُستقيم، وأنتَ المَثَلُ الأعلى، وأنتَ إمامُ المُسلمين، وأميرُ المؤمنين، وخيرُ الوصيين، وسيّدُ الصدّيقين. يا علي أنتَ الفاروقُ الأعظم، وأنتَ الصدّيقُ الأكبر، وإنَّ حزبَك حزبي وحزبي حزبُ الله، وإنَّ حزبَ أعدائك حزبُ الشيطان).(2). وقد يكونُ الصدّيقُ لا نبياً ولا إمامَاً ولكنّه يندرجُ تحتَ هذا المقامِ كالسيّدةِ مريم (عليها السلام) كما في قوله (تعالى):{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ...}(3) وسيّدتُها الزهراء (عليها السلام) كما في الرواياتِ الواردةِ عن أهلِ بيتِ العصمةِ والطهارةِ، فقد رويَ عن المُفضّل، عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): من غسَّلَ فاطمة؟ قال: ذاكَ أميرُ المؤمنين -وكأنّي استعظمتُ ذلك من قولِه- فقال: كأنّك ضِقْتَ بما أخبرتُك به؟ قال: فقلتُ: قد كانَ ذاكَ جُعِلْتُ فِداك؟ قال: فقال، لا تضيقن؛ فإنّها صدّيقةٌ، ولم يكنْ يُغسِّلُها إلا صدّيقٌ، أما علِمْتَ أنَّ مريمَ لم يُغسِّلها إلا عيسى(٤). ورويَ عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: إنَّ فاطمةَ (عليها السلام) صدّيقةٌ شهيدةٌ.(٥). والصدّيق: هو كثيرُ الصدق، وقيلَ: من لا يكذب قط، وقيل: من صدَّق بقولِه واعتقادِه وحقَّقَ صدقَه بفعلِه(٦). وعُرّف الصدّيق بأنّه: كثيرُ الصدق، المُبالغُ في الصدق -أي كثيرُ الصدق مع الله (تعالى)- وهو صيغةُ مُبالغة، والصدّيقون هم الذين سرى الصدقُ في قولِهم وفعلِهم فيفعلونَ ما يقولون، ويقولون ما يفعلون. والسؤال هنا: هل نالتِ الحوراءُ زينب (عليها السلام) مرتبةَ الصدّيقية؟ وإذا نالتْها ما الذي أهّلَها لنيلِ هذه المرتبة؟ نقولُ: نعم، لقد نالتْها وبأعلى درجاتِها، وما يدلُّ على ذلك حديثُ الإمامِ زينِ العابدين (عليه السلام) مُخاطبًا عمّته الصدّيقة الصغرى: يا عمّة، أنتِ بحمدِ الله عالمةٌ غيرُ مُعلَّمة، فهِمةٌ غيرُ مُفهَّمة... (7) ومن صدرِ هذا الحديثِ الشريفِ يتبيّنُ لنا أنَّ شهادةَ المعصوم (عليه السلام) للسيّدةِ الحوراء بتمتُعِها بالعلمِ الإلهي المُفاض من قبلِ الله (تعالى) على صفحاتِ قلبِها الطاهر. ومن هذا العلم الإلهي ونتيجةَ معرفتِها بخالقِها حقَّ المعرفةِ تتولّدُ الطاعةُ المحضةُ للحقِّ (تعالى) المقرونةُ بالعملِ الدؤوبِ لتحقيقِ الغايةِ والهدفِ الإلهي، قال (تعالى): (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)(8) فالسيدةُ الحوراءُ من أعلى مصاديقِ الطاعةِ للهِ (جلّ وعلا)، وهذه الطاعةُ ناتجةٌ من