تشغيل الوضع الليلي

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(75)

منذ شهرين عدد المشاهدات : 127

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(75)
رويَ عنِ الإمامِ علي (عليه السلام): "لا ترغبنَّ فيمن زهدَ فيك، ولا تزهدنَّ فيمن رغبَ فيك"(1)
........
*يُحدِّدُ الإمامُ (عليه السلام) في قوله هذا علاقةَ الإنسانِ مع الطرف الآخر فيما إذا بلغتْ حدًّا أنْ يزهدَ الطرفُ الآخرُ فيها، بمعنى أنْ لا يرى للعلاقةِ أيّ معنى أو أهميةٍ في نظره، فيُرشدُ الإمامُ (عليه السلام) إلى إنهاءِ هذه العلاقة، وإلى أنْ لا يرغبَنَّ فيها؛ إذ إنَّ العلاقةَ حينئذٍ لا تُعطي ثمارَها وآثارَها المطلوبةَ، فما لم يحصل لدى الطرفين الرغبة في ديمومةِ واستمرارِ علاقةٍ ما، فلا خيرَ فيها أبدًا.
*وفي المقابل يؤكِّدُ الإمامُ (عليه السلام) على ضرورةِ التمسُّكِ بمن يرغبُ في استمرار العلاقة ويتمسّكُ بها، ولم يبدر منه الزهدُ فيها؛ إذ المطلوبُ هو العملُ على المُحافظة عليها ما أمكن؛ فالإنسانُ اجتماعيٌّ بطبعه، ولا بُدّ له من التواصُلِ مع من يأنسُ به ويستفيدُ منه ويسانده في السراء والضراء ما لم يحصلِ المانعُ الذي يُحذِّرُ منه المُتمثّلُ بعدمِ الرغبةِ والكراهيةِ في ديمومةِ الصداقةِ والصحبةِ، وهُنا لا ينفعُ معه إبداءُ الرغبةِ فيه، بل الحلُّ يكمنُ في رفضِ تلك العلاقة وإنهائها، على خلافِ ما لو كانتِ الرغبةُ فاعلةً عندَ الطرفين يكونُ المطلوبُ حينئذٍ الإبقاءَ عليها مهما حصل بينهما من خلافٍ وشقاقٍ إنْ كانَ بالإمكانِ إذابته وتجاوزه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار:74/166/29

اخترنا لكم

زادُ المُنتظرين الأخلاقي(٢)

بقلم: علوية الحسيني عدمُ الرياء ■ مقدمـة قالَ اللهُ (تعالى) في مُحكمِ كتابِه وعظيمِ تنزيلِه: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون}(١)، جاءَ في هذه الآية الكريمة: "أي يأتون بالعبادات لمُراءاةِ الناسِ، فهم يعملونَ للناسِ لا للهِ (تعالى)"(2). والرياءُ خطٌ أحمرُ كذلك في رواياتِ أهلِ البيت (عليهم السلام)، فالإمامُ الصادقُ (عليه السلام) عدّه شركًا؛ لأنّ العملَ ليس خالصًا لله (تعالى)؛ كما روي عنه (عليه السلام): "كُلُّ رِيَاءٍ شِرْكٌ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْ عَمِلَ لله كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى الله"(3). فهذه الخطورةُ العظيمةُ لحظها أهلُ البيتِ (عليهم السلام)، حتى حذّروا شيعتَهم وأمروهم بالابتعاد عنها، ولا شكَّ أنّ المنتظرين الذين يرومون التشرُّفَ بصُحبةِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في تخلٍ عن الرياء، وكُلُّ عملِهم خالصٌ للهِ (تعالى) الواحد الأحد. ■ خطورة الريـاء إنّ تفشّي رذيلة الرياءِ بالتعبُّدِ لغيرِ اللهِ (تعالى) - وإنْ كانَ خفيًا - من أخطرِ الأمورِ فتكًا بأُمّةِ النبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله)؛ إذ ينتشرُ الجفافُ الروحي بالعلاقةِ مع اللهِ (سبحانه)، وتكثُرُ الحُجُبُ بيننا وبينه، ويقلُّ الإخلاصُ في العبادة، حتى تُصبِحَ روتينًا لتكميمِ أفواهِ الناس لئلا يُخرِجوا المرائي عن ملةِ الإسلامِ بكلامِهم. فعلى المُنتظِر لإمامِ زمانِه أنْ لا يجعلَ للرياءِ نصيبًا حينما ينوبُ عن إمامِه في بعضِ المستحباتِ مثلًا، كإعطاءِ الصدقة، والزيارةِ بالنيابة، أو إهداءِ ثوابِ خطواتٍ حينَ الذهابِ سيرًا إلى زيارةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام). وكذا في سائرِ المستحباتِ التي قوامُ قبولِها هو الإخلاصُ بقصدِ التقرُّبِ الخالصِ لوجهِ اللهِ (تعالى). ■ مفهومُ الرياء: •الرياءُ لُغةً: "مصدرُ راءى: تظاهرَ بخلاف ما في الباطن، فعل ذلك رياءً"(٤). •وشرعًا: "هو إظهارُ وإبرازُ شيءٍ من الأعمالِ الصالحةِ أو الصفاتِ الحميدةِ أو العقائدِ الحقّة للناسِ؛ لأجلِ الحصولِ على منزلةٍ في قلوبِهم والاشتهارِ بينهم بالصلاحِ والاستقامةِ والتديُن، من دونِ أنْ تكونَ هناك نيةٌ إلهيةٌ صحيحةٌ"(٥). ■ موقفُ الشارعِ منه: "يُعدُّ الرياءُ والسمعةُ في الطاعاتِ والعباداتِ من أعظمِ المعاصي"(٦). ■ من مصاديق الرياء: 1/ الرياءُ في الإنفاقِ، فعلى المؤمنِ المنتظر الذي يُريدُ أنْ يكونَ من أصحابِ الإمامِ المهدي (عجّلَ اللهُ فرجَه الشريف) أنْ لا يُرائيَ بأصلِ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ (تعالى) -عمومًا-، ولا حينَ التصدُّقِ بالنيابةِ عن إمامِ زمانِه -خصوصًا-؛ قال (تعالى): {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر}(7). 2/ الرياءُ في الدُعاءِ، كثيرةٌ هي الأدعيةُ التي تُقوّي العلاقةَ الروحيةَ بينَ العبدِ وبينَ ربِّه؛ كالدُعاءِ للإمامِ بتعجيلِ الفرج والنصر، والاستغاثةِ والتوسُطِ به إلى اللهِ (تعالى) لقضاءِ الحوائج. فعلى المؤمنِ المُنتظِر أنْ يكونَ حذرًا، وأن لا يدعو بقصدِ إراءةِ الناسِ مدى ارتباطِه بمولاه؛ لئلا يخدعه الشيطانُ ويُغرِّر له بالولاء، ويُنسيه القصدَ الأعظمَ، قصد القُربةِ والإخلاص فيه لله (تعالى). نعم، الجهرُ بالدُعاءِ للإمام، أو الهمهمةُ المسموعةُ إنْ كانتْ بقصدِ القُربةِ للهِ (تعالى)، ثم بقصدِ تحفيزِ الغيرِ للدُعاءِ لإمامِ زمانِه فهي أمرٌ حسنٌ. وقد تكونُ أحيانًا مدعاةً للتذكيرِ بإمامِ الزمانِ وقضيتِه، كما جرتْ عادة الشيعة من أنهم يقومون أمامَ الناسِ ويضعونَ أيديهم فوقَ رؤوسهم، ويدعونَ للإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالفرج، عندَ ذكرِ اسمِه الشريف. ٣- الرياءُ في الجِهادِ، فالمُجاهدُ بينَ يدي الإمامِ ينبغي أنْ يعلمَ أنّ جهادَه في سبيلِ اللهِ (تعالى) وحدَه، لا في سبيلِ جلبِ أنظارِ الناسِ إليه؛ يقولُ (تعالى): {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله}(8). ويندرجَ تحتَه الجهادُ بأمرِ نائبِ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف)، فساحاتُ الوغى تحتاجُ إلى إخلاصٍ، لا إلى إراءةِ الناس. وقد يندرجُ تحتَ الرياء في الجهاد، من يُجاهدُ فكريًا، فيتعلّمُ علومَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) الرئاسةِ، ويدحضُ الشبهاتِ بقصدِ الحصولِ على مدحِ الناسِ له، أو بقصدِ الحصولِ على منصب دنيوي معين. والمُفترضُ أنْ يكونَ بونٌ شاسعٌ بين المؤمن المُنتظِر وبينَ الرياءِ، فلنتأمل. ■ أسبابُ الرياء: أ- حُبُّ الجاه. ب- الاستجابةُ لتسويلاتِ الشيطان. ج- عدمُ فهمِ الإخلاصِ للهِ (سبحانه وتعالى). د- كثرةُ الحُجُبِ. هـ - مُعاشرةُ المُرائين. ■ علاماتُ المُرائـي: أ- ظاهرُه جميلٌ وباطنُه عليلٌ. ب- الكذبُ وعدمُ الأمانة. ج- يكسلُ مُنفردًا، وينشطُ مع الجماعة. د- يزيدُ في عملِه إذا اُثنيَ عليه، ويُنقِصُ منه إذا لم يُثنَ عليه. ■ علاج الرياء: 1/ الدُعاءُ بتركِ الرياء. فمن كانَ همُّه أنْ يكونَ من جُندِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) عليه أنْ يتخذَ من الدُعاءِ وسيلةً للتخلُّصِ من هذا الخُلُقِ واستبدالِه بالإخلاصِ للهِ الواحد الأحد. 