نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(٢٠)

بقلم: علوية الحسيني وداعٌ وحذر رويَ عنِ الإمامِ زينِ العابدين (عليه السلام) في وداعِه لشهرِ رمضانَ المبارك: "السلامُ عليك من ناصرٍ أعانَ على الشيطان، وصاحبٍ سهّلَ سُبُلَ الإحسان"(1). بالتأمُّلِ في الدُعاءِ المُبارك نجدُ أنّ الشهرَ الفضيلَ فعلًا كانَ خيرَ ناصرٍ، حتى غلّ أيدي الشياطين، وخيرَ صاحبٍ ساعدنا على عملِ الحسنات. والدعاء يوازنُ بينَ الحذرِ من غيابِ المدافعِ الناصر، والحزنِ على توديعِ الصاحب، ومن ثم إذا غابَ الناصرُ فلربما استولى علينا الشيطان، وإذا غابَ الصاحبُ فلربما صعُبَتْ علينا سُبُل الإحسان. ومن هُنا تتجلّى أهميةُ الدعاءِ بوداعِ شهرِ رمضانَ والحذرِ ممّا يليه؛ لنوكلَ وداعَنا بالشكرِ، وحذرنا من المكائدِ الشيطانيةِ لله القيوم. فهذا هو آخرُ نشاطٍ رمضاني لكِ يا أختاه، ينبغي أنْ لا تغفلي عنه؛ لما فيه من شكرِ اللهِ (تعالى) المُنعمِ على ضيافتِه الإلهية، ولزومِ الاستغاثةِ به (تعالى) ممّا تنتقمُ به العفاريتُ الشيطانيةُ ووسوستُها للنفسِ الإنسانية. ومن أبرزِ صورِ ذلك الهجوم الشيطاني ما تفعلُه بعضُ النساءِ ابتداءً من أولِ أيامِ عيدِ الفطرِ المُبارك من سلوكياتٍ مُحرّمة، كالخروجِ أمامَ الأجانبِ مُتبرّجةً، أو الاختلاطِ مع الأرحامِ دونَ مُراعاةِ الحجابِ الشرعي، مُشمّرةً عن ساعديها، مُرتديةً الجوارب الخفيفة على قدميها، قد طلتْ بالمكياجِ والأصباغِ وجهَها وأظافيرها، أو التكلُّمِ بفاكهةِ المجلسِ –الغيبة-، وغيرها من السلوكياتِ الغريبةِ عمّا كانتْ عليها في شهرِ رمضان، أو لنقُلْ باختصارٍ: إنّ الشيطانَ يسوّلُ لها (تحطيمَ مُراقبةِ النفس) بفأسِ الوسوسةِ والتغرير. ولهذا نجدُ البعضَ ترجعُ إلى مُحاسبةِ نفسِها بعدَ انتهاءِ أيامِ العيدِ بدرجةٍ وإنْ كانتْ أقلَّ مما كانتْ عليه في شهرِ رمضان، لكنّه إنْ دلّ على شيءٍ فإنّه يدلُّ على شِدّةِ وضوحِ انتقامِ الشيطانِ بعدَ انتهاءِ الشهرِ الفضيل. فيا أُختاه! أينَ نحنُ ومُقاومة ذلك الهجومِ الشيطاني؟! فلنستودعِ اللهَ (تعالى) أنفسَنا، ونُعينها على طاعةِ ربّها، ونستعيذُ من وسوسةِ الشيطانِ عدوّها، ونستمرُّ بمُراقبتها ومُحاسبتها؛ لنصلَ إلى الكمالاتِ الروحيةِ بها. وهناك عدّةُ أمورٍ تترتبُ على قيامِنا بوداعِ شهرِ رمضانَ والحذر ممّا يليه، منها: 1- إنّ القيامَ بذلك يُعبّرُ عن شدّةِ التعلُّقِ باللهِ (تعالى) بالدُعاءِ المُستمر. 2- إنّ القيامَ بذلك يضمنُ الحصانةَ الجُزئيةَ من مكائدِ الشيطانِ الرجيم، وإلا فبعضُ الذنوبِ سببُها النفسُ الأمّارةُ بالسوء. 3- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه أنْ تكوني في مُراقبةٍ للنفسِ دائمة. 4- إنّ القيامَ بذلك يعكسُ أدبَ الضيفِ مع مُضيّفه، فهو نوعٌ من الشكر. 5- إنّ القيامَ بذلك يشرحُ الشوقَ القلبي للأجواءِ الإيمانيةِ في أيامِ الشهرِ الفضيل. 6- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه المواظبةُ على جميعِ العباداتِ العامة؛ من قيامِ ليلٍ ودعاءٍ وتلاوةِ آياتٍ صومِ بعضِ الأيام. 7- إنّ القيامَ بذلك يلزمُ منه أنْ تكوني بينَ خوفٍ ورجاءٍ من اللهِ (تعالى)؛ فالخوفُ من أنْ يكِلَكِ إلى نفسِكِ طرفةَ عينٍ أبدًا فيُنفِّذَ الشيطانُ مكائدَه، وأما الرجاءُ فأن تبقى نفسُكِ ترجو لُطفَه (تعالى) وعنايته، وهُنا ينبغي أنْ تكوني يا أُختاه مُواظبةً على جهادِ نفسكِ، لتكونَ أهلًا أنْ تشعرَ بالخوفِ والرجاء بدرجةٍ مُتوازنة. وأخيرًا أقول: مع وداعِ شهرِ رمضانَ المبارك أودّعُ سلسلةَ (نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية) بجميعِ حلقاتِها، وهي: (معرفةُ اللهِ (تعالى)، الإحسانُ إلى الوالدين، غسيلُ الأواني المبارك، جلساتٌ دعوية، أضواءٌ على الاختلاط، سحورٌ عقائدي، شراءُ ملابس العيد، الجمال، الصحة، صلةُ الرحم القاطع، لا بخلَ ولا إسراف، أفكارٌ إيمانية، زوجةُ الداعية، فقهياتُ الصوم، معرفةٌ مهدوية، رشحاتٌ، إحياءُ ليلةِ القدر، طلبُ العلم، تركُ الغضب). وأحذرُ من الشيطانِ الغويّ الرجيم أنْ يكونَ له رجسٌ فيها أو وسوسة. أسألُ اللهَ (تعالى) أنْ يكونَ ما قدّمتُ لكنّ أخواتي المؤمنات خالصًا لوجهه إنّه رقيبٌ شهيد. ------------------- (1) الصحيفة الجامعة لأدعية الإمام السجاد، زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): إشراف: السيد الأبطحي الأصفهاني, ص296. اللَّهُمَّ اسلَخْنَا بِانْسِلاَخِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَايَانَا، وَأَخْرِجْنَا بُخُرُوجِهِ مِنْ سَيِّئاتِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَجْزَلِهِمْ قِسَمَاً فِيـهِ، وَأَوْفَـرِهِمْ حَظّاً مِنْـهُ، واخْسَأْ الشَّيطان عَنَّا بِعِبَادَتِكَ، وَاكْبِتْهُ بِدُؤوبِنَا فِي مَحَبَّتِكَ، وَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِتْراً لاَ يَهْتِكُهُ، وَرَدْماً مُصْمِتاً لا يَفْتُقُه.

المناسبات الدينية
منذ شهر
173

في مِحرابِ الأمير..

