تشغيل الوضع الليلي

مُقارباتُ التشابُهِ بتشخيصِ إمام(9)

منذ سنة عدد المشاهدات : 1065

(بينَ الإمامِ الحُجّةِ وأنبياءَ خمسة)
بقلم: فاطمة الركابي

المبحث الخامس: مُقارباتٌ بينَ المُصطفى (صلى الله عليه وآله) والإمامِ المهدي (عليه السلام)
رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) في حديثِ ابن عباس: «... ومهدي أُمّتي، أشبهُ النّاسِ بي في شمائله، وأقواله وأفعاله»، وفي حديثٍ آخر أنّه قال: «أشبهُ النّاسِ بي خَلْقا وخُلُقا»(1)
وهُنا سنوردُ مجموعةَ مُقارباتٍ توافِقُ ما وردَ في هذا الحديث:
الوجه الأول: شَبَهُ الاسم
رويَ عن رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّ لي أسماء: أنا مُحمّدٌ، وأنا أحمدُ»(2)، ورويَ عن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّه قال: «الخَلَفُ الصالحُ من ولدي وهو المهدي، اسمُه مُحمّدٌ وكُنيتُه أبو القاسم، يخرجُ في آخرِ الزمان»(3).
وما وردَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «يخرجُ رجلٌ من ولدي في آخرِ الزمان - إلى أنْ يقول - له اسمانِ اسمٌ يخفى، واسمٌ يُعلَنُ، فأمّا الذي يخفى فأحمد»(4).
الوجه الثاني: كونُه الختامَ
النبيُّ الأعظمُ (صلى الله عليه وآله) هو خاتمُ الأنبياء، كما هو صريح القرآن الكريم.
والإمامُ الحُجّةُ (عجّل الله فرجه) هو خاتمُ الحُجَجِ، فقد رويَ عن أميرِ البلاغة: «يا كُميل ما مِنْ علمٍ إلا وأنا أفتحُه، وما مِنْ سِرٍّ إلا والقائمُ (عليه السلام) يختمُه»(6)، ورويَ عنه (عجّل الله فرجه): «أنا خاتمُ الأوصياء،»(7).
الوجهُ الثالث: الشِدّةُ واللين، كُلٌّ في موضعها
قال (تعالى): "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ..."(الفتح: 29).
وهكذا إمامُنا الحُجّةُ (عجّل الله فرجه) هو شديدٌ مع الكفرةِ الفجرةِ قاصمُ شوكةِ أهلِ النفاق، وقاطعُ دابرِ الكُفّار، وبذاتِ الوقتِ هو ليّنٌ رحيمٌ رؤوفٌ بالمؤمنين، كما نقرأُ في دُعاءِ الندبة: "أَيْنَ مُعِزُّ الأَوْلِياءِ وَمُذِلُّ الأَعْداءِ؟...أَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ المُعْتَدِينَ؟ أَيْنَ هادِمُ أَبْنِيَةِ الشِرْكِ وَالنِّفاقِ؟ أَيْنَ مُبِيدُ أَهْلِ الفُسُوقِ وَالعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ؟"(٨).
الوجهُ الرابع: القيامُ بأمرٍ جديد
رويَ عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قالَ: «إنَّ قائمَنا إذا قامَ دعا الناسَ إلى أمرٍ جديدٍ كما دعا إليه رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وإنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ، فطوبى للغُرَباء»(9)
