حوار بين زهرات الضريح

بقلم: يا مهدي أدركني كانتِ الفرحةُ تغمرُهن بشدّة حتى بانتْ ملامحُها لكُلِّ من ينظرُ إليهن، وكانَ الجميعُ يغبِطُهن ويتمنّى أنْ ينالَ ما نِلْنَ من الحظِّ الوفير. كُنتُ واقفةً أُراقبُ النظراتِ وقلبي تملأُه البهجةُ، كيفَ لا، وأنا في واحةِ العشقِ أرتعُ... على الرغمِ من أصواتِ الأهازيجِ وما يتخلّلها من صلواتٍ، كُنتُ أسمعُ همساتٍ من فوقِ ذلك الشباكِ الفضي، فقرّرتُ أنْ أقتربَ قليلًا وإذا بتلك الزهورِ التي تعلو ذلك الشباك يُراقِبْنَ نظراتِ الغِبطةِ في عيونِ الجميع ويتحدّثنَ بكلماتِ حمدٍ وشكرٍ للمعبودِ الذي حباهنَّ بهذه النعمةِ العظيمة. كانَ من بينِ تلك الكلمات سؤالٌ من إحدى الزهرات: - ماذا ستكونُ إجابتي عندَما أُسألُ عن هويتي؟! هل أستطيعُ القولَ: إنّي زهرةُ الجوري التي كانتْ تُزيّنُ ضريحَ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) في يوم مولده؟! فأردفتِ الأخرى مُجيبة بسُرعة: - كيف تجرُئين على ذلك يا عزيزتي؟! فنحنُ من نتزيّنُ بهذهِ البقعةِ المُباركة... ألم تفهمي معنى تلك النظراتِ بعد؟! فهي لا تتجهُ إلا لزهورِ ضريح الإمامِ الحسين (عليه السلام). وإذا بأخرى تتكلّمُ بصوتٍ حزين: - كيفَ إذا ذبلتُ بسُرعةٍ، فإنّي حينئذٍ لا أليقُ بهذا المكانِ وسيستبدلونني بغيري؟ أجابتها زهرةٌ بيضاءُ ناعمة: لن نذبلَ تأكّدي من ذلك؛ ألا ترينَ إلى وجوهِ الزائراتِ كيفَ يصلنَ وعلى وجوههِنّ آثارُ تعبِ السنين وهمومِ الدهر والآهاتِ ولكن بمُجرّدِ أنْ يستنشقنَ عطرَ الضريحِ تنتعِشُ أرواحُهنَّ وتعلو وجوهَهنَّ البسمات؟! - أحسنتِ عزيزتي، فقد سمعتُ صوتَاً ضعيفاً لأُمٍّ تشكي فقدَ ولدِها الشهيدِ ولكنّها بمُجرّدِ أنْ بثّتْ همومَها وإذا بها كروحِ زُليخا تستعيدُ نشاطَها من جديد. فتبسّمتُ لحديثِهنّ واقتربتُ من الشباكِ لأستنشقَ رائحةَ الزهورِ فإذا بإحداهنّ تُخبِرُني: - ليس لشذانا من وجودٍ؛ فقد تلاشى في عطرِ سيّدي الحُسينِ (صلوات الله وسلامه عليه)