بقلم: أُمّ غدير خُمّ العارضي ما أثقلَها من ليالٍ وأيام، نكتوي فيها بنارِ الحزنِ والآلام، ولا نستلذُّ بطعامٍ أو منام، تتجمّعُ الدموعُ في العيونِ كسُحُبٍ مُثقلةٍ بمطرٍ لا يُطفَأ رغمَ تواليه لهب نارِ الفقدِ المُضطرمةِ في قلبِ كُلِّ من ينتمي إلى أهلِ البيتِ (عليهم السلام). إنّها ليالي الجراح، ليالي فقدِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) مرقاة الفلاح، ليالٍ تسيرُ ساعاتُها ببُطءٍ شديدٍ؛ لكأنّها تقلعُ دقائقُها من صخرٍ عنيد، لتُحرِقَ بآهاتِها قلوبَ المؤمنينِ على الإمامِ الغريبِ الوحيد. تبدأُ بليلةِ الجرحِ والمصاب، وتنتهي بليلةِ الرحيلِ والغياب، وما بينهما زفراتٌ وآهاتٌ وعذاب. فما عسانا نقولُ في ليالٍ توضّأتْ بالأحزان، وردّدَتْ على مسامعِ الدهرِ تراتيلَ الوداعِ المُرِّ لفقدِ نفسِ النبيّ العدنان، ليالٍ ارتشفتْ فيها جبهةُ الحقِّ غُصّةً من غدرِ الشيطان، فاظلمَّ لهولِ الفاجعةِ الزمان، وانطفأ نورُ المحرابِ حتى بكى القرآنُ غيابَ الإنسان. ما نقولُ في ليالٍ غابَ فيها مُحيّا الإمامِ عن صفحةِ الوجود، وتنفَّسَ النفاقُ لبُرهةٍ بعدَ طولِ خمود، وعلا مُجدّدًا صوتُ الجحود، حتى أخرسَه السبطُ الأكبرُ (عليه السلام) بإذنِ المعبود. ما نقولُ في ليالٍ انقطعَ فيها صوتُ الأبِ الحنون، وغابتْ يدُه الحانيةُ التي كانتْ تمسحُ على رؤوسِ الأيتامِ والمساكين، حتى تعالى منهم الأنينُ والحنين، ونَخَرَ الفقدُ الموجعُ أفئدةَ المُحبّين، وخيّمَ الحُزنُ كحالكِ سوادِ الليلِ البهيم على أرواحِ المؤمنين.. ما عسانا أنْ نقولَ وقد أزِفَ الكربُ وحلَّ البلاء، واُغتيلَ غدرًا في ليلِ الصيامِ أميرُ الأتقياء، بعدَ أنْ أطلَّ إبليسُ بجُندِه الأشقياء؛ ليحثَّ ابنَ مُلجم اللعين، ليكونَ أشقى الأولين والآخرين، فاستجابَ الشقيُّ لنداءِ سيّدِه وهَمَّ بفعلِه الشنيعِ إشعالَ النارِ في قلوبِ كُلِّ الموالين على امتدادِ السنين، وها هو يتلوى في المحرابِ كالثعبان، قد امتلأَ بالوساوسِ والحقدِ والطُغيان، وقبعتْ بينَ طيّاتِ روحِه الخبيثةِ السمومُ القاتلةُ التي ستفتكُ بخيرِ عبادِ الرحمن؛ لتحتفل بإخمادِ صوتِ العدلِ والإحسانِ في دُنيا الإنسان. آهٍ يا علي، يا صرخةَ الحقِّ الجليّ، يا روعةَ القلبِ النقيّ، يا بلسمَ الجرحِ الخفيّ، يا نبرةَ الصوتِ الأبيّ... آهٍ أيُّها المولى الرؤوف، آهٍ لجُرحكَ حينَ اشتدَّ منه النزيف، وفاضتْ على ضِفّتيه الحتوف. آهٍ لشمسِك وهي تميلُ بعدَ إشراقِها للكسوف. آهٍ لرأسِك الخضيبِ كم تحمّلَ من حقدِ السيوف. آهٍ لبيوتٍ وأرواحٍ كُنتَ لها الحياةَ والماءَ والرغيف. آهٍ لأفئدةٍ ذابتْ وهي ترى ذلك الجبلَ الأشمّ والصرحَ الأعظمَ مُسجّى على فراشِ الموتِ يُعاني جهلَ الناسِ، ويذرفُ الدمعَ على مصيرِ الأُمّةِ التي تنكّبَتْ عن الصراطِ دونَ حياءٍ وخوف... سيّدي، إنّ محرابَك اليومَ حزين، يعلو في جنباتِه الأنين، يسألُ عنك، يبحثُ في ملامحِ القادمين عن إشراقةِ وجهِك، يفتقدُ صوتَك وعذبَ تهجُدِك، يحِنُّ إلى سجدتِك ودمعتِك وأنينِ شوقِك وابتهالاتِك... يُخاطِبُك في كُلِّ سَحَرٍ أيُّها المولى الأنور: إنَّ وقتَ التهجُدِ قد آن، وزمانُ المُناجاةِ الطويلةِ قد حان.. أينَ تركتني يا عدلَ القرآن؟ أينَ ذهبتَ يا صفوةَ الأولياء؟ أتُراكَ هجرتني يا صاحبَ الكوثر عندَ اللقاء؟! ويأتيه الجوابُ من فناءِ المِحراب: لقد ماجَ المولى في دمائه، وآثرَ الرحيلَ إلى أحبّائه، لقد أعلنَ عن تلك النهايةِ المُرتقبة، عندَما علا صوتُه عندَ السجودِ بتلك الترنيمةِ العذبةِ: "فُزتُ وربِّ الكعبة!" لقد أفصحَ عن مكنونِ البدايةِ والنهايةِ عندما وقعَ صريعًا على أديمِ المسجدِ الكوفي، فاهتزّتْ له السماواتُ وعلا صوتُ الدويّ، ونعى مُصابَه العرشُ والكرسي، وأُطلِقتْ من ثغرِ الأيامِ زفراتُ الفراقِ الشجيّ، وفُجِعَ بذلك المُصاب الجلل قلبُ كُلِّ مؤمنٍ حُرٍّ تقيّ، وبكاهُ الحقُّ والعدلُ والتاريخُ بدمعٍ دائمٍ سرمديّ. وداعًا يا أميرَ القلوبِ وكُلِّ البقاع، وداعًا وأنتَ تعتزمُ الرحيلَ وتدعُ الأرواحَ بعدَك تذرفُ دمعَ الوداع، وداعًا وأنتَ تلوحُ لنا بيدٍ ما فتأتْ تنصرُ الحقَّ وتخوضُ مع الباطلِ الصراعَ تلوَ الصراع، حتى يستقيمَ الأمرُ وينتشرَ الدينُ ويُعبَدُ اللهُ (تعالى) ويوحَّدُ ويُطاع. سلامٌ على أرضٍ احتوتك، وتزيّنتْ بجثمانك حينَ وارتْك، وتلألأتْ بقبابِك حيثُ أنخْتَ، وبعثتْ إلى دُنيا الوجودِ رسائلَ حياتِك إذ حييت، ورسائلَ بقائك إذ عرجت. سلامٌ على حُسينك الشهيدِ وسبطِك المُنتجب، سلامٌ على قلبِ حبيبتِك زينب، سلامٌ على حفيدِك المُغيّب مهديّك المُرتقب. سلامٌ عليك يا صراطَ اللهِ الأقوم، سلامٌ على جراحِك النازفةِ التي تضعضعَ لها الكونُ ورُكنُ الدينِ تهدّم، سلامٌ لك من قلبِ كُلِّ شيعيٍ أو حُرٍّ يتألّم، حتى تحوّلَ فؤادُه إلى مجلسِ عزاءٍ دائمٍ واستحالتْ أيامُه ساحةَ مأتم. سيّدي ها نحنُ ننعاك، ونبكي غُربةَ الآخذِ بثأرِك في ذكراك، ها نحنُ نلتحفُ الأسى ونفترشُ الصبر، ونتجرّعُ بلوعةِ أثرِ الغياب المُرّ، ونبحثُ في سجلِّ الدهرِ عن عدالتِك التي ماتتْ يومَ رحلتَ وأبناؤك عن الدُنيا وغابَ وليّ الأمر، ونأملُ ونحنُ في غمرةِ الألمِ أنْ نرى محُيّاك في وجهه الأزهر، عندَما يأتي ليستأصِلَ بنورِ العدلِ والخيرِ جذورَ الفسادِ والظلمِ والجور. نعم، نترقّبُ نورَك في إشراقةِ شمسِ مُحيّاه، ونبحثُ عنك في نهجِه وعدالتِه وتقواه، ونقبضُ على الجمرِ بإصرارٍ في انتظارِه، ونُبلسِمُ الجراحَ الغائرةَ بمواعيدِ اللقاءِ واكتحالِ العينِ ببهاءِ مرآه حتى نراه بإذنِ اللهِ (جلّ في علاه).