2/ العلمُ بأنّ رضا الناسِ غايةٌ لا تُدركُ. والمؤمنون حقاً هم الذين لم يكترثوا لرضا الناس، بل باتَ همُّهم رضا ربِّهم ووليّه؛ ولو عن طريق إخفاء أعمالَهم، إذا لم يكن هناك داعٍ إلهي لإظهاره. 3/ الإخلاصُ في العملِ لله (سبحانه وتعالى). فعلى المؤمنِ المُنتظِرِ أنْ يعملَ على اجتثاثِ أصلِ الرياءِ من سلوكِه، لا سيما أنّ النفسَ تركنُ إلى حُبِّ الشُهرةِ والجاه. 4/ عدمُ الاهتمامِ لمدحِ الناس. فأصحابُ الإمامِ يعتقدون أنّ ما بهم من نعمةٍ فهي من اللهِ (تعالى)، ثم بفضلِ دعاءِ إمامِهم لهم. 5/ التردُّدُ على العُلماءِ ومُجالستِهم لاستلهامِ العِبَرِ والمواعظ. ففي ذلك إذابةٌ لأدرانِ الرياء؛ حيثُ الشعور بأنّ علمَ وعملَ العاملِ منّا قليلٌ جدًا قِبالَ علومِ وأعمالِ العلماءِ الخالص. 6/ دوامُ ذكرِ الموتِ. فالنفسُ تحتاجُ إلى تنبيهٍ يوقظُها من غفلتِها، ومنْ تذكُرَ الموتَ علِمَ أنّه والناسَ الذين يُرائي لهم إلى زوال. 7/ الابتعادُ عن المُرائين. فأصحابُ الإمامِ بعضُهم مرآةٌ لبعضٍ، وبكمالِ الأخلاق مُتصفون، ولأمثالهم مُصاحبون، وعن المُرائين مُبتعدون. 8/ مُراقبةُ النفسِ ومُحاسبتها. فمن راقبَ نفسَه وحاسبَها بصورةٍ دائمةٍ أمِنَ من الوقوعِ في شِراكِ الرياء، وهكذا هم أصحابُ الإمامِ وجهادهم النفسي. 9/ الاطلاعُ على صفاتِ أصحابِ الإمام. والدُعاء لأن يكون الفرد منهم. 10- التصنُّعُ بالتحلّي بالإخلاص إلى أنْ يُصبِحَ صفةً لصيقةً به. وذلك كتمرينٍ للنفسِ على التحلّي بما تفتقرُ إليه، مع الدُعاء بالإخلاص. ■ تبعـات الريـاء: 1/ ضلالُ العملِ وبُطلانُ الأجرِ، حيث رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ هَذَا لله، وَلا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ؛ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لله فَهُوَ لله، وَمَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلا يَصْعَدُ إِلَى الله"(9). فبالتالي كيفَ نتوقّعُ من المؤمنِ المُنتظِرِ لإمامِ زمانِه أنْ ينالَ شرفَ صُحبةِ قائمِ آلِ محمدٍ وعملُه مُحبطٌ؟! فلا تشريفَ له على غيرِه إنْ لم يكنْ له رصيدٌ من الأجرِ جراء أعمالِه. 2/ عدمُ استجابةِ دُعاءِ المُرائي، رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ، وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَتُهُمْ؛ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا، لا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَكُونُ دِينُهُمْ رِيَاءً، لا يُخَالِطُهُمْ خَوْفٌ، يَعُمُّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعَاءَ الْغَرِيقِ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ"(10). فليعلمْ كُلُّ مُرائي لم يتُبْ من ريائه أنْ لا مكانةَ له بينَ أصحابِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). وليُعجل بالتوبة. 3/ يذهبُ بأعمالِ المُرائي إلى سِجّين، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): إِنَّ الْمَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْد [المرائي]ِ مُبْتَهِجًا بِهِ فَإِذَا صَعِدَ بِحَسَنَاتِهِ يَقُولُ الله (عَزَّ وَجَلَّ): اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّايَ أَرَادَ بِهَا"(11). وحاشا أصحاب الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أنْ تكونَ أعمالُهم في سجّين -كتابٌ تُدوّنُ فيه أسماءُ أهلِ النار-، بل سيكونون كقائدِهم (عليه السلام) لا مسكنَ لهم إلا الجنة باستحقاقِ أعمالِهم. ■والخُلاصةُ: إنّ المُرائي كالتي نقضتْ غزلَها من بعد قوة أنكاثاً، إذ لا رصيدَ من الحسناتِ يبقى له، لأنّه قدّمَها للناس وليس لله (تعالى). وعلى المؤمن المُنتظِر أنْ يُدرِكَ أنّ إمامَ الزمانِ (عجل الله فرجه) ينتظرُ ممّن يرومُ التشرُّفَ بصُحبتِه أنْ تنكبَّ روحُهم على الإخلاصِ للهِ الواحد الأحد، والعملِ على تهذيبِ النفسِ أخلاقيًّا بعدم الانجرارِ وراءَ الرياء. اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ الْأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى شِيعَتِهِ الْمُنْتَجَبِينَ، وَبَلِّغْهُمْ مِنْ آمَالِهِمْ مَا يَأْمُلُونَ‏، وَاجْعَلْ ذَلِكَ مِنَّا خَالِصًا مِنْ كُلِّ شَكٍّ وَشُبْهَةٍ وَرِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ حَتَّى لاَ نُرِيدَ بِهِ غَيْرَكَ وَلاَ نَطْلُبَ بِهِ إِلاَّ وَجْهَكَ. ______________________ (١) سورة الماعون: ٦. (٢) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، باب الرياء، ح٣. (٣) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي قدس سره. (٤) معجم الجامع. (٥) الأخلاق من الأربعون حديثاً: للامام الخميني قدس سره. (٦) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني دام ظله، ج١، م٣٠. (7) سورة النساء: ٣٧-٣٨. (8) سورة الأنفال: ٤٧. (9) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، ح٢. (10) مصدر سابق، ح١٤. (11) مصدر سابق، ح٧. اللهمّ إنّي أعوذ بك أنْ تُحسِّنَ في لامعةِ العيون علانيّتي، أو تقبّحَ فيما اُبطِنُ لك سريرتي، مُحافظًا على رياءِ النّاسِ من نفسي بجميعِ ما أنتَ مُطّلِعٌ عليه منّي، فأُبدي للنّاسِ حُسنَ ظاهري، وأُفضي إليك بسوءِ عملي تقرّبًا إلى عبادِك، وتباعُدًا من مرضاتِك، يا أرحم الراحمين.

