تشغيل الوضع الليلي

الطلاق ليس نهاية المطاف

منذ 3 سنوات عدد المشاهدات : 49495

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم!
ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب.

الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين.
قال تعالى:
[ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١).
الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"،
يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب.
المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام.
ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها.
وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات.
وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"،
روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢).

ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه!

قال( تعالى ):
[الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣).

ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق!
الطلاق ليس نهاية الحياة.
- أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق.
-قطار العطاء لن يتعطل.
فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ.
وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها.
وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه.
-ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام،
ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك.
- نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس.
- ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها.
-حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك.
- خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق.
-استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة)
فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي.
- اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك.
- احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة.
ونعم سعادة القرب من الرحمن.
- اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه.
- اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها.
- وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح.
لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز.
وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر.
---------------------------------
(١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧).
(٢)-الكافي
(٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨)

حنان ستار الزيرجاوي

اخترنا لكم

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به(10)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به(10) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني ثالثًا: الحديثُ الشريفُ –بدلالته على عدم جواز شدِّ الرحال إلى ما سوى المساجد الثلاثة- يُعارضُ السُّنةَ القوليةَ والفعليةَ وفعلَ الصحابةِ: أولًا: معارضته السُنّةَ القولية: روي عنه (صلى الله عليه و[آله] وسلم) أنّه قال: "من زارَ قبري وجبتْ له شفاعتي"(1) على الرغم ممّا أورده الوهابية من إشكالاتٍ على هذه الرواية تصبُّ في دائرة سندها غير أنّ الكثير من العلماء حسنّوه وصحّحوه؛ إذ (قال ابن الملقّن حوله: وَهَذَا إِسْنَاد جيد، وحسّنه السیوطي قائلًا: وله طرق وشواهد حسّنه الذهبي لأجلها، وحسّنه الصالحي الشامي وصحّحه أیضًا؛ لکثرةِ الطرقِ والشواهد. ویعتقدُ الزرقاني المالکي أنّ هذه الروایة حسنة أو صحیحة؛ لأنّ فیها کثرة الطرق والشواهد، وصحّحها عبدالحقّ والسبکي وابن السکن، ویعتقد الملا علي القاري أنّ هذه الروایة حسنة أو صحیحة: (فيما رواه ابن خزيمة والبزار والطبراني وله طرقٌ وشواهدُ حسّنه الذهبي لأجلها (قال النبي (صلى الله (تعالى) عليه وآله وسلم): "من زار قبري وجبت له شفاعتي" أيّ حقّتْ وثبتتْ، وفي روايةٍ حلّت رواه الدارقطني وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث (وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله (صلى الله (تعالى) عليه وآله وسلم): "من زارني في المدينة محتسبًا") وحسّن العلامة اللکنوي هذه الروایة للشواهدِ والطرقِ المتعددة وقال: إنّ ابن تیمیة أخطأ في قوله هذه الروایات ضعیفة أو موضوعة، وقال في الرفع والتکمیل: من قال إنّ هذا الحدیث ضعیفٌ فهو ضالٌّ)(2) ورويَ عنه (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أنّه قال: "من جاءني زائرًا لا تحملُه حاجةٌ إلا زيارتي كانَ حقًّا عليّ أنْ أكونَ له شفيعًا يومَ القيامة"(3) ، وفي لفظٍ آخر: "لا تعمله إلا زيارتي"، وفي آخر: "لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي"، وفي رابع: "لا ينزعه إلا زيارتي" هذه الرواية هي الأخرى لم تسلمْ من سهامِ حقدِ النواصبِ الوهابيين الذين آلوا على أنفسهم إلّا يتركوا سندًا شرعيًا لزيارة قبرِ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فضلًا عن زيارةِ سائرِ القبور إلا ووصموها بالضعفِ أو الوضع، بلغَ ما بلغَ رواتُها من الكثرةِ العددية ومن الثقل العلمي. وقد روى هذه الروايةَ وصحّحَ سندَها الكثيرُ من عُلماءِ العامة منهم: (الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان السكن البغدادي في كتابه «السن الصحاح»، والحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، والحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الإصبهاني في معجمه، والحافظ أبو الحسن الدارقطني في أماليه، القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي صاحب «الفوائد»، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي، في «إحياء العلوم»، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي، والحافظ يحيي بن علي القرشي الأموي المالكي، والحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد في كتابه، وتقي الدين السبكي الشافعي حيث فصل القول في طرق هذا الحديث، وأخرجه من طرق شتي وصححه في «شفاء السقام»، والسيد نور الدين علي بن عبداللّه الشافعي القاهري السمهودي، في «وفاء الوفاء» ذكره من طرق شتي، وأبو العباس شهاب الدين القسطلاني، في «المواهب اللدنية»، والشيخ محمد الخطيب الشربيني المتوفي في «مغني المحتاج»، والشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفي سنة (1078 ه)، في «مجمع الأنهر»)(4) ولا يُعقلُ أنْ يزورَ الزائرُ النبيَّ الأعظمَ (صلى الله عليه وآله) بقصدِ زيارتِه، بل ولا همَّ له في سفرِه إلا زيارته (صلى الله عليه وآله) ما لم يشدّ إلى قبرِه الشريفِ (صلوات الله عليه وآله) الرحال، ممّا يدلُّ على جوازِ شدِّ الرحالِ إلى ما سوى المساجدِ الثلاثة، بل واستحبابِه والحثِّ عليه. وبذا تكونُ هاتان الروايتان مُعارضتين لدلالةِ الحديثِ على عدمِ جوازِ شدِّ الرحالِ إلى ما سوى المساجد الثلاثة. ثانيًا: مُعارضته السُنّةَ الفعلية: روى أصحابُ الصحاح والسُنن: «كانَ رسولُ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا فيُصلّي فيه ركعتين"(5) وروى البخاري في صحيحه(6) : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يأتي مسجد قبا كلّ سبتٍ ماشياً وراكباً ، وأنّ ابن عمر كان يفعل كذلك. ورويَ عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «من خرجَ حتّى يأتي هذا المسجدَ ـ مسجد قبا ـ فصلّى