إنَّ مجيءَ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانَ في زمنِ الجاهلية؛ لذا كانَ ما دعاهم إليه إنّما هو أمرٌ جديدٌ عليهم ولم يعهدوه، ولكن بعد رحيلِه وعروجِ روحِه (صلى الله عليه وآله) إلى العليّ الأعلى، وما أحدثَتْه أُمّته من انقلابٍ ونقضٍ للمواثيقِ والعهودِ طمستْ الكثير من آثار دينِ الله (تعالى)، وبدّلتْ سُنَنه، وحرّفتْ شريعتَه، فاندثرتْ آثارُه في نفوسِ عمومِ المسلمين، لذا عندما يظهرُ الإمامُ (عجّل اللهُ فرجه) فإنّه سيُزيلُ هذا الستارَ ليعودَ غضًّا جديدًا تحيا وفقَه البشرية، وتظهرُ آثارُه فيهم جليّة، وهذا ما نقرأه في دُعاءِ الندبة: "أَيْنَ المُدَّخَرُ لِتَجْدِيدِ الفَرائِضِ وَالسُّنَنِ؟ أَيْنَ المُتَخَيَّرُ لإعادَةِ المِلَّةِ وَالشَّرِيعَةِ؟ أَيْنَ المُؤَمَّلُ لإحْياءِ الكِتابِ وَحُدُودِهِ؟ أَيْنَ مُحْيِي مَعالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ؟"(10)، فهو المُدّخرُ والمُرتجى لهذا الجديدِ القديمِ الذي لم يُعمَلْ به كما ينبغي.
الوجهُ الخامس: إحياءُ الأرض وأهلها
قال (تعالى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الانفال:24).
فهم كانوا أحياءَ ويمشونَ على الأرض، ولكنّ الاستجابةَ لدعوةِ النبي ودخولَ الإيمانِ للقلبِ هو ما يوصِلُ إلى حقيقةِ الحياة، حيث تروي الروحَ الصحراويةَ الجرداء، وتُحيي النفوسَ الميتةَ عن ذكرِ خالقِها.
قال (تعالى): "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"(الحديد:17) وفي ذلك جاء: «يعني يُصلِحُ اللهُ الأرضَ بقائمِ آلِ مُحمّدٍ (صلى الله عليه وآله) بعدَ موتها، يعني من بعدِ جورِ أهلِ مملكتِها "قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ"، بقائمِ آلِ مُحمّدٍ "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"»(11). وكما نقرأُ في دُعاءِ النُدبة: "أَيْنَ مُحْيِي مَعالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ؟"(12)
فحقيقةُ حياةِ الأرضِ بمدى حياةِ قلوبِ ساكنيها، فإنْ حَيُوا وصَلُحوا حيِيَتْ وطابتْ وصَلُحتِ الأرضُ التي يمكثون عليها.
الوجهُ السادس: السماعُ والطاعة
قال (تعالى): "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا..."(التغابن: 16)، ففي هذه الآية –كما وردَ في التفاسير- إشارةٌ لوجوبِ السماعِ والطاعةِ للنبي (صلى الله عليه وآله).
ورويَ عن أبي حمزة، قالَ: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام): «ما حقُّ الإمامِ على الناس؟ قالَ (عليه السلام): حقُّه عليهم أنْ يسمعوا له ويُطيعوا»(13).