اخرى
منذ سنة
795

شيخُ الحيدريّة

شيخُ الحيدريّة بقلم: قوس السماء يدُ الموتِ العاجزة تصطحبُ الكافلَ نحو الجنّة وجهُ النبوّة ابتلَّ بالماء وعيونُ الإمامةِ كغيثٍ انهمرَ في غيرِ أوانِه لقد كشّرَ ثغرُ الحقدِ عن أنيابهِ وشمّرَ عن ساعديه لتمزيقِ قميصِ النبوّة لقد رحلَ الدرعُ الحصين ولغةُ الكسرِ تقودُ النبيّ إلى طريقٍ طويلِ الحزنِ عليُّ يبثُّ نبأ وجعِه إلى الرَّبّ فلُغةُ فقدِه للعمِّ الكافل لا يفقهُها إلّا الراسخون فيها لا أحدَ يُدرِكُ ما في قلبِه سوى الإلهِ ووصيّه صبرًا يا حبيبَ اللهِ فإنّكَ في عينِه في تلكَ الساعةِ لا يُجيدُ شيئًا سوى البُكاءِ فبكاؤه ليسَ بُكاءً عاديًّا، بل هو بكاءٌ بدموعِ الوَحدة لقد ذَوَتْ شمعةُ المُحامي في ريحِ الزمنِ الغادر يا تُرى، أيكتفي به الزمنُ ويقتنعُ، أم له رؤيةٌ أخرى تُبصِرُها أيامه القادمة؟! فنشيجُه نحوَ مقبرةِ الحجون يغسلُ وجهَ خطواتِه بماءِ الحزن وهو يحملُ شيخَ الحيدريةِ على أكتافِ صبرِه نحو الغياب في ذاتِه يرقدُ سيّدُ الأمان لن أسألَ عن حالِه وهو يغسلُ جبينَه بدموعِ الوداع قبيلَ لحظاتِ انهيالِ ذرّاتِ التراب على جسدِه الطاهر فقد كانَ وجعُه مقسومًا على اثنين وكسرُه ناتجَ قسمتِه من الزمان وهذا غسقُ الليالي المؤلمة ما عليه سوى أنْ يرتديَ ثوبَ الصبر ويُعرّي جسدَ الدهرِ الظالم وتمحو خيباتُه التي شقّتْ في روحِه الصابرةِ أقاصيها.