المناسبات الدينية
منذ شهر
87

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(١٩)

بقلم: علوية الحسيني تركُ الغضب رويَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) أنّه قال: "قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): الغضبُ يُفسِدُ الإيمانَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسل"(1). إذا كانَ الغضبُ يُفسِدُ الإيمانَ، فلا إيمان، ويكونُ كُلُّ ما يصدرُ من الإنسانِ مُجرّدَ لقلقةِ لسانٍ. وعليه، ينبغي للمرأةِ أنْ تجعلَ ضمنَ نشاطاتِها الرمضانيةِ أمرًا مُهمًا يُحافظُ على إيمانها، وهو تهذيبُ نفسِها في جميعِ الأشهرِ عمومًا، وفي شهرِ رمضانَ المُبارك خصوصًا، والتهذيبُ يعني تنقيةَ النفسِ من كُلِّ السلوكياتِ غيرِ اللائقةِ بشخصِ المؤمن، ومنها الغضب. قد تغضبُ بعضُ النساءِ بسببِ مُشاجرةٍ بين أولادِها، أو احتراقِ طبختِها، أو جدالِها غيرِ الطبيعي مع زوجِها، أو انفعالاتٍ نفسيةٍ بسببِ كثرةِ مسؤولياتِها، أو عدمِ قيامِ زوجةِ ابنِها بتنظيفِ بيتِها، أو غيرِ ذلك! إلا أنّ كُلَّ تلك الأسبابِ غيرُ مُبرّرةٍ للغضب؛ لما يترتبُ عليه من نتائجَ وخيمةٍ تسلبُ الروحيةَ والخشوعَ من العبادة، والشعورَ بالضيافة الإلهية. وللأسفِ نجدُ البعضَ تجعلُ الصومَ شمّاعةً لتُعلِّقَ عليها سببَ غضبها، فتقول: (إنّ فلانة إذا صامتْ تغضب)! ولا أعلمُ أينَ المُبرِّرُ لغضبِ الصائمة؟ والحالُ أنّها في ضيافةِ الله (تعالى)، فهل يغضبُ الضيفُ؛ لأنّه على أجودِ الموائد! لا شكَّ ولا ريبَ يا أُختاه إذا لم تتغلّبي على غضبِكِ هذا فإنّه سيؤدّي إلى مشاكلَ أسريةٍ ونفسيةٍ؛ لأنّه رأسُ كُلِّ شرّ؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "الغضبُ مفتاحُ كُلِّ شر"(2). وللتغلُّبِ على هذا السلوكِ غيرِ اللائقِ بالمؤمنةِ هناك حلول عديدة, منها: 1- التوكُّلُ على اللهِ (تعالى) والاستمرارُ بالدُعاءِ بتركِ هذا الخُلُقِ المذموم. 2- الجلوسُ، جاءَ في الرواياتِ أنّ الشخصَ الغاضبَ إذا جلسَ فإنّ الغضبَ يزولُ عنه؛ رويَ عن الإمام الباقر (عليه السلام): "...فأيّما رجل غضبَ على قومٍ وهو قائمٌ فليجلسْ من فورِه ذلك، فإنّه سيذهبُ عنه رجزُ الشيطان"(3). 3- إذا غضبتِ على إحدى أرحامكِ فلتمسِّي بدنها؛ رويَ عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): "...وإيّما رجلٍ غضبَ على ذي رحمٍ فليدنُ منه فليمسّه، فإنّ الرحمَ إذا مُسّت سكنت"(4). 4- اذكري اللهَ (تعالى)؛ رويَ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام): "أوحى اللهُ (عزّ وجل) إلى بعضِ أنبيائه: يا بن آدم اذكُرني في غضبِك أذكُرك في غضبي"(5). 5- التخلُّقُ بأخلاقِ اللهِ (تعالى) كخُلُقِ الحلم؛ رويَ عن النبيّ محُمّدٍ (صلى الله عليه وآله): "يا علي لا تغضبْ، فإذا غضبتَ فاقعدْ وتفكّرْ في قُدرةِ الربِّ على العبادِ وحلمِه عنهم، وإذا قيلَ لك: اتقِّ اللهَ فانبذْ غضبَك وراجعْ حلمك"(6)، فتذكّري كم مرة حلُمَ اللهُ (تعالى) عنكِ عندما غضبَ عليكِ. 6- اعلمي أنّ الغضبَ يجعلُكِ ألعوبةً بيدِ العفاريتِ الشيطانية؛ رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "وإيّاك والغضب فإنّه طيرةٌ من الشيطان"(7). 7- استشعري الخجلَ من اللهِ (تعالى) عندما يكونُ غضبُكِ ليس لغضبِ اللهِ (تعالى). 8- أكثري من قراءةِ رواياتِ أهلِ البيت (عليهم السلام) في ذمِّ الغضب، واقتدي بهم. 9- طالعي بعضَ الكتبِ والأبحاثِ الأخلاقيةِ التي تتناولُ موضوعَ الغضب وأسبابه وآثاره وطرق علاجه. ______________________ (1) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الغضب. ص302, ح1. (2) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص303, ح3. (3) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص302, ح2. (4) مصدر سابق, ج2, باب الغضب, ص302, ح2. (5) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج15, باب وجوب ذكر الله عند الغضب, ص364, ح1/ 20751. (6) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص14. (7) نهج البلاغة, ج3, ص136, ح76. اللهم لا تدعْ خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتها، ولا عائبةً أؤنّبُ بها إلا حسّنتها، ولا أكرومةً فيّ ناقصةً إلاّ أتممتها.