الوجهُ السابع: وجودُه أمانٌ
قال (تعالى): "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ..."(الأنفال :33).
وهذا ما يؤكِّدُه ما وردَ في إحدى توقيعاته (عجّل الله فرجه): «إنّا غيرُ مُهملين لمُراعاتِكم، ولا ناسينَ لذكرِكم، ولولا ذلك لنزلَ بكم اللئواء، واصطلمكم الأعداء..»(14).
وقوله (عجّل الله فرجه): «وبي يدفعُ اللهُ (عزّ وجل) البلاءَ عن أهلي وشيعتي»(15).
وممّا وردَ عنه (عجّل الله فرجه) أنّه قال: «إِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ»(16).
الوجهُ الثامن: إحياءُ معالمِ الدّين الإنسانية
فيما قاله النبيُّ (صلى الله عليه وآله) عن غايةِ بعثتِه: «إنّما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق»(17).
يُذكَرُ هُنا معنى عميقٌ حولَ المقصدِ من (الإتمام) وهو: أنْ يكونَ المُجتمعُ ذا أخلاقٍ بصبغةٍ إلهية، فكما نعلمُ أنّ كُلَّ إنسانٍ فيه القيمُ الأخلاقيةُ مغروسةٌ، وقد يُظهِرُها في سلوكه، فالبعضُ تجدُه ممّن يتجنّبُ أذى الآخرين؛ لأنّه بفطرتِه لا يُحِبُّ أنْ يُوقِعَ نفسَه في مشاكل، أو أنّه مشغولٌ ولا وقتَ عندَه لخوضِ صراعٍ مع الآخر، فهذا ذو خُلُقٍ، لكن ليس بمعنى الخُلُقِ الإلهي التام. أيّ إنّ النبي (صلى الله عليه واله) من مقاصدِ بعثتِه أنّه أتى ليُتمِّمَ هذا النوعَ من الأخلاقِ أي لتُصبِحَ أخلاقُ الإنسانِ ذاتَ نيّةٍ إلهية، ويكونَ المقصدُ من وراءِ سلوكه الأخلاقي طلبَ مرضاةِ الربِّ الذي يوحِّدُه؛ فهو لا يؤذي أحدًا؛ لأنّ اللهَ (تعالى) لا يُحِبُّ المُعتدين، وهكذا في بقيةِ سلوكياتِه الأخلاقية الأُخرى.
فهناكَ فرقٌ بَينَ من تكونُ نيّتُه في سلوكٍ ما لأجلِ مرضاةِ اللهِ (تعالى)، وبَين مَنْ تكونُ سلوكياتِه بلا نيّةٍ أو لأجلِ راحةِ نفسِه هو؛ فالأولى فيها (ثوابٌ) في الآخرة و(أثرٌ) في الدنيا، أمّا الثانيةُ ففيها فقط (أثرٌ) على مُستوى سلامةِ العلاقاتِ في الدُنيا.
كما وإنّ لتمامِ الأخلاقِ ترجمانًا وهو تمامَ الدين، وكما وردَ "إنّما الدّينُ مُعاملة"، أيّ لكونِ أصلِ بعثةِ النبي (صلى الله عليه وآله) هو لجعلِ الصبغةِ الإلهيةِ هي السمةَ الأبرزَ والأظهرَ في سلوكِ المُجتمعِ البشري، حيثُ لا تشوبُه شائبةٌ، ولا تُخِلُّ به عائبة.
وهذا ذاتُه ما سيكونُ عليه المُجتمعُ في زمنِ الظهور؛ إذ إنَّ أبرزَ سمةٍ لمن يرِثُ الأرضَ وما عليها أنّهم عبادٌ صالحون، كما قال (تعالى): "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"( الانبياء:105)؛ فلا انفكاكَ بينَ العبادةِ والصلاح، فكُلُّ تَعبُّدٍ للهِ (تعالى) بالجوارحِ من دونِ قصدِ الجوانح، وكُلُّ تعبُّدٍ للهِ (تعالى) لم يترتبْ عليها أثرُ حُسنِ المعاملةِ مع العبادِ فهي عبادةٌ، لكن لا تكونُ تامةً، إذا لم تُرتِّبْ أثرًا على السلوكِ الإنساني للمُتعبِّدِ كما يُحِبُّ ويرضى المعبود.
بالنتيجةِ كما أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) بُعِثَ لتمامِ مكارمِ الأخلاق، فإنَّ إمامَنا الحُجّةَ (عجّل الله فرجه) سيُبعَثُ ليُظهِرَها في المُجتمعِ فيُتِمُّ بذاك غايةَ بعثةِ النبيّ الأعظم، وجدّهِ الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه وآله).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مكيال المكارم ميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج ١، ص ٦٥.
(2) مجمع البيان للطبرسي: ج٩، ص٤٢٠.
(3) غاية المرام السيد هاشم البحراني: ج٧، ص١٠٦.
(4) تفسير القمي الشيخ القمي: ج٢، ص٤٣١.
(6) مكيال المكارم ميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج١، ص ٧٧.
(7) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٤٤١.
(8) مفاتيح الجنان الشيخ القمي: ص٥٩١
(9) بحار الأنوار العلامة المجلسي:ج٢٩، ص٢٢٤، ح٢٣، الباب٢٥: علامات ظهوره(ع) من السفياني والدجال وغير ذلك وفيه ذكر بعض أشراط الساعة.
(10) مفاتيح الجنان الشيخ القمي: ص ٥٩٠.
(11) كتاب الغيبة محمد بن إبراهيم النعماني:ج١، ص٣٣٤.
(12) مفاتيح الجنان الشيخ القمي: ص ٥٩٠.
(13) مكيال المكارم ميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج١، ص٤٢.
(14) مكيال المكارم ميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج١، ص٦٥.
(15) بحار الأنوار العلامة المجلسي:ج٥٢، ص٣٠، ح٧، الباب الثامن والعشرون: ما يكون عند ظهوره عليه السلام برواية المفضل بن عمر. (16) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق:ج٢، ص٤٨٣.
(17) ميزان الحكمة محمد الريشهري: ج١، ص٨٠.