اخرى
منذ 9 أشهر
509

قصّتي مع المجالسِ الحسينيّة

بقلم: المستبصرة غفران سعد كلية الطب/ جامعة بغداد في ظلِّ مثلِ هذهِ الظروف من البلاء الذي حلَّ علينا مع كورونا -نسألُ اللهَ الفرجَ العاجلَ القريب بحقِّ حرمةِ أيامِ سيّدِ الشهداء (صلوات الله عليه)- ربما ستكونُ نسبةُ حضورِنا المجالس النسائية بنسبةٍ أقل، ونُحرَمُ من الكثيرِ منها، وستقلُّ أعدادُنا ونُحرَمُ من لقاءِ الكثير من الأحبّةِ الذين تعوّدْنا أنْ نراهم ونزدحم معهم كُلَّ عامٍ على المجالسِ الحسينية في مثلِ هذه الأيام؛ بسببِ الظروفِ الصحية، وتوصياتِ المراجعِ العظامِ بضرورةِ الالتزام بالإجراءات الوقائية الصارمة، أو قد أُحرَمُ منها أنا خصوصًا؛ بسبب ظروفٍ خاصة.. دفعتني الحسرةُ والألمُ والاشتياقُ ولهيبُ الفراق على أنْ أستذكِرَ قصتّي مع هذهِ المجالسِ المُقدّسة، كيف كانتْ؟ وكيف بدأتْ؟ وأين وصلت؟! وبعض المواقفِ التي حصلتْ معي فيها. قبل سنواتٍ كُنتُ كغيري من الناسِ البعيدين عن الوسطِ الشيعي والجاهلين به وبحقيقته، أعتقدُ أنَّ هذه المجالسَ كُلَّها كفرٌ وإشراكٌ، وأنَّ هذا النواحَ واللطم والعزاءَ هو سببُ كلّ بلاءٍ وغضبٍ وفقرٍ يحلُّ علينا! وأنَّ صاحبَه أصلًا لا يُريده، ولا يستفيدُ منه، بل لو رجعَ للحياة لقتلهم! كما قتلَ عليٌ ابنُ أبي طالب المُغالين فيه، وكُنتُ ادّعي أنني أحِبُّهُ وأعرفه أكثرَ منهم من دون هذا اللطمِ والبكاء! بالأخلاقِ والاقتداءِ والعمل فقط.. وكانتْ بنظري هذه المجالس مصدرًا للإزعاجِ، وتعطيلًا للحياة، ومزاحمةً وخرابًا، إضافةً إلى نظرةِ الانتقاصِ لمؤديها. منطقتُنا التي نسكنُ فيها شيعيّة، وكُلُّ سنةٍ تؤدّى فيها الشعائر؛ المواكبُ منصوبةٌ، والمجالسُ قائمةٌ، وزادُ أبي عبدِ الله (عليه السلام) في بيتِنا لا ينتهي حتى حلولِ شهرِ مُحرّم التالي! ووسطُنا في المدرسةِ والشارعِ والجيرانِ أغلبُه شيعيٌّ، وكانوا يدعوننا لحضورِ هذه المجالس، ولكنّي لا أحضر، أمي فقط كانتْ تحضر من بابِ التلبيةِ لدعواتِ صديقاتِها والجيران. لا تُغادرُ بالي صورتي وأنا واقفةٌ في يومٍ من الأيامِ لأمّي على بابِ المنزلِ؛ لأمنعها من حضور تلك المجالس، قائلةً: (لا تخرجي، فأنت ذاهبة لمكان كله كفر)! أولُ مجلسٍ حضرتُه من بابِ الفضول؛ لأطلع على ما يفعلون في هذهِ المجالس، ولأساعدَ صاحبته وهي مُدرِّسةٌ لي في الإعدادية، كان قلبي مُتعلِّقًا بها؛ فقد جذبتني بأخلاقِها والتزامِها وإخلاصِها في العمل، وعندما علمتُ أنّها شيعيةٌ صُدِمت! فحضرتُ المجلسَ وقدّمتُ لهم المساعدةَ في إعداد الشاي وتقديمهِ للمُعزّين، وتضييفهم حتى انتهى المجلس، لم أكنْ أعلمُ ساعتَها أنني أعِدُّ الزادَ لسفينةِ نجاتي التي أخذتْ بيدي للحقِّ، وأبصرتُ بها جانبَ النور! وقفتُ قليلًا على بابِ الغرفةِ التي فيها المجلس، أنظرُ تارةً إلى قارئة العزاء، وتارةً إلى المُعزّين وهم يلطمون ويبكون، أمسكتُ نفسي بصعوبةٍ عن التأثُّرِ بهم وعدم البكاء.. ولكن أخيرًا لم أتمالك نفسي عندَ تصويرِ حالةِ الخطابِ بين السيدة زينب والعباس (عليهما السلام)، وغربة الإمام الحُسين (عليه السلام)، ففاضت عينايَ بالدموع، ولم أكنْ أعلمُ أنَّ هذه الدموع ستغسلُ الغشاوةَ عن بصيرتي، وستُصيّرني في بضعِ سنينٍ من الذين يُصلّي عليهم اللهُ؛ لأنّهم من شيعة الحُسين الباكين. كالمغشي عليه من الموتِ، أختنقُ تارةً فأخرجُ من المنزل لباحتِه، حتى لا أتحمّل إثمَ هذا الكفرِ والغضبِ الإلهي الذي سيحلُّ علينا في الداخل بسببِ أفعالهم، وبنفسِ الوقتِ ثمةَ نور في الداخلِ يجذبُني؛ لأعود تارةً أخرى، فأقفُ على البابِ، وأستمع للنعي، وأنظر ماذا يفعلون. كنتُ أنظرُ إلى مُدرِّستي وأراها بحالةٍ عجيبة، تبكي وتلطمُ وفي عالمٍ آخر، أُكذِّبُ الكونَ كُلَّه ولا أُكذِّبُها فيما تفعلُ وتعتقدُ ولا أشكُّ في صدقِها قيدَ أنمُلة. مضت أيامُ هذا المجلس، وأنا بين المُصدِّقةِ لقلبي ونفسي وروحي فيما حصدتُه منه، وبين المُكذِّبةِ المُعانِدة المُنغلِقة على أفكارها المُتمسكة بما وجدت عليه آباءها... مضتِ الأيامُ وانقضت، ومُحرّمُ التالي ليس كما قبله؛ فلم أقفْ لأمّي على البابِ؛ لأمنعها من الذهاب للمجلس، بل كانت في نفسي راغبةٌ في أن أذهب! لم أمنعْها من لبسِ السواد تماشيًا مع أهواءِ منطقتِنا، ولم أُطفئُ التلفازَ عن صوتِ القصيدةِ الحسينية التي تظهرُ صدفة... لم أستهزئُ باللطم... ولم أنطقْ عبارات التكفير والاتهام بالشرك من دون دليلٍ ومعرفة. لم أتذمّرْ من صوتِ الموكب! بل أظهرتُ عدمَ الرضا على أفعالِ أهلي في البيتِ من الاستهزاءِ بالقصيدةِ التي ظهرت، وطلبتُ منهم أنْ يكتفوا بخفضِ الصوت! وقمتُ بتسجيل فيديو لأختي الصغيرة، وهي تلطمُ على قصيدةِ "براءة العشق"! وحزَّ في نفسي بهذا العام أنَّ مدرستي لم تدعُني إلى مجلسِها؛ احترامًا لمشاعري أو لنقُل لتُجنبني الإحراج؛ لاختلاف اعتقادي وأفكاري! وشعرتُ بداخلي أنّني حُرِمتُ، وتمتمتُ في نفسي: نحنُ أيضًا نُحِبُّ الحُسين (عليه السلام) ونرغبُ بحضور مجلسه. ومضتِ الأيامُ ولم يكنْ شيء كما كان! الباطِنُ يُنذِرُ بتغيير، والأفكارُ بدأتْ تتضاربُ وتتحرّكُ وتبحثُ عن الأجوبةِ والحلول، إلى أنْ أذِنَ اللهُ (تعالى) واُتيحتِ الفرصة؛ ولأنني أعلمُ أنّ فرصَ الخيرِ تمرُّ مرَّ السحاب، تحمّلتُ كُلَّ شيءٍ وانتهزتُها.. فرصةُ أنَّ هناك مَن يُجيبُني عن كُلِّ أسئلتي ونقاشاتي، مَن يُعينني على معرفةِ الحقِّ والحقيقة، فرصةُ أنْ أخضعَ لما يتوضَّحُ لي من الحقِّ في أمرِ الدين، وأطبِّقُه وأعملُ به.. والحمدُ لله أنّني لم أُقصِّرْ في ذلك، وشكرتُ النعمةَ حقَّ شُكرِها، حتى وفّقَني الله (تبارك وتعالى) والتزمتُ بطريقِ المعرفةِ وطلبِ الحقِّ حتى آخرِ الأنفاس! وحتى وصلتُ لما وصلتُ له من العقيدةِ والولاءِ لأهلِ بيت محمّدٍ (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).. إلى أنْ جاء مُحرّمُ بعدَ سنتين وبدأتُ أحضرُ المجالسَ وأنا بعقيدةٍ جديدةٍ وفكرٍ جديد. كان أولُ محرّمٍ لي هو مُحرّم التعرُّفِ والمعرفةِ، أقرأُ ما جرى في كربلاء وأعيشُه في المجالس، وبنفسِ الوقتِ أبحثُ عن أجوبةٍ عقائدية: لِمَ البُكاء؟ لِمَ اللطم؟ لِمَ العزاء؟! وعندما أحصلُ على الجواب أطبِّق.. لا يملكُ الإنسانُ السببَ حتى يبكي عندما يسمعُ المقتلَ والرثاء، لكنّه قد يُمسِكُ نفسَه عن اللطمِ إنْ لم يكنْ مقتنعًا بذلك! وأنا في أولِ مجالس حضرتُها حاولتُ ذلك؛ لأنني لم أكن قد وصلتُ إلى قناعةٍ وحجةٍ أنَّ اللطمَ جائزٌ بعد، ولم أُكمِلْ هذا الـ chapter من الكتابِ بعد! حيثُ كُنتُ مُعتادةً أنْ أقرأ كُلَّ شيءٍ على مهلٍ وأبحثُ عنه وأسأل، وعندما أقتنعُ أطبِّقُ على الفور! فـ"من عمِلَ بما يعلمُ علّمَه اللهُ ما لم يعلمْ!". كانت هذه الرواية وتطبيقُها مصدرَ كُلِّ التوفيقات في حياتي وسببَ سرعتي في الوصول.. ومع ذلك لم أكنْ أصمدُ في المجالسِ حتى أنتهي من قراءةِ البحثِ لألطمَ على مصائبِ الحُسين! وكان هذا الردُّ عفويًا: "الما يلطم على احسين مو شيعي يسمونه" سمعتُ هذهِ العبارةَ بأحدِ المجالس، فقمت باللاوعي باللطمِ معهم، وفتّتَتِ المعرفةُ المكتومةُ في باطني للحُسين كُلَّ هذا العناد وأزالتْ عمى البصيرة.. فعُلِّمتُ ما لم أعلمْ حينَها وقمتُ لألطمَ عن معرفةٍ وعقيدةٍ ووعيٍ وقناعةٍ وعاطفةٍ ووجدان.. صرختُ بداخلي: "كيف لا أُعتبَرُ شيعيةً وأنا كُلُّ ذرةٍ من ذراتِ وجودي تصرخُ: أشهدُ أنَّ عليًّا ولي الله"؟! بعدئذٍ ما إنْ سمعتُ نفسَ هذه العبارة على قناة كربلاء، في يوم العاشر، حتى بدأتُ باللطمِ معهم.. كنتُ عندما أحضرُ المجالسَ لا أعرف كيف ألطم، فأنظرُ إليهم وأتعلمُ منهم.. والشيءُ الوحيدُ الذي كنتُ أُجيدُه هو البكاء، والبكاءُ بصمتٍ وهدوءٍ لا يُسمَعُ لي فيه أي صوت! أولُ المجالسِ التي كُنتُ أحضرُها، كانت قارئة العزاء بعد الانتهاءِ كُلَّ مرةٍ تُناديني، وتسألُ عني وتتعرفُ عليّ: (من هذه الفتاة التي تبكي بحرقة مع هدوء؟) فتنتبهُ إليَّ جميعُ من في المجلسِ دون أنْ أشعر، ويغبِطنني قائلاتٍ: هنيئًا لكِ، وأمّا قارئة العزاء فكانت تدعو لي بالتوفيق والثبات وتُهنئني، وهي لا تعلمُ بقصتي أصلًا ولا تعرفني من أنا! كُنتُ أشعرُ أنَّ هذه المواقف من تدبيرِ يدِ الغيب، وأنَّها أمارةُ قبولٍ تشدُّ الأزرَ وتثبتني على هذا الصراط، كُنتُ أشعر أنّها علامةُ القبول من الزهراء (صلوات الله عليها) لهذه التعزية والمواساة؛ لأنّني كنتُ أقرأُ حينَها أنَّها (صلوات الله عليها) تحضرُ وتفعلُ ذلك... وبعدَ كُلِّ مجلسٍ أحضره يتكرّرُ هذا الشعور، حتى صرتُ معروفةً به، وجيراننا في كُلِّ مرةٍ يطلبونَ حضوري بالخصوص، وإذا كانتْ أمّي لا تستطيعُ الحضور فيأتونَ هم ويأخذونني معهم! والبعض منهم يأتي ويجلسُ بجانبي، مُعللين ذلك بقولهم: "الزهراء تحضر عندك!"