الإيمانِ المحضِ بالله (تعالى) ورُسُلِه (عليهم السلام)، والإيمانِ الكاملِ التامِّ بالمشروعِ الإلهي العظيم، قال (تعالى): (وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)(9) فإيمانُها باللهِ (تعالى) وطاعتُها جعلاها من الصدّيقين. ومن الشواهدِ على طاعتِها للمشروعِ الإلهي العالمي هي نصرتُها لأخيها وإمامِها الحُسين (عليه السلام) الذي خرجَ للإصلاحِ في أُمّةِ جدِّه (صلى الله عليه وآله) والذي كان في حياتِه الشريفةِ يحثُّ على نُصرةِ ولدِه الحُسين ومُساندةِ مشروعِه الإلهي فقد رويَ عن أنسِ بن الحارث يقول: سمعتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنَّ ابني هذا -يعني الحسين- يُقتَلُ بأرضٍ يُقالُ لها كربلاء، فمن شهدَ ذلك منكم فلينصره.(10). فشهدت إمامَها المعصومَ ونصرتْه خيرَ نُصرةٍ وكانتْ شريكتَه في الوقوفِ بوجهِ الظالمين قبلَ الطفِّ وبعدها. أضف إلى ذلك رضاها بقضاء الله (تعالى) وقدره والتسليم التام لأمره، فقد ورد في الحديث عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) قال: قال اللهُ (عز وجل): عبدي المؤمن لا أصرفُه في شيءٍ إلا جعلتُه خيرًا له، فليرضَ بقضائي وليصبرْ على بلائي وليشكرْ نعمائي أكتبْه يا مُحمّدُ من الصدّيقين عندي(11). وهي (صلوات الله وسلامه عليها) رغم عِظَمِ الفاجعةِ وهولِ المُصيبةِ في عاشوراء إلّا أنّها كانتْ راضيةً صابرةً مُحتسبةً وتقول: (ما رأيتُ إلا جميلًا) فكانتْ تنظرُ الى كربلاءَ بعينِ الجمال؛ لأنّها مؤمنةٌ بعدلِ الله (تعالى) وحكمتِه. وبهذا نالتْ مقامَ الصدّيقين، وما ذلك إلا لأنّها عارفةً بالله (تعالى) حقَّ معرفتِه فإنّ (أعلمَ الناسِ باللهِ أرضاهم بقضاءِ الله (عز وجل).) كما وردَ عن صادقِ العترةِ (عليه السلام).. فإيمانُها بالله (تعالى) وطاعتُها وتسليمُها التام لأمره نتيجته مقامٌ عالٍ لا يناله إلا ذو حظٍ عظيمٍ، وكُلُّ ذلك فرعُ علمِها. فسلامٌ عليها ما بقيَ الليلُ والنهار. ______________________ (1) سورة مريم: الآية41 . (2) الإمام علي بن أبي طالب: أحمد الرحماني الهمداني، ص46. (3) سورة المائدة: الآية75. (4) الكافي: للشيخ الكليني، ج١، ص٤٥٩. (5) المصدر نفسه (6) مُفردات غريب القرآن: للراغب الإصفهاني، ص٤٢٠و٢٧٧. (7) الاحتجاج: الشيخ الطبرسي، ج2، ص31. (8) سورة النساء: الآية 69. (9) سورة الحديد: الآية19 . (10) ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام)، ابن عساكر، ص349. (11) الكافي: مصدر سابق,ج2, ص61.