اخترنا لكم

أختي الزينبية: حجابُكِ تجسيدٌ لولائكِ زيارة الأربعين نموذجاً.

لم يُفرض الحجاب على المرأة المسلمة إنقاصا من كرامتها أو للحط من شأنها بل فُرِضَ تكريما لها وإعلاءً لقيمتها بل وحمايةً لها من النفوس الدنيئة ووقايةً لها من الوقوع في الرذيلة، بالإضافة إلى صيانة عفاف المجتمع وطهارته. كما أنه لم يفرض على المرأة لتُحجب عن الحياة أو لتُمنع من ممارسة حقوقها أو ليُحال دون قيامها بواجباتها أو بما ترغب من المباحات فضلاً عن المستحبات.. وإذا كان الحجاب واجباً على المرأة في كل زمان ومكان وينبغي أن تتمسك به وأن تؤديه بأكمل وجه، فإن هناك أمكنة لها قدسية، وأزمنة لها خصوصية يتأكد فيها التشديد في مراعاة الحجاب وبكلا قسميه الظاهري والباطني. ونقصد بالحجاب الظاهري حجب المرأة لمفاتنها عن الناظر الأجنبي سواء كانت مفاتن جسمية كالمفاتن المعروفة في جسم المرأة أو مفاتن سلوكية كطريقة المشي والجلوس والكلام وما إلى ذلك، وأما الحجاب الباطني فهو حجابٌ للروح عن كل ما من شأنه أن يدنس عفة المرأة أو يمس طهارتها من قبيل النظر المحرم وما شابه ذلك.. وبذلك يكون حجاب المرأة متكاملاً... ومن الأزمنة التي لابد للمرأة فيها أن تشدد من مراعاتها للحجاب الشرعي بكل تفاصيله هو موسم زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، ومما يضيف إلى هذا الزمان خصوصية أخرى هو قداسة المكان الذي يُتوجه إليه في هذه الزيارة وهو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، كما إن طهر وعفاف أولى زائراتٍ للإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين لاسيما عقيلة الطالبيين (عليها السلام) له خصوصية كبرى في نفوس الزينبيات حيث يستلهمن منه ضرورة الاقتداء ببنت سيدة النساء في كل خطوة يخطينها في السير إلى الامام الحسين (عليه السلام). ولأن المرأة لا يمكن لها أن تفكر بالتبرج والظهور بأبهى حُلّة وأجمل مظهر إلا في حال انبساطها وسرورها غالباً؛ بخلاف الحزن الذي تنشغل فيه عادةً عن الالتفات إلى مثل هذه الأمور، كان للمسير إلى الامام الحسين (عليه السلام) خصوصية أخرى تحتم على المرأة التشديد أكثر في مسألة الحجاب والابتعاد عن التفكير بالتبرج والتجمل وهو استشعار الحزن والألم لما جرى على السادة الأبرار والسيدات الطاهرات.. ولكل ما تقدم أختي الزائرة نضع بين يديك جملة من الملاحظات المهمة التي لا نستبعد علمك بها ولكن نحيطها اهتماماً من باب التذكير لك ولأخواتك الزائرات المؤمنات وفقك الله تعالى وإياهن لكل ما فيه رضاه وتقبل منكن جميعا كل خطوة تسرنها في هذا الطريق المبارك، وكل جهد تبذلنه في إحياء هذه الشعيرة العظيمة، وكل عناء تتكبدنه في سبيل مواساة زينب العقيلة عليها أفضل التحية والسلام. إن الحجاب على قسمين: ظاهري وباطني. أولاً: الحجاب الظاهري: وهو حجابٌ ذو مواصفاتٍ لابُدّ منها ليكون ساتراً للمفاتن أمام جميع الرجال سوى الزوج والمحارم منهم، وقد أمر الله (عز وجل) الفتيات و النساء الالتزام به في القرآن الكريم، كما أكدت عليه السنة المطهرة من أحاديث النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وبما إن مفاتن المرأة لا تقتصر على الجانب المادي فقط بل تمتد لتشمل الجانب السلوكي أيضاً، إذاً يمكن القول: إن الحجاب الظاهري ينقسم هو الآخر أيضاً إلى حجاب مادي ــ لو صح التعبير ــ وآخر سلوكي. فأما الحجاب المادي فالواجب فيه هو أن تستر الفتاة أو المرأة كافة أجزاء بدنها ما عدا الوجه و الكفين عن جميع الرجال غير الزوج و المحارم، ولا يشترط فيه زي معين ولكن الأفضل أن ترتدي العباءة الزينبية المعروفة لأنها أجلى مصاديق الحجاب الشرعي وأكثرها تحقيقاً لستر المحاسن وحجب المفاتن. ومن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في الحجاب المادي: 1. أن يكون فضفاضاً... فلا يصح حجابكِ أختاه الكريمة إذا كان ضيقاً بحيث يُظهر مفاتن البدن. وتذكري أن هنالك ملابس تسبب الالتصاق بالبدن, مثل الصوف والحرير إذا اجتمعا معاً. ومعلومٌ لديك أختاه العفيفة أن التصاق العباءة بالجسد يؤدي إلى ما يؤدي إليه اللباس الضيق، فتنبهي.. 2. أن لا يُعد الحجاب من الزينة... وبما أنكِ أختاه العزيزة صاحبة ذوقٍ رفيعٍ فمما لاشك فيه أنك تميزين جيداً ما يُعد زينةً من كريستالات، أو فصوص لمّاعة، وما شابه ذلك من أمور تشد إليها أعين الناظرين، فاحذري أن يكون حجابكِ مشتملاً على أيٍّ من ذلك لأنه يُعد حينئٍذ من الزينة ومعها لا يعد حجابك مطابقاً لمبتغى إلهكِ وخالقكِ... 