فيه كانَ له عدلُ عُمرة»(7) ثالثًا: مُعارضته فعلَ الصحابة: بالإضافةِ إلى معارضة هذا الحديث السنة النبويّة المطهّرة بشقيها القولي والفعلي، فإنّه معارضٌ لفعلِ صحابةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد روى ابنُ عساكر: "لمّا رحلَ عمر من فتحِ بيتِ المقدس، فصارَ إلى جابيةٍ سأله بلالٌ أنْ يُقرَّه بالشام ففعل. قال: ثم أنّ بلالًا رأى في منامه النبيَّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وهو يقولُ له: ما هذه الجفوةُ يا بلال، أما آنَ لك أنْ تزورني يا بلال. فانتبهَ حزينًا وجلًا خائفًا، فركبَ راحلتَه وقصدَ المدينةَ فأتى قبرَ النبيَّ (صلى الله عليه [وآله]) فجعلَ يبكي عندَه ويُمرِّغَ وجهَه عليه،...."(8) وفي فتوح الشام: أنّ عمرَ لمّا صالحَ أهلَ بيتِ المقدس وقدمَ عليه كعبُ الأحبار وأسلمَ وفرحَ بإسلامه قال له: هل لك أنْ تسيرَ معي إلى المدينةِ وتزورَ قبرَ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وتتمتّعَ بزيارته؟ فقال: نعم أنا أفعلُ ذلك، ولمّا قدِمَ عمرُ المدينةَ كانَ أولُ ما بدأَ بالمسجدِ وسلَّمَ على رسولِ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)(9) المطلب الثاني مُناقشةُ دليلِ ابن تيمية: استند ابن تيمية إلى الحديثِ المُتقدِّمِ في إفتائه بحُرمةِ شدِّ الرحالِ إلى المشاهدِ قائلًا: (وهذا النهيُّ يعمُّ السفرَ إلى المساجدِ والمشاهد، وكُلَّ مكانٍ يُقصَدُ السفرُ إلى عينِه للتقرُّبِ؛ بدليل أنّ بصرةَ بن أبي بصرة الغفاري لما رأى أبا هريرة راجعًا من الطورِ الذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى قال: لو رأيتُك قبلَ أنْ تأتيَه لم تأتِه؛ لأنّ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد) ، فقد فهِمَ الصحابي الذي روى الحديثَ أنَّ الطورَ وأمثالَه من مقاماتِ الأنبياءِ مُندرجةٌ في العموم، وأنّه لا يجوزُ السفرُ إليها كما لا يجوزُ السفرُ إلى مسجدٍ غيرِ المساجدِ الثلاثة، وأيضًا فإذا كانَ السفرُ إلى بيتٍ من بيوتِ الله غير الثلاثة لا يجوزُ مع أنَّ مقصدَه لأهلِ مصر يجبُ تارةً ويُستحبُّ تارةً أخرى، وقد جاءَ في قصدِ المساجدِ من الفضلِ ما لا يُحصى فالسفرُ إلى بيوتِ عبادِه أولى ألّا يجوز)(10) ويؤاخَذُ على حديثِه المُتقدِّم أمورٌ: أولًا: قطعُه بالنهي عن شدِّ الرحالِ إلى سوى المساجدِ الثلاثةِ، على حين أنَّ النهيَ الواردَ في الحديثِ نهيٌّ إرشاديٌ؛ بسبب انعدامِ الجدوى، وليس نهيًا تحريميًا كما تقدّم. وعليه فمتى ما توفرتِ الجدوى جازَ شدُّ الرحالِ كما في شدِّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الرحالَ إلى مسجدِ قباء مرارًا، وأيُّ جدوى هي أعظمُ من شفاعةِ الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله) حينما قالَ: "من زارني وجبتْ له شفاعتي"؟! ثانيًا: قياسُه شدَّ الرحالِ إلى قبورِ الأنبياء والأولياء على شدِّ الرحالِ إلى عامّةِ المساجدِ قياسٌ باطلٌ، لا سيما لخصوصيةِ عدم جدوى شدِّ الرحالِ إلى الأخيرةِ؛ لانعدامِ الفائدةِ المُترتبةِ على ذلك، بل وقد يترتب عليه العناءُ أيضًا، وأما شدُّ الرحالِ إلى قبورِ الأنبياءِ والأولياءِ لا سيما قبر الرسولِ الاكرم (صلى الله عليه وآله) فعلى العكسِ تمامًا؛ لما يترتبُ عليها من الثوابِ العظيمِ والأجر الكريم. ثالثًا: قوله: "وهذا النهيُّ يعمُّ السفرَ إلى المساجدِ والمشاهد، وكُلَّ مكانٍ يُقصَدُ السفرُ إلى عينِه للتقرُّب..." لا ينطبقُ على زيارةِ قبورِ الأنبياء والأولياء؛ وذلك لأنّ شدَّ الرحالِ والسفرِ إلى أماكنِ قبورهم (عليهم السلام) ليسَ لعِلّةِ موقعِ القبرِ نفسِه ولا يُقصَدُ به تعظيمًا للمكانِ المقصودِ بذاته، وإنّما هو تعظيمٌ للمزورِ نفسِه، وما تعظيمُ المكانِ إلا تبعًا