، وفي كُلِّ مرةٍ يأتونَ لدعوتِنا يقولون لأهلي: "وغفران هل تأتي" فضلُ هذه المنطقة والجيران عليّ عظيمٌ، وحتى مجالسهم وناسهم، وعلى الرغمِ من السلبيات التي توجد لكن لهم عظيمَ الأثرِ في طريق تكاملي وتعلَّمْتُ منهم الكثير وأهمها الولاء. حتى أنّهم عندما يأتون بـ(الثواب والتوزيعات)، فإنَّ لي عندهم الحصة الخاصة، وأحيانًا يخصونني بحصةٍ مماثلة لحصةِ أهلي أجمعهم قائلين: "هذه لغفران فقط" ولأننا لا نخرج في منطقتنا كثيرًا، ولا تربطني بالجيران علاقة غير المجالس، فإنّهم يأتون في المناسبات والأعياد ويُسلِّمون عليّ، ويخصونني بالمعايدة، كما واسوني بطريقةٍ عجيبة، وأخذوا بيدي دون شعورٍ وعلموني الكثير واستفدت منهم، رغم لقاءاتنا القليلة، وهذه المعنويات يحتاجُها كُلُّ شخصٍ في بدايةِ طريقه.. في أولِ زيارةِ أربعين لي في العام نفسه، كانتْ موافقةُ أهلي مستحيلةً؛ فالزيارةُ والمشي والمبيتُ خارج البيت بمثل هكذا أماكن لا توجد في قاموسنا.. فبقيتُ أيامًا أبكي وأتحسّرُ وتقطّع قلبي أوصالًا، رغم أنَّ الحُسينَ (عليه السلام) أعطاني إشارةَ المواساةِ والقبولِ ولكنَّ القلبَ لا يقتنع.. فوقفوا معي حتى أنَّ جارتنا قالت: لن أذهبَ هذهِ السنةَ للأربعينيةِ إلا وغفرانُ معنا! ولأنًّ والدهم صديقُ والدي، فقد استجاب لطلبهم ووافق حياءً منهم، فذهبنا أنا وأمّي معهم.. وبعد ذلك صارت سُنّةً في أغلبِ الأحيان؛ تتسابق عليها أمّي -إنْ هداها اللهُ- قبلَ أنْ أطلب منها إنْ كانتْ الظروفُ مناسبةً.. وفي إحدى السنوات -وكانت هذه السنة الوحيدة التي خرجت فيها لمجالس في ليلة العاشر- طرقت جارتنا بابنا وقالت: "أأتوا غفران معنا لتحج"، فأخذتني معها، وذهبنا مع (قارئة العزاء) لكُلِّ المجالس التي تُقيمها في المنطقة حتى الفجر، وهي التي يسمونها "الحجة". عندَ عودتِنا للمنزل، وقريبًا من وقتِ صلاة الفجر، وأنا أسيرُ معهم في الشارع المظلم لوحدنا، وضعت طرف حجابها على وجهها وقالت: ليت عيني تعمى لأجلك مولاتي يا زينب، كيف تحملت كل أنواع الغربة والسبي والظلم والظلام!... وأجهش الجميعُ بالبكاء وأبكوني معهم. أمّا أنا وخصوص مجالس العباس (عليه السلام) فهي قصة خاصة؛ فمن فروضي أنْ أحضرَ مجلسًا في ليلته كل عام، حتى وإنْ لم يدعنا أحدٌ، فإنّي أبحثُ عن مجلسه وأذهبُ دون دعوة! وكم أتفاعل مع (قارئة العزاء) التي تأتي العزاء بالرايات والأهازيج العباسية، وقصائد الحماس، ومن ثم العتاب بين الإخوة، والحوار بينه وبين زينبه (صلوات الله عليهما)، وكذلك كيف أن استشهاده كسر ظهر أخيه الحسين (عليه السلام)، كُلُّ ذلك ألوانُ عشقٍ ومواساةٍ لا تُترجَمُ إلا بحرِّ الدموع ولطمِ الصدور! فكيف بالصبرِ على الفراق؟! أمّا ازدحامُ المجالسِ والصلوات فهذه قصةٌ أخرى، كُلّما يزدادُ عددُ الحضور ترتفعُ الصلوات ليتوسَّعَ المجلس! وبالفعلِ يتوسعُ لأضعافه! وعبارةُ (الزهراء توسِّعُ المجلس) لا تُفارقُ ألسنتهم.. أمّا أنا فلو بقيتْ لي زاويةٌ تكفي لإصبع فقط فإنّي أحشرُ نفسي فيها، وأوسِّعُ المجلس، ولا يهمني، وأنظرُ عليهم جميعًا كأنّهم معجزة؛ فرؤيتهم وهم يتوافدون ويتحاورون ويتواسون، بل حتى حديثهم العادي، يُبكيني، فأُردِّدُ: لبيكَ يا حُسين. لا أنسى نظراتِ صاحبةِ إحدى المجالس، عندما تأخرتِ (قارئة العزاء) عن مجلسها لفترةٍ طويلةٍ، فاضطروا لتبديلها لظرفٍ طارئ، فإنّها لم تُبقِ شيئًا في منزلِها لم تُخرِجْه لنا وتُضيّفنا به، وكُلّما غادر أحدٌ المجلسَ بسببِ طولِ الانتظارِ فإنَّ دموعها تنهمرُ على خديها، وكأنّها تتوسلُ بالمعزين قائلةً: (أرجوكم انتظروا قليلاً لتواسوا الزهراء) وهي تبكي وأنا أبكي معها، ملتمسةً منهم الانتظار. من عادتي أنني لا أتذمرُ مُطلقًا بسبب التأخير في المجالس، بل أنتظر ولو لساعات، واستثمرُ الوقتَ بما يُعينني على الخشوع وحضور القلب والتأمُّل في المُعزّين والتعلُّم منهم ومن كلامهم وعاداتهم وتصرفاتهم، حتى أنَّ أُمّي أحيانًا تتركني وتذهب، وأنا أواصلُ الانتظار، ولا أخرجُ إلا بعد أن ينتهي المجلس. لا يفرقُ عندي إنْ كان المجلسُ فيه محاضرةٌ دينيةٌ أو مجلسُ عزاءٍ فقط، ولا أُحِبُّ أنْ أنتقيَ المجالس، فإنْ حدَّثتني نفسي بالانتقاء ألومها؛ فالحُسينُ عَبرةٌ وعِبرةٌ، والعزاءُ في أيامِ المحرّمِ هو الأساسُ والمُنطلقُ والشعارُ كما قال مرجعُنا الأعلى. روحي دائمًا تتعلقُ بالبيتِ الذي أحضرُ مجلسَه، وأشعر انّي لا أرغب بأنْ أُفارقَ المجلسَ، حتى أُكمِلَ كُلَّ دعواتي وطقوسي، وجولتي على الصورِ والراياتِ المُعلّقة عليه لأمسح بها وجهي ودموعي.. وكم أحرصُ على