اخرى
منذ 3 أسابيع
93

من الذي يسقطُ من الغربال؟

بقلم: أنعام العبادي من التصوّراتِ السطحيةِ لقيامِ دولةِ العدلِ الإلهي المُنتظَرَة، هو أنْ يكونَ قيامًا خارجًا عن السنن الإلهية، ومن مصاديق هذه النظرة، إنّه قيامٌ بظهورِ صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وعددٍ من القادة والمؤازرين، دون التفكير والسعي في أنْ يكون الشخصُ منهم؛ ولهذا التفكير أسبابٌ من جملتِها: اليأس، وسهولة هذه النظرة. إن من مقدماتِ التمهيد لهذه الدولة، هو تغييرُ هذه النظرة، والتصديّ لها بقوة. وقد أشار الله (سبحانه) إلى هذه الحقيقة في كتابه العزيز بقوله (تعالى): "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا"(١)، فهو قيامٌ لن يخرجَ على الأطلاقِ عن هذه القواعد، والتحرُّك نحو هذه الحقيقة يدفعُ المُنتظِرَ نحو تفكيرٍ أعمق، باحثًا عن مسؤوليتِه في التمهيد، وعن دورِه عند الظهور، ويسعى بشكلٍ مستمر، ويبحثُ عن إجابةٍ لأسئلته، وصولًا إلى معرفةِ دورِه، مُتحركًا ضمنَ توجيهاتِ تلك السنن الإلهية وروايات العترة الطاهرة، حتى يكونَ إيمانُه مستندًا على دعائمَ رصينة.. ومن تلك التساؤلات التي تردُ على ذهن المُنتظر: "كيف النجاة؟ وما السبيل؟ ومن سيسقطُ من الغربال؟ ...."، وسيكونُ تركيزُنا في هذا المقال على السؤال الأخير؛ لأهميته في زمنِ الغيبة، فقد روي عن ابن أبي يعفور أنه قال بأبي عبد الله (عليه السلام): ... واللهِ إنّ من يصفُ هذا الأمر منهم لكثير، قال (عليه السلام): لا بُدّ للناس من أنْ يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، ويستخرج في الغربال خلقٌ كثير"(٢). وقبل البدء في معرفةِ المقدمات التي ستصلُ بهم إلى هذه النتيجة، لابُدّ من الاستعداد لمُضِلّات الفتن؛ لأن التمحيصَ يتحققُ بمرورِ المؤمنين بعدةِ اختباراتٍ وابتلاءات؛ لعزل المنافقين عن المؤمنين، ففي الادعاء وفي الحالاتِ العادية تجد أنَّ كلَّ الناسِ يحسبونَ أنفسَهم صالحين، وأما عند المرور بالامتحانات أو بهجوم الغرائز، أو معرفة الشيطان بتلك الثغرة الضعيفة الخاصة بالمؤمن؛ عندها يقع الاختبار. والنتيجةُ؛ أنَّ هناك من يكون البلاءُ سببًا لمعرفتِه بتلك الثغرة، ويسعى إلى إصلاحها ويرتقي بها، وهناك من يؤدي به البلاء إلى الضلال، ومن أهمِّ السُبل للنجاةِ هو الوقوف على أسبابِ السقوطِ من الغربال، ومن أخطرها السببان الآتيان: ١- حُبُّ الرئاسة: وخطورتُها تتجلّى في التَعّمد على إخفائها في عمقِ نفسِ الإنسان؛ لكونها ذنبًا قلبيًا، بالأخصِّ من يمتلكُ مكانةً اجتماعية. وتكونُ في البدءِ ثغرةً، فإذا عرفَ الشيطانُ أنّها نقطةُ الضعفِ عملَ على تكبيرها؛ لتكونَ مكانًا مقدسًا، تُهاجِمُ كلَّ من اقتربَ نحوها. ومن علامات المُبتلى بهذه المُهلِكة: الثقلُ في إرشادِ غيرِه إلى من هو أعلمُ منه، وانتقاصُ الآخرين بسلوكياتِهم، فإنْ لم يجدْ أتهمَهم بنواياهم؛ ليرفعَ نفسه، خصوصًا عندما يشعرُ باقترابِ شخصٍ من مكانتِه، ويُحتَملُ أنْ يأخذَها منه، ويصنع لنفسه أهميةً غير حقيقية، كادعاءِ مواعيدَ واتصالاتٍ كاذبة ليُشعرَ الناسَ بأهميته، وعندَ تشخيصِ وجودِ هذه العلامات في النفس لابُدّ من الوقوفِ عليها وبإصرار، قبل أنْ تكبرَ هذه الثغرة، وتصير مكانًا لا يضيق على الشيطان لطول مكثه فيه. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: "اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأمْرِهِمْ مِلاَكًا، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكًا، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ"(٣). فكلُّ ما يُخفيه الإنسانُ سيكونُ سببًا في مصيرِه وعاقبته، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلا ألبسَه اللهُ رداءَها إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًا فشر"(٤). فعلى الإنسانِ إنْ يتفكّرَ أنّ لذةَ هذه المُهلكة أيامًا قليلةً وأنَّ عاقبتَها