المناسبات الدينية
منذ شهر
115

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية (18)

بقلم: علوية الحسيني طلبُ العلم قال (تعالى): {ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}(1). نشاطٌ رمضانيّ ينبغي أنْ لا تغفلي عنه يا أختاه، به تتنوّرُ البصائر، ومنه تنطلقُ الأعمال، ألا وهو طلب العلم. فيا أختاه من هُنا لا بُدّ من تضمينِ نشاطاتكِ الرمضانيةِ بساعاتٍ مُحدّدةٍ لطلبِ العلم. ولا شكّ أنّ وقتَ بعضِ النساءِ مشغولٌ ما بينَ تحضيرِ وجباتِ الطعامِ من سحورٍ وفطور، والقيامِ بتدريسِ الأطفال، ولعلّه بمُشاهدة تلفاز –إنْ كانتْ هادفة-، وتلاوة آياتٍ، وقراءة أدعية، إلا أنّ نشاطهنّ يخلو من طلبِ العلمِ الذي يُقوِّمُ كُلَّ العبادات ويُهذِّبُ الحركات والسكنات! ولمعرفة معنى التفقُّه في الدين نرجع إلى تفسيرِ الآية الكريمة؛ يقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) في ميزانه مُفسرًا هذه الآية: "ومن هُنا يظهرُ... أنّ المُرادَ بالتفقُّهِ تفهُّمُ جميعِ المعارفِ الدينيةِ من أصولٍ [التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، الإمامة، المعاد] وفروعٍ [الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الخمس، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر] لا خصوصَ الأحكامِ العمليةِ وهو الفقهُ المُصطلحُ عليه عندَ المتشرعة"(2). وأيّدَه الشيخُ ناصر الشيرازي (قدس سره) في تفسيره؛ حيثُ قال في أمثله: "لا شكَّ أنّ المقصودَ من التفقُّه في الدين هو تحصيلُ ((جـميعِ)) المعارفِ والأحكامِ الإِسلامية، وهي ((أعـمُّ)) من الأصولِ والفروع؛ لأنّ كُلَّ هذه الأُمور قد جُمِعتْ في مفهوم التفقُّه"(3). وعليه، إنّ المنظومةَ الدينيةَ عبارةٌ عن ثلاثةِ أجزاء عامة: (عقائد وفقه وأخلاق)، وهي الهرمُ الذي يُريدُنا اللهُ (تعالى) التفقُّه به. ومثلما علمتِ يا أُخيّة أنّ التفقُّه في العلومِ الدينيةِ واجبٌ (كفائي على أقل تقدير) بدليلِ ما قرأتِ في صريح الآية، فكذا روايات أهلِ البيت (عليهم السلام) حثت عليه كثيراً؛ فقد رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عليكم بالتفقُّه في دينِ اللهِ ولا تكونوا أعرابًا فإنّه من لم يتفقّه في دينِ اللهِ لم ينظرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ ولم يُزكِّ له عملًا"(4). فأبعدي عنكِ كُلَّ المعرقلات، واستعيني باللهِ (تعالى) في تنظيمِ الأوقاتِ، وتفرّغي في الشهرِ الفضيلِ للتفقُّهِ في دينكِ للوصولِ إلى منازل الكمالات، ولتفطرَ روحُكِ الصائمةُ عن تلك العلومِ بما تفيضُه علومُ الدين على قلبكِ وعقلكِ من رشحات. رويَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): أنَّ موسى (عليه السلام) لقيَ الخضرَ (عليه السلام) فقال: "أوصيني. فقال الخضر: "...واعلمْ أنَّ قلبَك وعاءٌ، فانظرْ ماذا تحشو به وعاءك"(5). فانتبهي يا ابنةَ الإسلامِ، لا تظلمي نفسكِ بالابتعادِ عن طلبِ العلومِ الدينية. وهناك عدّةُ نقاطٍ من الممكنِ أنْ تُعينَكِ على طلبِ تلك العلوم في شهرِ رمضان، منها: 1- المُشاركةُ في الدوراتِ الرمضانيةِ المُتكاملةِ من عقائدَ وفقهٍ وأخلاقٍ التي تعقدُها الجهاتُ الموثوقة. 2- دراسةُ كتابٍ عقائديّ وآخر فقهيّ وآخر أخلاقيّ، وعقدُ الهِمّةِ على إتمامِها في شهرِ رمضانَ المبارك، واختيارُ كُتُبٍ أعلى منها درجةً في شهرِ رمضان القادم بعون الله (تعالى). 3- مُشاهدةُ البرامجِ التلفازية، أو سماعُ الحلقاتِ الإذاعية التي تتناولُ بيان تلك العلوم الثلاثة. 4- عقدُ مجالسَ نسويةٍ في بيتِ إحدى النساء، وتذاكرُ العلومِ الدينية -مع رعايةِ الوقايةِ الصحية-، وحذارِ من التفريقِ بين تلك العلوم الثلاثة. 5- المواقعُ الإلكترونيةُ أيضًا من الممكنِ أنْ تخدمَنا في بثِّ العلومِ الدينية، فتلك المدارسُ والمعاهدُ الدينية قد صدحَ صوتُها في نشرِ علومِ محُمّدٍ وآلِ مُحمّد (عليه وعليهم السلام)، وبإمكانكِ التسجيل، والانتفاع منها. 6- تخصيصُ وقتٍ لدراسةِ هذه العلومِ، والأفضلُ أنْ يكونَ صباحًا أو ضحى؛ للاستفادةِ من إلغاءِ تحضيرِ وجبةِ الغداء في شهر رمضانِ، فأعدّي وحضّري فيها وجبةَ غداءٍ للروح. 7- المُشاركةُ في دوراتٍ قرآنيةٍ لتعلُّمِ قراءةِ القرآنِ الكريم، وتفسيرِ آياتِه المباركة، ولا بأسَ بدراسةِ بعض علومه، فشهرُ رمضانَ هو شهرُ القرآن. وأخيرًا اعلمي يا أخيّة مثلما أمركِ الله (تعالى) بطلبِ العلوم الدينية، كذا أمركِ بعدم الإخلالِ في وظائفكِ في بيتكِ، فحاولي الموازنة. _________________________ (1) سورة التوبة: ٢٢. (2) تفسير الميزان: للعلاّمة الطباطبائي (قدرس سره)، ج9، ص404. (3) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي (قدس سره)، ج6، ص296. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب فضل العلم, ص31, ح7. (5) منية المريد: للشهيد الثاني, ص140. اللهم وفِّقْنا وجميعَ المشتغلاتِ للعلمِ والعملِ الصالح بحقِّ سيّدِنا مُحمّدٍ وآله الطاهرين.