أنْ أساهمَ في تنظيفِ المحلِّ الذي يُقامُ فيه المجلسُ بعد انتهائه، فأحمل ما يُمكنني حمله مما تركه المعزون، وأتمنى لو يمكنني البقاء لانتهاء كل التنظيف. كانتْ مُدرِّستي دائمًا ما تمنحني هذه الفرصة؛ لأنال هذا الشرف العظيم، وأخدم ولو بالشيء القليل أبا عبد الله (عليه السلام) ومُعزيه ومجلسه، كنتُ أذهبُ معها قبلَ الجميع وأمدُّ لها يد العون، وبعدَ انتهاء المجلس أبقى معها؛ لننظف المكان معًا.. وقد دفعني حبي للمجالس الحسينية إلى أن أتمسك بمنطقتي التي أسكنها، حتى أنّ أهلي كُلّما كانوا يتناقشون في موضوعِ تركِ المنطقة وشراء بيتٍ في مكانٍ آخر، كُنتُ أولَ من يعترض، ولا أقبلُ بذلك أبدًا ولا أرضى؛ خوفًا من أنْ أُحرَمَ من هذهِ المجالسِ ومن الشعائر ومن رؤيةِ هذه المواكب وحتى زاد أبي عبد الله (عليه السلام). كما لا أقوى على فراق هؤلاءِ الموالين الذين بفضلِهم تعلّمْتُ بعضَ أبجدياتِ الولاء، وكيفَ يُطبَّقُ الولاء والمحبة والعقيدة في الواقع، وكيف تكونُ حياةُ الموالين، ولو كان اللقاءُ والاجتماعُ لدقائقَ قليلةٍ. كُنتُ وما زلتُ دائمًا أحلمُ وأخطِّطُ لليومِ الذي سيكونُ لي بيتي الخاص، وأقيم فيه مجالس العزاء، ومجالس مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وأخدم فيه شيعتهم ومُعزيهم.. هذه المجالسُ كانتْ وسيلتي الوحيدة للصلةِ الواقعيةِ مع أهلِ البيت (صلوات الله عليهم) ومناسبتهم ومواساتهم، والنهل من فيوضاتهم المعنوية والروحية في ظلِّ حرماني من الزياراتِ والغربة.. ثم حلَّتْ علينا كورونا ضيفةً ثقيلةً، وجُلّ ما أخشاهُ أنْ تحرمني حتى من هذه المجالس، فلله (تعالى) الأمر وله حكمةٌ هو بالغها، وللحُسين (عليه السلام) نشكو الحال، وضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها، ستُفرجُ وكنتُ أظُنُّها لا تُفرجُ. كنتُ أحترقُ من الداخل وأنا أزورُ عن بُعد، أو أسجل اسمي في زيارةِ الإنابة، والآنَ كيف بي وأنا أحضر المجالس عن بعد؟! لكنّما هو اختبارٌ جديد، ومحكٌ جديد، وللولاء تعبيراتٌ وآفاقٌ عجيبةٌ، كما قالت المرجعية العليا.. لوهلةٍ كنتُ أظنُّ نفسي العالمةَ العارفةَ بأهلِ الخدمةِ والولاءِ والمواكبِ والشعائرِ والمجالسِ، المُحسِنةَ التعامُلَ والفهمَ والتعبيرَ، المُطلعةَ على فيضِ القلوبِ وصفائها ونقائها وصدقها، المؤمنةَ بكلامِ العقيلةِ زينب (عليها السلام) عندما صدَحَتْ بالوعدِ الإلهي ببقاءِ هذه الشعائر أثرًا لا يُدرَسُ على كرورِ الليالي والأيام.. وبدأتُ أقولُ: الأمرُ مع كورونا مستحيلٌ مستحيلٌ، فكيف بنا؟! وإذا بهم يُفاجئوننا، ويُبدعون من جديد، وتظهرُ آفاقُ خدمتِهم وتمسُكِهِم بشعائرهم وعشقهم للحُسين (عليه السلام) من عجائبِ الدنيا، ويبقى هذا السِرُّ يُحيّرُ العقولَ والأفهام؟! وحتى صدمني أحدُ كبارِ علماءِ الحوزة وأساتذتها بعبارةٍ وقفتُ مُتحيّرةً أمامَها لساعاتٍ، في أيّ عقلٍ أحملها؟ وبأيّ قلبٍ أحتويها؟ وعلى أيّ صفحةٍ في روحي أكتبها؟ كي لا أنسى هذا الدرسَ الجديدَ في الولاءِ والعزاءِ والإحياء الذي تعلّمته.. السيدُ الأشكوري، أستاذٌ بحجمه الكبير في الحوزة العلمية، يتحدثُ عن خَدَمَةِ الإمام الحسين (عليه السلام) قائلًا: قولوا للخدام: أنتم أخذتم بيدنا إلى هذا المنهج، وطريق الخدمة الحسينية والمأتم، والآن أنتم على المحك وفي تحدٍ جديد. الله أكبر! كما تعلّمتُ وصبرتُ لسنواتٍ وسأظلُّ أصبرُ حتى يعجز الصبرُ عن صبري، وينظرُ الرحمن في أمري.. سيبقى أهمُّ ما عندي أنْ أرى المجالسَ والشعائرَ والزيارات تُقامُ وبأروعِ صورةٍ تعكسُ للعالمِ من هُم شيعةُ الحُسين وعُشّاقه ومُحبوه وخُدّامه. هم الملتزمون بتوصيات مراجعهم العظام التي تعكسُ تعاليمَ الدين الإسلامي الحنيف، سواء أكنت من الحاضرين أم لا. عظّمَ اللهُ أجوركم وأحسنَ عزاءكم بمصابنا بأبي عبد الله الحُسين (عليه السلام)، وجعلنا الله وإيّاكم من الطالبين بثأرهم مع الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

اخرى
منذ سنتين
2088

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
144334

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
130030

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
85379

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
79116

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77747

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
72989