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
112

"أتيتُك عارفًا بحقِّك"*

بقلم: يا مهدي أدركني عبارةٌ طالما استوقفتُ عندَها كثيرًا حيثُ تتلعثمُ الحروفُ ويعجزُ اللسانُ عن النُطقِ بها، فتنهملُ الدموعُ وتنقطعُ الأنفاسُ وتنبثقُ في تلك اللحظةِ تساؤلاتٍ عديدةٍ، من أهمِّها: هل أنا عارفٌ بحقِّ هذا الإمامِ العظيم حقًا؟ إن الإجابةِ تفرضُ نفسَها من دونِ أيّ تردُدٍ: كلّا، ولنْ أصلَ إلى معرفتِهم، ولكن هذه الزيارةُ واردةٌ عن معصومٍ، وهو يعلمُ بأنْ ليسَ كُلُّ من يقرأُها سيكونُ على مستوى من الولايةِ والمعرفةِ بالإمامِ (صلوات الله وسلامه عليه)، وعليه، لا بُدَّ من تفسير لهذه العبارة متناسب مع إدراكنا، وإلا سنقعُ بينَ محذورين: الأول: إمّا أنْ نكونَ ممّن يكذبُ على الإمامِ (عليه السلام). الثاني: وإمّا أنْ نكونَ على معرفةٍ فعلًا بالإمامِ (عليه السلام) ولكن مع هذه المعرفةِ فنحنُ نبخسُ حقَّه (سلام الله عليه)، وأينَ المفرُّ من عقابِ هذا الفعلِ الشنيع؟! فما تفسيرُ هذه العبارة؟ سنبحثِ الأمرَ من خلالِ محورين: المحور الأول: المعرفة. المعرفة في اللغة هي ما يقابل النُكر، والعرفانُ يُضادُّ الجهل. فهو مُقاربٌ لمعنى العلمِ؛ حيثُ إنّ العلمَ يُقابِلُ الجهلَ أيضًا، ولكنْ هناك فرقٌ جوهري بينَ العلمِ والمعرفةِ، وهو: أنَّ العلمَ هو إدراكٌ للكُلّياتِ، أمّا المعرفةُ فهي إدراكٌ للجُزئيات. أو قل: إنّ العلمَ هو إدراكُ حقيقةِ الشيء وجوهرِه، أمّا المعرفةُ فهي إدراكُ الصفاتِ والملامحِ الخارجيةِ للشيء. ويتفرّعُ من هذا الفرقِ الجوهري: أنّ الإنسانَ مهما اجتهدَ في البحثِ ومهما وصلَ إلى درجاتِ الكمالِ الإدراكي، إلا أنّه لا يستطيعُ أنْ يصلَ إلى العلمِ بحقيقةِ الله (تعالى)؛ فهو يدورُ فقط في حيزِ المعرفةِ المُختصّةِ بصفاتِه وأفعالِه وآثارِه (جلَّ وعلا)، ولذا لا يُقالُ عن العبدِ بأنّه عالمٌ باللهِ (تعالى) وإنّما يُقالُ عارفٌ باللهِ (جلَّ وعلا). ومعرفةُ اللهِ (تعالى) من الأمورِ البديهيةِ الواجبةِ على المُكلّفين عامةً؛ لأدلة كثيرة من قبيل: دليلِ وجوبِ دفعِ الضررِ المُحتمَل وقوعُه منه (تعالى) على العبدِ الآبق، ودليلِ وجوبِ شُكرِ المُنعمِ (الله جلّ وعلا)، وعليه فإنّ معرفةَ المُنعِمِ للإتيانِ بشُكرهِ على الوجهِ الأصحِّ والأتمِّ تكونُ واجبةً أيضًا (ولمن يرغبُ في تفاصيل هذين الدليلين عليه بالبحثِ في علمِ الكلام). فإذا كانتْ معرفةُ اللهِ (تعالى) أمراً مُمكناً عقلًا وشرعًا حيثُ إنّه (تعالى) لا يُكلِّفُ العبدَ بما لا يُطيق؛ لأنّه أمرٌ قبيحٌ وهو خارجٌ عن ساحةِ قُدسِه (جلَّ وعلا)، فتكونُ من بابٍ أولى معرفةُ الإمامِ مُتاحةً للبشرِ أيضًا. ولذا حثت الروايات الشريفة على معرفتهم، وهناك إشارات كثيرة في هذا المجال، من قبيل ما روي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) عَارِفًا بِحَقِّهِ كَانَ كَمَنْ زَارَ اللهَ فِي عَرْشِه»(1). وبما وردَ في الزيارةِ الجامعة: "ما مِنْ وضيعٍ ولا شريفٍ ولا عالمٍ ولا جاهلٍ إلا عرفَ جلالةَ قدرِكم" المحور الثاني: أقسامُ المعرفة. إنَّ المعرفةَ تنقسمُ إلى ثلاث درجات بلحاظِ درجاتِ التكامُلِ التي يصلُ لها الإنسان: الأولى: المعرفةُ الإجماليةُ: ويُمكِنُ تسميتُها أيضًا بالمعرفةِ التأمُّلية، وهي أدنى درجاتِ المعرفةِ، فهي كمعرفةِ مَنْ رأى دُخانًا من بعيدٍ فأدركَ بوجودِ نارٍ. وهذا النوعُ من المعرفةِ يشملُ جميعَ أفرادِ البشر، فهو إدراكٌ للأمورِ البديهيةِ التي لا تحتاجُ إلى بحثٍ طويلٍ واستدلالٍ للوصولِ إليها. وعلى هذا نجدُ أنَّ المعرفةَ في العبارةِ التي تقدّمتْ في الزيارةِ الجامعةِ تشملُ حتى الجاهل، فهي معرفةٌ واضحةٌ جليّةٌ لا يُنكِرُها إلا مُعاند. الثانية: المعرفةُ الحسّية: وتقعُ بينَ الأولى والثالثة، فهي أعلى درجةً من الأولى حيثُ تحتاجُ إلى بذلِ جهدٍ للوصولِ إليها. وفيها درجاتٌ كماليةٌ أعلى من الأولى؛ فهي كمن سعى إلى مكانِ الدُخانِ الذي رآه من بعيدٍ حتى وصلَ إلى النارِ ورآها بعينِه وأحسَّ بدفئها. الثالثة: وهي أعلى درجاتِ الكمال: ومعها يحصلُ على أعلى درجاتِ اليقين وتنكشفُ الحُجُبُ، وهي خاصةٌ بالمعصومين (صلواتُ الله وسلامُه عليهم). والخُلاصة: أنّ المعرفةَ أمرٌ مُشكِّكٌ مُتفاوِتُ الدرجات.. وممّا لا شكَّ فيه إنّ لكُلِّ إنسانٍ معرفةً بالمعصومِ ولو كانتْ ضئيلةً، إلا أنّها موجودةٌ ولا يُمكِنُ نُكرانُها، ولكن على الإنسانِ المُحِبّ الموالي السعي للاستزادةِ من تلك المعرفة. وبمُجرّدِ هذا الشعورِ والرغبةِ المُتولِّدةِ داخلَ الإنسانِ ستُفتَحُ له آفاقٌ من المعرفةِ؛ فإنَّ العلمَ نورٌ يقذفُه اللهُ (تعالى) في قلبِ من يُحِبُّ من عِبادِه. وهذه المعرفةُ ستولَّدُ دافعًا لطاعةِ الأئمةِ (سلام الله عليهم) وإدخالِ السرورِ على قلوبِهم باتباعِ ما أمرونا به ونهونا عنه؛ لنكُون لهم زينًا بأفعالِنا ودُعاةً صامتين، كما كانَ ثُلةٌ من الصحابةِ الذين ما زلنا نستضيءُ بنورِ كمالِهم المعرفي بأئمةِ زمانِهم كسلمان المُحمّدي ومالك الأشتر وحبيب بن مظاهر وأبي حمزة الثمالي وابن يقطين وغيرهم من الصحابةِ الأجِلّاء (رضوانُ اللهِ (تعالى) عليهم) الذين كانوا يتبعون أئمتَهم (سلام الله عليهم) كظِلِّهم وتمسّكوا بحروفِهم ليبلغوا بذلك الدرجاتِ العُليا ويفوزوا بالفوزِ الأعظم. فالسلامُ على الإمامِ موسى بن جعفرِ الكاظم.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * من زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام)/ (1) كامل الزيارات:١٤٩..