3. أن يكون ساتراً لبشرة الجسم.. أي أن لا يكون شفّافاً يُظهر البشرة وسماتها. وقد تتسم بعض الألبسة النسائية اليوم بهذه الصفة أو تشتمل على ما يعد زينة فاحرصي على أن لا ترتديها حتى تحت العباءة أختي الموالية؛ لأن الزينة إنما تُرتدى في مناسبات الفرح والسرور لا عند مناسبات حزن الأطهار وفقد الأبرار.. ومن صحة الحجاب وموافقته للشرع ستر القدمين فضلاً عما قرب منهما من الرجلين، فلا تتهاوني عزيزتي في سترهما، ولأنك في سفر الزيارة حيث يتعرض جوربك الى التمزق أو الاتساخ فمن الأفضل أن تحملي معك جورباً آخر أو أكثر على سبيل الاحتياط .. وللجورب الذي يكون ساتراً شرعاً مواصفات هي: 1. ألا يكون شفافاً . 2. ألا يكون من الزينة . 3. ألا يكون مثيراً . فإن لم تتوفر هذه الشروط مجتمعة في الحجاب فاعلمي أختاه المؤمنة أن الشرع لا يعد ذلك حجاباً شرعياً وهذا يعني ترتب الإثم على من ترتديه بمقدار ما أهملت من شروط أوجب الشرع توفرها فيه. وما أحزنه من موقف حين نغضب الله تعالى لأمرٍ بسيط تعجز أنفسنا عن الالتزام به... وما أقساه من موقف على قلب إمام زمانكِ عجل الله فرجه وهو يرى عجزنا عن التمسك بواجب تمسك به الموالون والمخالفون أيضاً فكيف يصدق دعاءنا بنصرته أو رغبتنا في الاستشهاد بين يديه؟؟!! ثانياً: الحجاب السلوكي معلومٌ لديكِ أختي المؤمنة إنما أمر الله (تعالى) أن يُحجب جسم المرأة عن الناظرين الأجانب لما فيه من مواضع فاتنة تجذب انتباههم، و تغريهم بإمعان النظر فيها، بل قد تُثير فيهم الطمع في الوصول إليها، لذا كان الحجاب المادي ــ الذي تقدَم ذكره ــ حصناً للمرأة من الأذى و حصناً لغيرها من الوقوع في الخطيئة .. ولعلكِ توافقينني الرأي أختاه العزيزة أنّ سلوك المرأة هو الآخر قد يتضمن من المفاتن و المغريات ما يتضمن ... من قبيل المِشية المغرية، والضحكة الفاتنة، والجِلسة المثيرة، والخضوع بالقول وما شاكل ذلك. ولذا لم يقتصر الأمر الإلهي على وجوب الحجاب المادي فقط بل تعدّاه لوجوب الحجاب السلوكي أيضاً، فكان جزءً من الحجاب الشرعي للمرأة، وعليه أختي الموالية فلا يمكن أن تكون المرأة محجبة حجاباً شرعياً تاماً إن لم تلتزم بالحجاب السلوكي قال (تعالى):"فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) "(1). و قال أيضاً:"وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ(31) "(2). وإذا كان الحجاب السلوكي واجباً في كل حين وعلى ايِّ حال، فإنه في المناسبات الدينية يتأكد وجوبه لاسيما في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث السير على الأقدام لمسافات بعيدة والتي في الأعم الأغلب لا تخلو من المشقة والتعب والعناء، وهذه الأحوال قد تقود الإنسان أحياناً إلى التساهل في أداء الواجبات وعدم العناية بالإتيان بها كما أراد الشرع المقدس، ولما كانت المرأة تتميز برقتها وبضعف قوتها الجسمية قياساً بالرجل بشكل عام فعليها أن تأخذ هذه النقطة المهمة في نظر الاعتبار.. لذا أختي الغالية إن كنتِ ممن ينال منهم التعب سريعاً، وتتميزين بعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة، فمن الأفضل لكِ غاليتي أن ترتبي أمر زيارتكِ بما يتوافق مع قدرتكِ وقابليتكِ، كأن تقسّمي المسافة بين منزلكِ وبين كربلاء مثلاً فتستقلي السيارة في قطع قسم منها وتمشين في قطع القسم الآخر بحسب ما يناسب قدرتكِ، واعلمي أن ذلك لا يقلل من أجركِ وثوابكِ إن شاء الله لأنكِ إنما تقومين بذلك حفاظاً على واجباتكِ كأداء الصلاة في وقتها فقد يأخذ منك التعب مأخذه فتقصري في هذا الواجب، كما لا أعتقد أنه سيضعف علاقتك بسيد الشهداء (عليه السلام)؛ لأنك حافظتِ بذلك على ستركِ فقد يحصل لكِ عارض لضعف قدرتك على المسيرــ لا سمح الله ــ فيجبر بعض إخوتكِ من الأجانب على حملكِ ونقلكِ إلى مركز المعالجة، بل سيُسَر بتفكيركِ هذا أبو الشهداء (سلام الله عليه) حتماً وهو أبو الغيرة بل ومنبعها، كما لا أظن أن قراركِ هذا سيوهن علاقتكِ بعقيلة الطالبيين (عليها السلام)؛ لأن العناء قد يؤثر فيكِ فتتكاسلين عن العناية بحجابكِ كما يجب، أو تتماهلين برعايته كما ينبغي، وهي (سلام الله عليها) أم الستر والخدر والعفاف والحجاب، بل ستكونين عندها ذات شأنٍ كريم.. ملاحظات حول الحجاب السلوكي في زيارة الأربعين... تأتي إن شاء الله... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأحزاب 32 (2) النور 31 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
6256