المناسبات الدينية
منذ شهر
96

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(١٧)

بقلم: علوية الحسيني إحياءُ ليلةِ القدر قال (تعالى): {ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر}(1). لا شكَّ ولا ريبَ أنّ أشرفَ الشهورِ شهرُ رمضان، وأشرفَ الليالي ليلةُ القدر. ليلةٌ العملُ فيها يعدلُ ألفَ عملٍ في سائرِ الليالي. ليلةٌ يتصالحُ العبدُ فيها مع ربّه، وتذهبُ الشحناءُ مع أقرانه، وتُقدّرُ فيها مُجرياتُ أمره، ينبغي أنْ يصلَ بالإحياءِ ليلَه بفجره، ويُقرنَ فيها خوفَه من ربّه برجائه. فيا أختاه، ينبغي أنْ تُعِدّي الظروفَ المُناسبةَ لكِ لإحياءِ ليلةِ القدرِ العظيمة، وعدمِ الانهماكِ بالأعمالِ الأخرى التي تهدرُ وقتَكِ وطاقتكِ -وإنْ كان بعضُها ضروريًا أيضًا-، ومن ثم تمنعكِ من إحياءِ الليلةِ بالعبادة. من المؤسفِ نرى بعضَ النساءِ تنهمكُ في ليالِ القدرِ العظيمةِ بطبخِ الطعام، أو بالزياراتِ التي من المُمكنِ أنْ تؤجّلَ إلى وقتٍ آخر! وهذا كُلُّه نتيجةَ عدمِ التأمُّلِ في عَظَمَةِ ليلةِ القدر، وكذا عدمِ التخطيطِ المُسبقِ لكيفيةِ إحياءِ تلك الليلة. هما ليلتانِ يا أختاه، وتُحسَمُ مقاديرُ أموركِ، فلا ينبغي أنْ تتهاوني فيهما؛ رويَ عن حسان بن مهران، عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) قال: "سألتُه عن ليلةِ القدر فقال: "التمسْها [في] ليلةِ إحدى وعشرين أو ليلةِ ثلاثٍ وعشرين"(2). وعن تفصيلِ ما يجري في ليلةِ القدرِ فيرويها لنا إسحاقُ بن عمّار عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "في ليلةِ تسع عشرة يلتقى الجمعان وفي ليلةِ إحدى وعشرين يُفرَقُ كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، وفي ليلةِ ثلاثٍ وعشرين يمُضى ما أرادَ اللهُ (عزّ وجلّ) من ذلك، و هيَ ليلةُ القدرِ التي قالَ اللهُ (عزّ وجلّ): "خيرٌ من ألفِ شهر" قالَ: قلتُ: ما معنى قوله: "يلتقى الجمعان"؟ قال: يجمعُ اللهُ فيها ما أرادَ [من] تقديمِه وتأخيرِه وإرادتِه وقضائه، قال: قلتُ: فما معنى يُمضيه في ثلاثٍ وعشرين؟ قالَ: إنّه يُفرقُه في ليلةِ إحدى وعشرين [إمضاؤه] ويكونُ له فيه البداءُ فإذا كانتْ ليلةُ ثلاثٍ وعشرين أمضاهُ، فيكونُ من المحتومِ الذي لا يبدو له فيه (تبارك وتعالى)"(3). إذًا ينبغي أنْ نستعدّ بأفضلِ استعدادٍ لإحياءِ ليلةِ القدر، فمن المُمكنِ أنْ تنفعكِ هذه الأعمال: 1- ابتعدي عن دعوةِ الضيفاتِ أو أنْ تذهبي ضيفةً عندَ أحد. 2- حاولي إنجازَ أعمالِ المنزلِ ظهيرةَ اليومِ الذي يوافقُ ليلتُه ليلةَ القدر؛ حتى تتفرّغي للعبادةِ ليلًا. 3- إذا كانَ ملقى على عاتقكِ دراسةَ أطفالكِ؛ فحاولي إتمامِها وعدمِ التقصير فيها، والأفضلُ أنْ تُكملي تدريسَهم، ثم تطلبي منهم إحياءَ ليلةِ القدرِ معكِ. 4- الهاتفُ عدوٌّ لدودٌ للوقتِ إنْ لم يُستخدمْ استخدامًا جيدًا ومُنظّمًا وفقَ جدولٍ زمني خاصّ، فحاولي إغلاقَ الهاتفِ والانقطاعَ إلى الله (تعالى) بالطاعاتِ في تلك الليلةِ العظيمة. 5- الاهتمامُ بالغذاءِ الصِحّي وعدمُ الإكثارِ من تناولِ الطعام؛ لأنّ كثرتَه تُسبِّبُ التُخمةَ التي تُكسِلُ عن القيامِ بأيّ نشاط. فاجعلي العِبرةَ في الطعامِ بجودته، لا بكثرته. 6- خطِّطي وبِدقّةٍ ليكونَ طعامُ إفطاركِ في ليلةِ القدرِ طعامًا لا يستلزمُ أوانٍ كثيرة؛ حتى لا تُجهدي نفسَكِ من أولِ الليلةِ المُباركة. بل وهذا يوفِّرُ لكِ بعضَ الوقتِ للقيامِ بأعمالِ المنزلِ الأخرى. 7- لا تغفلي طرفة عين عن ذكرِ إمامِ الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) الذي تتنزّلُ عليه الملائكةُ مع مقاديرِ الأمور. 8- من موجباتِ توثيقِ العلاقةِ مع الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه والشريف) اهداؤه ثوابَ أعمالِ ليلةِ القدر. 9- ينبغي أنْ لا نُفرِّطَ في صلاةِ الليل، ولو أنْ نصليَ الوترَ فقط. 10- المرأةُ الحاملُ –والمريضة كذلك- بإمكانِها أداءَ الأعمالِ من جلوس. 11- المرأةُ النفساءُ ومن بُحكمها بإمكانِها مُراجعة الأحكامِ الشرعيةِ مع النساءِ المختصّاتِ لتعرفَ ما يجوزُ لها القيامُ به. 12- المرأةُ المُرضعُ إذا لم يتيسرْ لها الوقتُ الكافي للقيام بأعمالِ ليلةِ القدرِ لانشغالِها مع طفلِها؛ بإمكانها قراءةَ بعضِ الأدعيةِ أثناءَ إرضاعِ صغيرِها؛ وهذا لا يُفوِّتُ عليها الثوابُ العظيم، بالإضافةِ إلى أنّه يبني روحيةَ هذا الصغير، فيتغذّى بالدُعاءِ أيضًا. 13- إذا زارَ الضيوفُ بيتكِ في تلك الليلة، حاولي أنْ تجتمعي بنسائهم لتؤدّيْنَ بعضَ الأعمالِ العباديةِ معًا، فالعبادةُ الجماعيةُ لا تخلو من بركة. 14- حتمًا هناك أعمالٌ أخرى في ذهنكِ المُبارك يا أختاه، أرجو أنْ تُفيدي بها أخواتكِ المؤمنات. _______________________ (1) سورة القدر: 2 (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج4, باب في ليلة القدر, ص156, ح1. (3) مصدر سابق, ج4, باب في ليلة القدر, ص158 -159, ح8. اللهم بلِّغْنا ليلةَ القدرِ مغفورًا لنا، بحقِّ محمدٍ وآله سادةَ الهُدى.

المناسبات الدينية
منذ شهر
185

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(١٦)

بقلم: علوية الحسيني رَشَحـــاتٌ رويَ عن الإمامِ الكاظمِ (عليه السلام) أنّه قال: "إنَّ لكُلِّ شيءٍ دليلًا، ودليلُ العقلِ التفكُّر"(1). عقلُكِ سلاحُكِ يا أختاه، فالتدبُّرُ والتفكُّرُ ينبغي أنْ يكونا ضمنَ نشاطاتكِ الرمضانية خصوصًا، وفي سائرِ الشهورِ عمومًا. وكثيرًا ما أمرَ اللهُ (تعالى) بالتفكُّر، فراجعي. وخيرُ ما تتفكّرين به هو القرآنَ الكريم، وأدعيةَ الشهرِ الفضيل أثناءَ قراءتكِ لهما؛ فهذا يجعلُ من عبادتكِ عبادةَ معرفةٍ، لا عبادةَ روتينٍ، ويوثِّقُ العلاقةَ بينكِ وبين خالقكِ. ومن الجميلِ يا أختاه أنْ تجمعي رشحات تفكُّركِ، وتُدوّنيها، وتحتفظي بها لأسلافكِ، أو تسعي لطباعتها ونشرِها؛ توسعةً لدائرةِ التثقيف. لاشكّ أنّ عمليةَ التدبُّرِ في الآياتِ الكريمةِ والأدعيةِ الشريفةِ وسطَ أجواءِ الخلوةِ مع اللهِ (تعالى) تُفيضُ رشحاتٍ معرفيةً تسلكُ نحو الكمالِ للنفسِ الإنسانية. وإليكِ بعضُ الأمورِ التي تُعينُكِ على إعدادِ تلك الرشحات, وجمعها: 1- لا بُدّ أنْ تُحيطي روحَكِ بشِباكِ العقيدةِ الصحيحة المُستدّلِ عليها بالأدلة، وإلا فقراءةُ آياتٍ كريمةٍ أو أدعيةٍ عظيمة -إنْ لم تكنْ بعدَ عقيدةٍ راسخةٍ- من الممكنِ أنْ نفهمَ معانيها لكن سُرعانَ ما يشطبُها النسيان. وهذا الأمرُ يرشحُ لكِ مناعةً روحيةً من بكتيريا العقائد الضالة. 2- حُبُّ اللهِ (تعالى) واستشعارُ جانبِ جمالِه -ولو من خلالِ لُطفهِ بعبادِه-؛ حيثُ خلقَ لهم كلامًا يعبدونه به، فكُلُّ شيءٍ منه وإليه، وكذلك الأدعيةُ خلقَ لنا أئمةً (عليهم السلام) ليتكلّموا بها، ونتعبَّدَ بأدعيتهم. وهذا الأمرُ يرشحُ لكِ فيتاميناتٍ روحيةً تفعمُ الروح بعالمِ الهيمانِ في الله (تعالى). 3- التأمُّلُ في قراءةِ القرآنِ الكريم ومُطالعةُ تفسيره ولو مُختصرًا(2)، وكتابةُ ما يترشّحُ منها من تأمُّلاتٍ. وهذا الأمرُ يرشحُ لكِ قراءةً قرآنيةً عميقة. 4- قراءةُ بعضِ الأدعيةِ والمُناجاةِ قراءةً أوليةً ثم قراءةُ شرحها، ثم قراءتُها ثانيًا بخشوعٍ واستحضارِ معانيها الدقيقة(3). وهذا الأمرُ يرشحُ لكِ دعاءً يخاطبُ الروح، والسيرَ على نهجِ أهلِ البيت (عليهم السلام). 5- ضرورةُ العملِ بالقرآنِ الكريمِ والأدعيةِ الشريفة؛ لتكونَ الروحُ مرآةً لذلك التدبُّر. وهذا الأمرُ يرشحُ لكِ تحوّلَ الجانبِ النظري (من قراءةٍ وتفكّر) إلى الجانبِ العملي (من عملٍ دؤوب). ______________________ (1) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, كتاب العقل والجهل, ص16, ح12. (2) يفضّل مطالعة كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي. (3) يفضّل مطالعة كتاب رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام). اللهم إنّي أسألك أنْ تملأ قلبي حُبًّا لك، وخشيةً منك، وتصديقًا بكتابك، وإيمانًا بك، وشوقًا إليك، يا ذا الجلال والإكرام.

المناسبات الدينية
منذ شهر
101

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعيّة(١٥)