لتعظيمِ المكين. المطلب الثالث الأدلةُ الواردةُ على جوازِ شدِّ الرحالِ واستحبابه أولًا: لقد ثبتَ في الرواياتِ الصحيحةِ السند استحبابُ زيارةِ قبرِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبورِ الأئمةِ الطاهرين وبعضِ الصالحين كالقاسم بن الإمام الرضا (عليهم السلام). وبما أنّ بينَ أداءِ الزيارةِ ومُقدِّمتِها (شدُّ الرحال إليها) مُلازمةٌ عقلية؛ إذ لا يُمكِنُ عقلًا أنْ تتحقّقَ الزيارةُ ما لم يتمُّ السفرُ إلى قبرِ المزور، وبما أنّ أكثرَ الفقهاءِ يرون أنّ المُقدّمةَ التي يتوقّفُ عليها فعلُ الواجبِ واجبةٌ أيضًا إمّا للمُلازمةِ العقليةِ المحضةِ بينهما، أو للقاعدةِ الفقهيةِ المشهورة: «ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ». وعند تطبيق هذا الكلام على المُلازمةِ العقليةِ الثابتةِ بينَ المُستحبِ ومُقدّمتِه التي يتوقّفُ عليها، نجدُ أنّ أكثرَ الفقهاءِ قالوا: إنّ المقدمةَ التي يتوقّفُ عليها الحكمُ المُستحبُّ هي مُستحبّةٌ أيضًا؛ تبعًا للقولِ بأنّ المُتلازمين تلازُمَ العلّةِ والمعلول يجبُ أنْ يأخذا حكمًا متماثلًا.. وبما أنّ شدَّ الرحالِ مُقدِّمةٌ يتوقّفُ عليها الفعلُ المُستحبُّ وهي الزيارةُ، إذن هي مُستحبةٌ أيضًا، ومن ثم فإنّ شدَّ الرحالِ ليس بالأمرِ المُباحِ وحسب، بل هو مُستحبٌ أيضًا.. ثانيًا: إنَّ نفسَ شدِّ الرحالِ بقصدِ زيارةِ قبرِ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمةِ (عليهم السلام) والصالحين يُعدُّ من القُرُباتِ؛ وذلك للأسبابِ الآتية: 1 ـ للنصِّ على استحبابِ زيارةِ قبر النبي (صلى الله عليه وآله) –كما تقدّم-وبما أنَّ الزيارةَ لا بُدّ وأنْ تتضمّنَ شدَّ الرحال؛ لاستدعائها الانتقال إلى مكانِ المزورِ، وعليه يُستحبُّ السفرُ وشدُّ الرحال. 2 ـ لأنّ بعضَ النصوصِ حثّتْ على السفرِ بقصدِ الزيارة، كما في قولِه (تعالى): "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)"(11) فالمجيءُ إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) هو ما حثّتْ عليه الآيةُ المباركةُ، وهو ما تعلّقتْ به التوبة؛ وذلك لأنَّ اللهَ (تعالى) لم يطلبْ منهم الاستغفارَ وحدَه أو التوبةَ بمُفردِها، بل طلب منهم أولًا المجيءَ إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) ثمَّ الاستغفارِ بحضرتِه ليستغفرَ لهم هو (صلى الله عليه وآله). ولا يُتصوّرُ أنَّ الحثَّ على المجيء إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) مُقتصرٌ على حياتِه كما ادّعى البعض، بل هو شاملٌ لما بعدَها كما في روايةِ أميرِ المؤمنين علي (عليه السلام): "إنّ رسولَ الله (صلى الله عليه واله) قال: من زارَ قبري بعد موتي كانَ كمن هاجرَ إليّ في حياتي، فمن لم يستطعْ زيارةَ قبري فليبعثْ إليّ بالسلامِ فإنّه يبلغُني"(12) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الجامع الصغير، السيوطي، ج2، ص605 (2)الوهابية(الموقع التخصصي لدراسات الفكر الوهابي والتيارات السلفية)، الأسئلة، تحقیق سند الروایة «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، تاريخ التسجيل 1/11/2020 (3) المعجم الكبير، الطبراني، ج 12 ص 225 ح 13149، (4)بحوث في الملل والنحل، الشيخ جعفر السبحاني، ج٤، ص159 ومابعدها. (5)مسند أحمد ج10 ص488 ، السنن الكبرى ج5 ص248 (6) صحيح البخاري، ج ٢، الصفحة ٥٧ (7) المصدر السابق، ج1، ص206 (8) أسد الغابة : ج1 ص208 ، تهذيب المطالب ج2 ص408 ، شفاء السقام ص85 نقلا عن روافد الايمان الى عقائد الاسلام الشيخ نجم الدين الطبسي ص104 (9)وفاء الوفاء ج4 ص1357 نقلا عن روافد الايمان الى عقائد الاسلام الشيخ نجم الدين الطبسي ص105 (10) اقتضاء الصراط ج2، ص64 (11) النساء 64 (12) بحار الانوار ج96 ص379