خاطرة

إذا أردت أن تبحث عن مصداقٍ حقيقي للإسلام.. فلا تجهد نفسك كثيراً.. هناك في أزقة النجف الأشرف.. في ذلك الزقاق الضيق، والبيت المتهالك يمكث الإسلام الحقيقي.. #فتوى_التكافل

اخرى
منذ 3 سنوات
939

على ضفافِ الانتظار(18)

على ضفافِ الانتظار(18) بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي أسبابُ تأذّي المهدي (عليه السلام) قد يستغربُ بعضُ المؤمنين من هذا العنوان، فيتساءل: هل يُعقل أنْ يؤذيَ أحدنا إمامه؟ علينا أنْ نتذكّرَ أنَّ المؤمنين قد يعصون الله (تعالى)، فكيفَ لا يمكنُ أنْ يصدرَ منهم ما يؤذي الإمام (عجل الله تعالى فرجه)؟! الواقعُ يشهدُ على إمكانِ ذلك، بل ووقوعه من العديد من المؤمنين، لا يختلفون في ذلك سوى أنّ البعضَ يؤذيه نسيانًا أو غفلةً أو جهلًا، والآخر قد يفعلُ ذلك عمدًا، والمتعمِّدُ قد يرجعُ ويتوب، وقد يبقى مُصرّا على الذنب وأذيةِ إمامه. وعلى كُلِّ حال، عندما نُراجعُ الكلماتِ المرويةَ عن الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) في توقيعاته ومكاتباته، فإنّه يمكنُ أنْ نذكرَ عدّةَ أسبابٍ تؤدّي إلى إيذائه، إيلامه، ومنها التالي: السبب الأول: الغلو فيهم (عليهم السلام). يعني الغلو: ادّعاء استقلال الأئمة (عليهم السلام) في وجودهم، أو علمهم، أو قدرتهم، وغيرها من الصفات، بحيث يُدّعى أنّهم مستقلون عن الله (تعالى) في ذلك، ولا يحتاجون إليه فيها. إنَّ مثل هذه الدعوى لا شكّ أنّها تؤذي الأئمة (عليهم السلام)، بل أي وليٍ من الأولياء كثيرًا. لاحظوا كيفَ أنَّ النبيَّ عيسى (عليه السلام) يخشعُ لله (تعالى) ويخضع؛ لادّعاء البعضِ أنّه إله، يقول (تعالى): "وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَـىٰ ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِـي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" وعلى نفسِ المنوال ما رويَ عن مصادف قال: لما أتى القومُ الذين أتوا بالكوفة، دخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فخر ساجدًا وألزق جؤجؤه بالأرض وبكى، وأقبل يلوذُ بأصبعه ويقول: بل عبد الله، قنٌّ داخر، مرارًا كثيرةً، ثم رفع رأسه ودموعه تسيلُ على لحيته، فندمت على إخباري إياه. فقلت: جعلت فداك وما عليك أنت من ذا؟ فقال: يا مصادف، إنَّ عيسى لو سكت عمّا قالت النصارى فيه، لكان حقًا على الله أنْ يصمَّ سمعه ويُعمي بصره، ولو سكتُّ عمّا قال فيّ أبو الخطاب، لكان حقًا على الله أنْ يُصمَّ سمعي، ويُعمي بصري. ونفسُ هذا الأمر هو ما خرجَ عن صاحب الزّمان (صلوات الله عليه) ردّا على الغلاة من التّوقيع جوابًا لكتابٍ كُتبَ إليه على يدي محمّد بن عليّ بن هلال الكرخيّ: يا محمّد بن عليّ تعالى الله (عزَّ وجلَّ) عمّا يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاءه في علمه، ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه (تبارك وتعالى): ﴿قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللهُ﴾ وأنا وجميعُ آبائي من الأوّلين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النّبيّين ومن الآخرين محمّد رسول الله وعليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وغيرهم ممّن مضى من الأئمّة (صلوات الله عليهم) أجمعين إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري عبيد الله (عزَّ وجلَّ)... وأشهدُ الله الّذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدًا ومحمّدًا رسوله وملائكته وأنبياءه وأولياءه، وأشهدك وأشهد كًلَّ من سمع كتابي هذا أنّي بريءٌ إلى الله وإلى رسوله ممّن يقولُ: إنّا نعلم الغيب، أو نشارك اللهَ في ملكه، أو يُحلّنا محلًّا سوى المحلّ الّذي نصبه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك وبيّنته في صدر كتابي... مع التنبيه على أنَّ المنفي عن المعصومين (عليهم السلام)، والذي أرادَ الإمامُ المهدي (عليه السلام) نفيه في هذا التوقيع، هو: علم الغيب بمرتبته الواجبة، أي العلم النابع من الذات، الذي لا يكون محتاجًا إلى أيّ شيءٍ خارج الذات، فهذه المرتبةُ خاصةٌ باللهِ (تعالى)، ولا يمكن لأي أحد أنْ يُشاركَه فيها، ومن يدّعِ ذلك فهو مُشركٌ كافرٌ بالله العظيم، وهو ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره.. وأنا وجميع آبائي من الأوّلين ... إلى مبلغ أيّامي ومُنتهى عصري عبيد الله (عزَّ وجلَّ) ... أنّي بريءٌ إلى الله وإلى رسوله ممّن يقولُ: إنّا نعلم الغيب، أو نشارك الله في ملكه، أو يحلّنا محلاّ سوى المحلّ الّذي نصبه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك وبيّنته في صدر كتابي... فهذه العباراتُ تُشيرُ إلى نفي العلم الذاتي عنهم (عليهم السلام)، وهذا هو الحقُّ الذي نؤمن به. أما إذا كان العلمُ –ولو علم الغيب- هو بتعليمٍ من الله (تعالى)، وبإذنٍ منه، فلا مانعَ منه، بالغًا ما بلغ، نظير القدرة، فإنَّ القدرةَ الذاتيةَ المطلقة هي مرتبةٌ خاصةٌ بالله (تعالى)، ولكن يمكنُ أنْ تكونَ هناك قدراتٌ استثنائيةٌ خارقةٌ بإذنِ الله (تبارك وتعالى)، كما في قدرات النبي عيسى (عليه السلام) التي حكاها القرآنُ الكريم بكُلِّ صراحةٍ في قوله (تعالى): "...وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتىٰ بِإِذْنِي.." وكما في قدرةِ الذي عنده علمٌ من الكتاب، حيث فاقت قوةَ العفريت من الجن كثيرًا، قال (تعالى): "قالَ يا أَيـُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" السبب الثاني: ضعف التديُّن: رويَ عنه (عجل الله (تعالى) فرجه) قوله: قد آذانا جهلاء الشّيعة، وحمقاؤهم، ومَنْ دينُه جناحُ البعوضة أرجح منه... يُعنى من التديُّن: التزام المؤمن بما افترضه الله (تعالى) عليه من واجباتٍ، وابتعاده عن المحرمات، واستمراره على هذا المنوال، وعدم خروجه عنه عادة، بحيث يكون في التزامه ذاك شديدًا جدًا، الأمر الذي جعلته بعض الروايات الشريفة أشدَّ وأصلب من الجبل، فقد رويَ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المؤمنُ أصلبُ من الجبل، الجبلُ يستقلُّ منه والمؤمن لا يستقلُّ من دينه شيء» فإذا كانَ المؤمنُ كذلك، فهو مرضيٌّ عند الله (تعالى)، وعند رسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، أما أنْ يكونَ المؤمنُ مذبذبًا، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، أو يكون ضعيفَ التديُّن، بحيث تجده يواقعُ المعصية من دونِ أنْ يرمشَ له جفنٌ، أو يضطربَ له قلب، أو تجده لا يتورّع عن المُحرّمات متى ما عرضت عليه، رغمَ التزامه ببعضِ الواجبات الأخرى، فهذا هو ما يؤلِمُ قلب الإمام (عليه السلام)، إذ هو يريد مؤمنًا صلبًا في عقيدته، ثابتًا على مبدئه، فهكذا يكون المؤمن جعفريًا بمعنى الكلمة. فحريٌّ بنا أنْ نُمسكَ على ديننا ولو كانَ الإمساكُ به كالإمساك بجمرة، أو كانَ كخرطِ شوك الصحراء، فمهما تكنْ من صعوباتٍ في الدنيا، فهي لا تصلُ إلى عشرِ معشار ما في الآخرة، وقد قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): «وَاعْلَمُوا أَنَّه لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَىٰ النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا، أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُه، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيه، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُه؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ وَقَرِينَ شَيْطَانٍ؟ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَىٰ النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِه، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِه؟...» السبب الثالث: الجهل: رويَ عنه (عجل الله (تعالى) فرجه) قوله: قد آذانا جهلاء الشّيعة، وحمقاؤهم، ومَنْ دينُه جناحُ البعوضة أرجح منه... لا يختلفُ اثنان في كونِ الجهلِ نقصًا وممقوتًا، ويهرب منه جميع العقلاء، ويتبرّأ منه حتى من اتصف به، وهكذا الجميع متفقٌ على فضيلةِ العلم، وعلى أنّه سببٌ من أسبابِ التفاضُل في الدنيا والآخرة على حدٍّ سواء. لذا؛ فطالما حثَّ أهلُ البيت (عليهم السلام) شيعتهم على أنْ يكونوا الأفضل علمًا، والأكثر معرفة، وما كانوا يرضون لهم الجهل، لا في أمور الدنيا و لا في أمور الآخرة، وهذا ما أكّدته النصوصُ الدينية الكثيرة، من قبيل ما رويَ عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله وأبو جعفر (عليهما السلام): «لو