بقلم: علوية الحسيني معرفةٌ مهدويةٌ انطلاقًا من الحديث المتواتر لدى جميع المسلمين، وهو ما رويَ عن أبي محُمّدٍ الحسنِ بن علي (عليهما السلام) في الخبرِ الذي رويَ عن آبائه (عليهم السلام): "منْ ماتَ ولم يعرفْ إمامَ زمانِه ماتَ ميتةً جاهليةً"(1)، فلا بد من جعل معرفة إمامِ الزمانِ (عجّل الله فرجه الشريف) ضمنَ النشاطات اليومية... "اللَّهُمّ‏ عَرّفْني حَجّتَكَ فَإنَّكَ إن لَمْ تُعرّفْني حُجّتَكَ ضَلَلْتُ عَن ديْني"(2) دُعاءٌ مرويٌّ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام)، تأمّلي فيما يترتّبُ على عدمِ معرفةِ إمامِ زمانكِ؛ فمن لا تعرفْ إمامَ زمانِها هي ضالةٌ تائهةٌ، لا تعرفُ عقيدةً حقّةً؛ لأنّها لم تمسكْ بحبلِ اللهِ المتين، محُمدٍ وأهلِ بيته الطاهرين. والكلامُ في معرفةِ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف) طويلُ الذيل؛ لذا نأخذُ منه ما يخصُّ شهرَ رمضانَ المُبارك، ونتركُ بيانَ التفصيلِ إلى محله(3). إن أدنى درجاتِ معرفةِ الإمامِ هي ما أوضحَها لنا الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) فيما رويَ عنه: "وأدنى معرفةِ الإمامِ أنّه عِدلُ النبيّ إلا درجة النبوةِ ووارثِه، وإنّ طاعتَه طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولِ الله، والتسليمُ له في كُلِّ أمرٍ والردُّ إليه والأخذُ بقولِه"(4) وهناك معارفِ مهدوية خصوصًا تتعلّقُ منها في شهرِ رمضانَ المُبارك، وهي: 1- صيحةٌ جبرائيليةٌ في شهرِ رمضان اعلمي يا أُختاهُ أنّ الصيحةَ أو النداءَ السماويّ علامةٌ من علاماتِ ظهورِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف، تحصلُ في شهرِ رمضانَ المُبارك، تحديدًا في ليلةِ الثالثِ والعشرين من شهر رمضان، يُنادي بها جبرائيلُ (عليه السلام) باتباعِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). رويَ عن أبي بصير عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "... إنَّ قدامَ هذا الأمرِ خمسَ علاماتٍ: أولاهن النداءُ في شهرِ رمضان، ... ولا يخرجُ القائمُ حتى يُنادى باِسمِه من جوفِ السماءِ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين في شهرِ رمضانَ ليلةَ جمعة. قلتُ: بِمَ يُنادى؟ قالَ: باِسمهِ واسمِ أبيه، ألا إنَّ فلانَ بن فلانٍ قائمُ آلِ محمدٍ فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيءٌ من خلقِ اللهِ فيه الروحُ إلا يسمعُ الصيحة، فتوقظُ النائمَ ويخرجُ إلى صحنِ دارِه، وتخرجُ العذراءُ من خدرِها، ويخرجُ القائمُ ممّا يسمع، وهي صيحةُ جبرئيل (عليه السلام)"(5). فلعظمةِ هذه العلامةِ ينبغي أنْ تحيطي علمًا بها؛ لتكوني على بيّنةٍ في ذلك الزمن، وتؤمني بما يُنادي به جبرائيلُ (عليه السلام). ولمعرفةِ تحليلِ مضمونِ هذه الرواية، ووجهِ إعجازِ الصيحةِ، وهدفِها يُحالُ إلى محلِّ تفصيله(6). 2- صيحةٌ إبليسيةٌ في شهرِ رمضان واعلمي يا مؤمنةُ أنّ هناك صيحةً يُصدِرُها إبليسُ وأتباعُه غير الصيحة الجبرائيلية، ووقتُ هذه الصيحة هو آخرُ نهارِ اليومِ الثالث والعشرين من شهرِ رمضانَ المُبارك، الموافق يومَ الجمعة. فينبغي أنْ تعرفي هذه الحقيقةَ لئلا تكوني من أهلِ الضلال، وتتبعي صيحةَ إبليس، فاغتنمي وقتكِ في هذا الشهرِ الفضيل، وتثقّفي في قضيةِ إمامِ زمانكِ. رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "...يُنادي مُنادٍ من السماءِ أولَ النهارِ يسمعُه كُلُّ قومٍ بألسنتِهم: ألا إنَّ الحقَّ في عليٍ وشيعتِه. ثم يُنادي إبليسُ في آخرِ النهارِ من الأرض: ألا إنَّ الحقَّ في عثـمانَ وشيعتِه فعندَ ذلك يرتابُ المُبطلون"(7). فيبقى الناسُ –غير العارفين- في حيرةٍ وتيهٍ، أيّ الصيحيتين يتبعون؟! فتسلّحي بالعلمِ والمعرفةِ من الآن. وللاطلاعِ على تفصيلٍ أكثر على هذه الصيحةِ مطالعةُ الموقعِ المُدرجِ في الهامش(8). 3- كسوفُ الشمسِ في شهرِ رمضان وهذا الحدثُ ليسَ من العلاماتِ الحتمية، لكنَّ وقوعَه ممكنٌ، رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "تنكسفُ الشمسُ لخمسٍ مضينَ من شهرِ رمضانَ قبلَ قيامِ القائمِ (عليه السلام)"(9). 4- نزولُ الملائكةِ على إمامِ الزمان في شهرِ رمضان وذلكَ في ليلةِ القدر، حيثُ تُقدَّرُ الأمورُ وتُعرضُ عليه (عجّل الله فرجه الشريف)؛ رويَ عن النبيّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله): "آمنوا بليلةِ القدرِ، إنَّها تكونُ لعليٍ بن أبي طالب ولولدِه الأحدَ عشرَ من بعدي"(10). وهناك أحداثٌ مهدويةٌ رمضانيةٌ حصلتْ في الأزمنةِ السابقةِ بإمكانكِ مُطالعتها والإحاطةُ علمًا بها من مصدرِها الجامعِ لها المُشار له في الهامش"(11). فيا أختاه، اغتنمي أوقاتكِ، وثقِّفي نفسَكِ ومُحيطكِ بقضيةِ إمامِ زمانكِ في شهرِ رمضان، واجعليه نشاطًا رمضانيًا تُكرّرينه كُلَّ عام. _______________________ (1) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج16, ب33, ص246, ح23. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب في الغيبة, ص342, ح29. (3) ظ: مدونة الكفيل, مثلث الشعيرة الشعبانية: لعلوية الحسيني, ح1, معرفة الإمام. (4) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج36, ص407. (5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب16, ص299-300, ح6. (6) ظ: مدونة الكفيل, الصيحتان الجبرائيلية والإبليسية (دراسة مقارنة): لعلوية الحسيني, ج1. (7) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص435. (8) ظ: مدونة الكفيل, الصيحتان الجبرائيلية والإبليسية (دراسة مقارنة): لعلوية الحسيني, ج2. (9) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج1, باب57, ص683, ح28. (10) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، عليهم السلام), ص533, ح12. (11) ظ: التقويم المهدوي: للسيد محمد القبنجي والشيخ ياسر الصالحي, ف1, ش9. اللهم عرّفني حجّتكَ, فإنّكَ إن لم تعرّفني حجّتكَ ضللتُ عن ديني.

المناسبات الدينية
منذ شهر
86

نشاطاتٌ رمضانيةٌ للمرأةِ الشيعية(١٤)

بقلم: علوية الحسيني فقهيّاتُ الصوم رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "ما مِنْ حركةٍ إلا وأنتَ مُحتاجٌ فيها إلى معرفة"(1). لا يخفى ما للصومِ من فضائلَ عديدةٍ، لا يسعُ المقامُ لبيانها، إلا أنّ المُهِمَّ فيها هو معرفةُ كيفيتِها الصحيحةِ بالرجوعِ إلى أهلِ الاختصاصِ الفقهي. وحيثُ إنّ المنظومةَ الدينيةَ تُشكِّلُ هرمًا مُتقوِّمًا بالعقائد والفقه والأخلاق، فالكلامُ حصرًا في ثاني رُكنٍ من أركانِ هذا الهرم، وهو الفقهُ الشاملُ للعباداتِ والمُعاملات، وبالتحديدِ في إحدى العبادات وهي الصوم. وبما أنّ الفقهَ له ارتباطٌ وثيقٌ بالعقائدِ من جهةٍ وبالأخلاقِ من جهةٍ أُخرى، فالصومُ كذلك، وإلّا فصومٌ بلا عقيدةٍ وأخلاقٍ ليس هو الصومَ الذي يُريدُه اللهُ (تعالى). رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "... ألا لا خيرَ في عبادةٍ لا فقهَ فيها"(2). فالحديثُ يُشيرُ إلى خطورةِ العبادةِ من دونِ علمٍ. فيا أُختاه لا تنشغلي في شهرِ رمضانَ المُباركِ بإعدادِ الطعامِ فقط أو بكثرةِ الزياراتِ غيرِ الضرورية، وخصِّصي وقتًا لتعلُّمِ أحكامِ الصومِ التي تُبتَلين بها، أو ليكنْ لكِ تواصُلٌ دائمٌ مع النساءِ اللواتي يتولينَ الإجابةَ عن المسائلِ الفقهية، واطرحي عليهنّ أسئلتكِ الابتلائية. بل من الكمالِ تصدّيكِ لتعلُّمِ جميعِ أحكامِ الصوم –ليستِ الابتلائية فقط- بانضمامكِ إلى أخواتكِ الرساليات؛ لتكوني نبراسًا لنساءِ مُجتمعكِ. وها هو الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) يذمُّ من لم تكنْ له معرفةٌ بأحكامِ عباداتِه ومُعاملاتِه؛ مثلما رويَ عنه حينما قالَ: "ليتَ السياطَ على رؤوسِ أصحابي حتى يتفقّهوا في الحلالِ والحرام"(3). وعليه، لا بُدّ من معرفةِ أحكامٍ مُهِمّةٍ حولَ الصوم، وتعبُّدِ اللهِ (تعالى) بها، وذلك بالرجوعِ إلى الرسالةِ العمليةِ للمُجتهدِ الجامعِ لشرائطِ التقليد، ومنها: 1- أحكامُ نيّةِ الصومِ والتردُّدِ أو الشكِّ في النية. 2- أحكامُ المُفطِرات. 3- أحكامُ سفرِ الصائمةِ مع نيّةِ الإقامة، أو التردُّدِ فيها. 4- أحكامُ زيارةِ الصائمةِ بيتَ أهلِها مع تحقُّقِ المسافةِ الشرعية. 5- أحكامُ لوازمِ الصومِ مثل بعضِ أحكام الطهارة. 6- أحكامُ تذوّقِ الصائمةِ الطعام. 7- أحكامُ مرضِ الصائمة. 8- أحكامُ زكاةِ الفطرة. 9- أحكامُ الصومِ والدراسة. 10- أحكامُ الحاملِ والمُرضِعِ الصائمة. 11- الأحكامُ الابتلائية للصائمة. 12- أحكامُ مكروهاتِ الصوم. 13- أحكامُ الصومِ عند احتياجِ الصائمِ إلى الإبرةِ والمُغذّي والبخّاخ. 14- أحكامُ الصومِ عندَ استنشاقِ دُخانِ الطبخ، أو الغُبارِ عندَ تنظيفِ البيتِ مثلًا. 15- أحكامُ الصومِ والوسواسِ في العبادة. 16- أحكامُ الصومِ وقراءةِ القرآنِ الكريم. 17- أحكامُ الصومِ ومُستحضرات التجميل. 18- أحكامٌ أخرى أتركُ استحضارَها لكِ أُختاه؛ لتتأمّلي في وجوبِ معرفةِ الأحكامِ الشرعيّةِ للصوم. ___________________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج74, ص412. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب صفة العلماء, ص36, ح3. (3) المحاسن: للشيخ البرقي, ج1, ص229, ح163. اللهُمَّ اجعلْ نساءنا في صومِهنّ مُتفقِّهاتٍ، ولرضاكَ ساعياتٍ، بحقِّ سيدِنا محُمّدٍ وآله (عليهم أفضل الصلوات).