هلاكٌ أبديّ، ثم إنّ القلوبَ بيدِ الله (سبحانه) فقط، فينبغي أنْ يكون العملُ له وحده، روي عن الإمام علي (عليه السلام): "من حَسُنَتْ سريرتُه، حَسُنَتْ علانيتُه"(٥). وعلامةُ السلامةِ من هذه المُهلكة؛ هي حُبُّ العملِ والرغبةُ في تطوّرِه لذاتِه، وإنْ قام به غيره، تحملًا للمسؤولية لا حبًا للرئاسة. ٢- التولّي لأعداءِ أهلِ البيت (عليهم السلام) والتبرؤ من أوليائهم: فعن الإمام الرضا (عليه السلام): "إنَّ ممن ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشدُّ فتنةً على شيعتنا من الدجّال، فسُئل الإمامُ: بماذا يُفتَنون؟ قال: بموالاةِ أعدائنا، ومعاداةِ أوليائنا، إنّه إذا كان كذلك اختلطَ الحقُّ بالباطل، واشتبه الأمرُ، فلم يُعرفْ مؤمنٌ من منافق"(٦)، وخطورةُ هذه المُهلكة هي عدم الالتفات إلى مقدماتِها المؤدية إلى الخذلان. ومن المقدماتِ الخطيرة لموالاةِ أعداء أهل البيت (عليهم السلام) هو الانبهارُ بنَمَطِ الحياة الماديّ السطحيّ لهم؛ لِضعفِ الروحانية، وحبًا بالراحةِ المادية. فمن لديه هذا الميل إذا لم يقوِّ روحانيتَه، سيشعرُ بالدونيةِ تجاه القوّة الوهمية التي يمتلكُها الطرفُ الآخر ويضعُفُ انتماؤه، ويكونُ سهلَ الانقيادِ لجبهةِ المُنكرينَ للهِ (تعالى) من حيثُ لا يشعر. ومن مقدماتِ التبرؤ منْ أولياءِ أهلِ البيت (عليهم السلام) هو التَعَصُّبُ والانفصالية عن من هم مشتركون معه بنفس العقيدة وهي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام )، ولعلَّ أبرزَها وأشدَّها ما يُعانيهِ المجتمعُ في مسألةِ التقليدِ وتعدُّدِ المراجع، فلا أحدَ من الفقهاء يقولُ بوحدةِ المرجعية، فهي مُتعددةٌ في زمنِ الغيبة، لكن وفقَ ضوابط في اختيارِ مرجعِ التقليد.. وهذا الأمرُ لابُدّ من بيانِه من قِبل المُتصدّين للمجتمعِ، فمن شأنِه أنْ يُخفف نزعةَ الانفصالية، وقبلَ أنْ يؤديَ بالمؤمنِ إلى التخلّي عن ولايةِ رسولِ اللهِ محمد وآله الطيبين الطاهرين، روي عن الإمامِ زين العابدين (عليه السلام): "فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وإيّاكم والذنوب التي قلّما أصرّ عليها صاحبُها، إلا أداه إلى الخذلانِ المؤدي إلى الخروجِ عن ولايةِ محمدٍ (صلى آلله عليه واله)،... قالوا: يا بنَ رسولِ الله!.. ما الذنوبُ المؤديةُ إلى الخذلانِ العظيم؟.. قال: ظلمُكم لإخوانِكم الذين هم لكم في تفضيل عليّ (عليه السلام)"(٧)، أيّ ظلمُ من يوالي أميرَ المؤمنين (عليه السلام). إذن بالوقوف على هذه الأسباب وأشباهها، يكونُ السبيلُ للنجاة؛ لأنّ مُضِلّات الفتنِ رهينةٌ لمُسبباتها، كما أشارتِ الأحاديثُ إلى ذلك، منها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "أيُّها الناسُ إنّما بِدءُ وقوعِ الفتنِ أهواءٌ تُتبع،.."(٨)، وطلبُ العون من الله (سبحانه) في ذلك، بالتمسكِ بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة، وتحريكِ العقلِ ببعض الأدعية، ومنها دعاء مكارم الأخلاق، بوضعِ النفسِ في ميزانِ فقراته؛ لِيعرفَ المؤمنُ الحقَّ حقًا فيتبعه، والباطل باطلًا ليجتنبه. ___________________ ١- سورة فاطر آية (٤٣). ٢- الكافي- للكليني- الجزء ١. ٣-كتاب نهج البلاغة- الشريف الرضي. ٤-ميزان الحكمة- محمد الريشهري- الجزء ٢. ه- ميزان الحكمة- محمد الريشهري- الجزء ٢. ٦- صفات الشيعة- للشيخ الصدوق. ٧- جواهر البحار- الشيخ حبيب الكاظمي- المجلد الرابع(باب العِشرة). ٨- الكافي- للكليني- جزء ١.

اخرى
منذ 4 أشهر
206

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
70092

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
50880

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42057

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
34577

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31963

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31399