أتيتُ بشابٍّ من شباب الشيعة لا يتفقَّه لأدَّبته» وعن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): «قلبٌ ليس فيه شيءٍ من الحكمةِ كبيتٍ خرِب، فتعلَّموا وعلِّموا، وتفقَّهوا ولا تموتوا جُهّالًا، فإنَّ اللهَ لا يعذر علىٰ الجهل» من هذا نعلم: أنَّ الجهلَ من الأمور التي لا تتوافقُ مع الصفات التي وصفَ بها أهل البيت (عليهم السلام) شيعتهم، وأنّه من الأمور التي تؤذيهم، فلنكنْ منه على حذر. السبب الرابع: الحماقة. رويَ عنه (عجل الله تعالى فرجه) قوله: قد آذانا جهلاءُ الشّيعة، وحمقاؤهم، ومَنْ دينُه جناحُ البعوضة أرجح منه... الحمقُ: قلةُ العقل، وضدُّه، ووضْعُ الشـيء في غيرِ موضعه الذي ينبغي وضعه فيه، والأحمق هو من يفعل ذلك، ولو من دون قصد، بل ولو مع قصد وضْعه في محله، ولكنّه لحمقه يُخطئ فيضعه في غير موضعه. إنَّ الأحمقَ لا يُرتجى خيرُه، ولا يؤمن شرُّه. من هُنا، قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): «يا بُنيَّ، إيّاك ومصادقة الأحمق، فإنَّه يريدُ أنْ ينفعك فيضرّك» وقيل له (عليه السلام): صِفْ لنا العاقل، فقال (عليه السلام): «هو الذي يضعُ الشـيءَ مواضعه»، فقيل: فصفْ لنا الجاهل، فقال: «قد فعلتُ»، (يعني أنَّ الجاهل هو الذي لا يضعُ الشـيء مواضعه، فكأنَّ تركَ صفته صفةٌ له؛ إذ كانَ بخلافِ وصف العاقل) السبب الخامس: عموم الذنوب: إنَّ من طبيعة الإنسان المؤمن أنّه يبغضُ الذنوب لذاتها؛ ولذلك تجده ينفر منها حتى لو صدرتْ من غيره، فيتأذّى، إلى الحدّ الذي أخذ القرآنُ يُصبّرُ النبيَّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) فيقول له: "فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً" (أي مُهلكٌ وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: لن نؤمنَ لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا، تمرُّدًا منهم على ربِّهم (إنْ لم يؤمنوا) أي: إنْ لم يصدّقوا (بهذا الحديث) أي: بهذا القرآن الذي أُنزل عليك (أسفًا) أي حزنًا وتلهُّفًا ووجْدًا، بإدبارهم عنك، وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به) ومن هُنا، وجدنا أنَّ الذنوبَ هي ممّا يُدخِلُ الحزن والألم على قلب المعصومين (عليهم السلام)، رويَ عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ أعمالَ العباد تُعرَض علىٰ نبيِّكم كلَّ عشية الخميس، فليستحي أحدكم أنْ تُعرَض علىٰ نبيِّه العمل القبيح»( ). وعَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: مَا لَكُمْ تَسُوؤُونَ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله)! فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ نَسُوؤُه؟ فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): أمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْه، فَإِذَا رَأَى فِيهَا مَعْصِيَةً سَاءَه ذَلِكَ، فَلَا تَسُوؤُوا رَسُولَ الله وسُرُّوه. ومن نفس هذا المنطلق، نعلم يقينًا أنَّ الذنوبَ التي تصدر من الناس عمومًا، ومن الشيعة خصوصًا، هي ممّا يُدخلُ الحزن والغمّ على قلب المولى (عجل الله (تعالى) فرجه)، بل هو ما صرّح به (عليه السلام) في مكاتبته للشيخ المفيد (قدس سره) حيث يقول: «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته علىٰ اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا علىٰ حقِّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نُؤثِره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل» فحريٌّ بنا إذًا أنْ نتحرّى مواضع رضا الله (تبارك وتعالى)، إذ هي ما يُقربنا منه (جل وعلا)، وهي أيضًا ما يُدخل السرور على قلب المولى (عليه السلام)، والأمر تُرك لاختيارنا...

اخرى
منذ 3 أشهر
204

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
149314

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
134244

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 4 سنوات
88766

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
81653

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
79498

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
75333