المناسبات الدينية
منذ شهر
80

موائدُ البركةِ...

بقلم: حنان الزيرجاوي لشهرِ رمضان الكريم سحرُ الألفةِ والحضورِ الوجداني الفاعل؛ ففيه يلتئمُ أفرادُ الأسرةِ على مائدةِ إفطارٍ واحدةٍ، بعدَ أنْ كانَ الجميعُ –ربما- في شُغلٍ وانشغالٍ عن هذا التجمُّعِ المُبارك في سائرِ شهورِ السنة، فيكونُ بمنزلةِ العودةِ لذلك الحنانِ الأسري والعطفِ الرمضاني بينَ أفرادِ الأسرة؛ ليعُمَّ الخيرُ وتُستجابُ الدعواتُ في أريجِ هذا الحضورِ الذي تُباركُه السماء. هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافةِ الله.. فيا لهذا الشرفِ وهذهِ النعمةِ التي يدعونا فيها ربٌّ كريمٌ مُقتدرٌ إلى كنفِه وربوعِ لُطفِه وحنانه، ويعدُنا بكثيرِ نعمه وجزيلِ عطائه؛ إذ تنزلُ الرحمةُ وتعمُّ المودةُ في الأسرةِ المُفعمةِ بعبقِ الإيمان وذكرِ الرحمن. وهذه النعمُ العميمةُ يجبُ أنْ نعكسَها على أسرتِنا وعائلتِنا ونكونَ مرآةً للُطفِ اللهِ (تعالى) وحُبِّه، ونتمثَّلُ به ونتماثلُ بأخلاقِه. وهنا تقعُ المسؤوليةُ على ربِّ الأسرةِ في الاستفادةِ من هذه الأجواءِ الرمضانيةِ المُباركة وجلوسِ جميعِ أفراد الأسرةِ حولَ مائدةٍ واحدة. فأيامُ شهرِ اللهِ (تعالى) هي غنيمةٌ لمن يُحسِنُ الاستفادةَ، فهي عامرةٌ بالفُرَصِ، ومليئةٌ بالفائدة، فعلى الصعيدِ الأسري وخصوصًا في أيامِنا الحالية التي ألزمَنا فيها الوباءُ بالجلوسِ في البيوت، حيثُ نكونُ أكثرً قربًا للعائلة، فليكُنْ مكوثُنا مدروسًا ومُخطّطًا له ليتحوّلَ هذا الحجر إلى فرصةٍ لا تُعوّض؛ فعلى صعيد العلاقةِ الزوجيةِ يُمكِنُ للزوجِ أنْ يكونَ لزوجته سندًا وعونًا، يُشعِرُها بالحنانِ ويُخفِّفُ عنها عناءها، ويكونَ بلسمًا لها حين النّصب.. أما من ناحيةِ الأولادِ، فيمكنُ للأبِ أنْ يُعوِّضَهم الحُبَّ ويُشاركَهم أفكارَهم وألعابَهم وأحلامهم.. ويوجّههم ويراقبهم ويشاورهم.. فُرصةٌ للأبِ وللأمِّ لتعديلِ مسارِ وسلوكياتِ أفرادِ الأسرة، وإشباعِ ما غفلا عنه في الأشهر السابقة لانشغالاتهم بالعمل أو بأمورِ الحياةِ الأخرى، والإصلاحِ فيما بين الأبناء إذا كانتْ هناك خصوماتٌ أو نزاعاتٌ بينهم، وتوضيحِ بعضِ المفاهيمِ لهم عن صلةِ الرحمِ وآثارِها الإيجابيةِ والروحيةِ في حياةِ الفردِ والمُجتمع، وسردِ بعضِ الرواياتِ التي تزيدُ الكلامَ حلاوةً وعذوبةً، وتذكيرِهم بعدمِ الغفلةِ عن الأيتامِ والفقراء، وتوضيحِ أهميةِ تطبيقِ مبدأ التكافُلِ الاجتماعي الذي أكّدَ عليه الباري (عز وجل) لما فيه صلاحُ المُجتمع، وبثِّ روحِ التعاونِ فيما بينهم وليبدآ بنفسيهما فيُساعدَ الأبُ زوجتَه في إعدادِ وجبةِ الفطور أو السحور أو بتجهيزِها، والمُبادرةِ بالكلمةِ الطيّبةِ التي يملأُ شذاها أركانَ البيت، وبتعليمِ أطفالهما آدابَ الجلوسِ على المائدةِ عندَ بدءِ الإفطارِ بذكر الله (تعالى)... ومن الناحيةِ الأهمّ، أنْ لا يغفلَ الإنسانُ عن العلاقةِ مع ربِّه، فليعلم أنّ منها ما ينعكسُ عليه ذاتيًا ومنها ما ينعكسُ على عائلته لتبثَّ فيها روحَ الاندفاعِ نحو خالقِهم.. الأجواءُ الرحمانيةُ تولِّدُ استعدادًا بداخلِ الفردِ لاستقبالِ ما يُقرِّبُه للهِ (تعالى) أكثر، واستجابةِ الدعاءِ برفع الأيدي بدُعاءٍ جماعي لقلوبٍ مُتآلفةٍ وليجعل أولَ الدعواتِ بالفرجِ لمولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه) ليزرعَ فيهم معنى انتظارِ الفرج، وليُعلِّمَهم أنّ فرجَنا بفرجِ إمامِنا وولي أمرنا (عليه السلام). فاستثمروا شهرَ الخيرِ؛ ففيه ما فيه من عطايا خفيةٍ وظاهرةٍ، فهو أيامٌ معدوداتٌ وشهرٌ قصيرٌ لا يحتملُ التقصير.. وتجارةٌ رابحةٌ لمن أدركَ معرفته، فلا تبيعوه بثمنٍ بخس.

المناسبات الدينية
منذ شهر
123

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
91600

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
90643

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
49265

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
47303

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
47285

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
46975