اخرى
منذ يوم
5

خاطرة

مددت يداً إلى الزهراء خالية الوفاض فردتها ملأى من أعظم الجود والكرم ناديتها ندباً بدمعٍ يافاطمة اغيثيني وحاشاها لم تخيب من ناداها بقلب محزونِ وندب دامي القلب مهدي القلوب بحرقة يابن فاطمة بحق أمك مكسورة الضلع اغث قلباً ملهوفاً لا رجاء ولا أمل له إلا بمنكم فأغاث لهفة ذلك القلب المكروب سيدي إني مذنب عاصٍ نزلت بساحتكم فشرعتم الأبواب لي ولم تردوني

اخرى
منذ سنة
713

ومضاتٌ فاطمية لإنارة غياهب الجاهلية(١)

من خطبتها (عليها السلام): "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمةٌ جعل الإخلاص تأويلها، وضمَّن القلوب موصولها، وأنار في التفكير معقولها" بعد الحمد والثناء على ربِّ الأرض والسماء أخذت سيدة النساء تلهج بالشهادة الغراء، وأطلقت على الشهادة (كلمة)، بلحاظ أنّ كل لغة تحتوي على كلمة بسيطة، ومركبة، وهيأة تركيبية، فالشهادة هي هيأة تركيبية تم ربط كلماتها بحروف فأصبحت جملة تامة. (الإخلاص تأويلها): هنا لابد من بيان مفردتي الإخلاص والتأويل، ثم ربطهما بالشهادة. (الإخلاص) يختلف تعريفه باختلاف موضوعه، إلاّ أنّ مراد السيّدة الزهراء (عليها السلام) مرتبط بالإخلاص لله سبحانه، وعلى تلك المفردة دلّ الله تعالى بنفسه عليها في كتابه العزيز، حيث قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين}(١) فالمراد من الإخلاص إذن هو الإخلاص لله تعالى في دينه، لكن القرآن الكريم لم يوضح كيفية الإخلاص، لذا تعين الرجوع للسنة النبوية -ما صح عن النبي وآله عليهم السلام من روايات_ المفسرة له. وقد روي عن سيّد الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته المباركة، أنّه جعل الإخلاص كمالاً لتوحيد الله تعالى، ثم أسهب في بيان كيفية الإخلاص في التوحيد، حيث قال: "كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ، وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَة"(٢) والمراد من نفي الصفات عنه تعالى هو نفي الصفات الزائدة على الذات، الأمر الذي قالت به بعض المذاهب الإسلامية (الأشاعرة)، فيكون المقصود من كلامه (عليه السلام) هو عينية الصفات للذات، وبالتالي لا تكون الذات الإلهية مركبة من ذات وصفات؛ لأنّ التركيب لازمه التعدد، وهذا خلاف التوحيد. وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام)أنه قال: "فأما حق الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئا"(٣). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "خالصاً مخلصاً ليس فيه شيء من عبادة الأوثان"(٤). فالروايات تشير إلى تنزيه المولى سبحانه عن أن يكون معه شيء ثانٍ قديم بقِدَمه سبحانه. والقديم المنفي عنه مطلقاً، أي سواء أكان موجوداً -كمن يدّعي وجود إله مع الله سبحانه- أو كانت صفاته سبحانه -كمن يدّعي زيادة صفاته الذاتية عليه سبحانه-. وأما مفردة (التأويل) "التأويل في اللغة من: أوّل الكلام وتأوله: دبّره وقدّر، وأوله وتأوله: فسّره، وقوله عزَّ وجل: ولمّا يأتكم تأويله، أي لم يكن معهم علم تأويله. والمراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ"(٥)، فظاهراً تؤول الشهادة إلى نفي الشريك والقديم عن الله تعالى. وبعد أن اتضحت لنا المفردتان نلملم أطراف الحديث ونربطها بكلمة الشهادة، (جعل الاخلاص تأويلها) أي إنّ شهادة لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له تؤوّل بنفي الشريك والقديم عنه. (وضمّن القلوب موصولها): أي حوى القلوب ما يصله ويكتفى به للإقرار بالشهادة لله سبحانه، فبالفطرة عُرف الله سبحانه ولهجت الألسن بالشهادة بألوهيته، وتلك هي أدنى درجات المعرفة به سبحانه. حيث روي عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) حينما سئل عن أدنى المعرفة الفطرية أنه قال: "الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ء"(٦) وإلى ذلك أشارت السيدة الزهراء (عليها السلام) بكلمة واحدة. (وأنار في الفكر معقولها): أي أضاء في الذهن الإنساني ما يتعلق بكلمة الشهادة لله تعالى بالوحدانية من الدلائل والبراهين، والكلام حصراً في الأدلة العقلية، كدليل التمانع، وخلاصته: "لو كان لله شريك للزم فساد الكون، وهذا الدليل مستنبط من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(٧). والتالي باطل، والمقدم مثله في البطلان. بيان ذلك: لو أراد الله تعالى خلق جسم ما، وأراد الإله الآخر خلق نفس الجسم، فهنا احتمالان: ١/إن اختلفت ارادتهما بأن يريده أحدهما ساكناً، والآخر متحركاً، فالأمر لا يخلو عن ثلاث فرضيات: أ- أن يقع مرادهما. وهذا باطل؛ لأنه يلزم اجتماع النقيضين -الحركة والسكون-. ب- أن يقع مراد أحدهما، وهذا باطل؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ويدل على عجز الإله الثاني، فتنتفي فرضية وجود شريك مع الله سبحانه. ج- أن لا يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنه يلزم خلو الجسم من الحركة والسكون. ٢/إن اتحدت إرادتهما، بأن يريدا الجسم أن يكون متحركاً مثلاً، وهذا باطل أيضاً؛ لأن الجسم لا تتعلق به أكثر من إرادة واحدة، وبالتالي يقع مراد أحدهما، ويكون الآخر عاجزاً، والعاجز لا يصح أن يكون إلهاً، وهذا ينفي وجود شريك مع الله سبحانه"(٨). فهنا تعقل الفكر وعملية الاستدلال على معاني كلمة الشهادة، وهي لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. وهناك العديد من الأدلة العقلية التي تؤدي نفس الغرض المثبت أعلاه، كدليل التمايز، والتعدد يستلزم التركيب، وما شابه ذلك. ______________ (١) البينة: ٥. (٢) نهج البلاغة، الخطبة الأولى، ٤٠. (٣) ميزان الحكمة: للريشهري، ج١، ص٦٧٠. (٤) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج١، ص٤٣. (٥) الميزان في تقسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج٣، ص٢٨. (٦) الكافي: للشيخ الكليني، ج١، ب ٢٦،ح١. (٧) الأنبياء: ٢٢. (٨) أجوبة الشبهات الكلامية: محمد قراملكي، ج١، ص٣٨٥. وصلِ اللّهم على محمد نجيبكَ من خلقكَ، وعلى آله صفوة خلقك. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
3334

التعليقات

وفاء لدماء الشهداء

منذ سنة

احسنتم وبورك طرحكم

أنعام العبادي

منذ سنة

وفقكم الله وبورك طرحكم

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
107426

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102464

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60468

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56614

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
54930

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51853