المناسبات الدينية
منذ 4 أسابيع
103

وراءَ الباب

بقلم: خديجة علي العينانِ المُبتلتانِ بالخوفِ التقتا على عجلٍ كومضةِ ضوءٍ في ظلام... تتلألآن بنيازك دمعٍ جارفةٍ لا تتوقُف... لاحتْ بينهما أحاديثُ تائهةٌ سريعةٌ ... استغرقتْ سنينَ ضوئيةً طويلةً بحجمِ الكارثةِ التي حدثتْ للتوّ ... أنفاسُهما المُتسارعةُ ترتطم في صدريهما... إلا أنّها تتكسّرُ في صدرِ إحداهما.. روحُ فاطمةَ تخفتُ على مهلٍ كفتيلِ مصباحٍ يوشِكُ على الأفول.. تجسُّ وجهَ أُمِّها المُحمّرِ الساخنِ المُسخَّمِ بالدُخانِ بأصابعها الصغيرة.. دخانٌ أسودُ يُحاصرُهما... وأصواتُ احتراقِ الخَشَبِ تختلطُ مع صيحاتِ الوحوش... مطرٌ برتقالي يتطايرُ شررًا... تُحاوِلُ ضمَّ أُمِّها بذراعيها.. بيدَ أنّها هلالٌ صغيرٌ يُحاولُ أنْ يتقوّسَ حولَ الشمس.. كفُّها.. ملابسُها.. خدُّها.. كُلُّها اصطبغتْ بدماءِ الضلعِ المُهشَّم.. مهلًا! المسمارُ مسجَّرٌ بفعلِ حرارةِ النيران.. لقد كوى صدرَ أُمِّها، ولم يُهشِّمْه فحسب! تصرخُ الصغيرةُ بهلع! فيخرجُ صوتُها مُتحشرجًا كأنّما كبُرَتْ أعوامًا في لحظاتٍ حينما تتلمّسُ راحتيّ والدتِها.. إنّهما محروقتان أيضًا! روحُ فاطمةَ تطفو بالهواءِ.. تستنشقُ زينبُ بعضًا منها فيسري ما يسري في عروقِها.. تتعلّقُ في صداها.. في مدارها.. في عالمِها الغامض الفضي.. تتشرّبَه كمنديلٍ سقطتْ عليه قطرةُ ماءٍ... مغمضةً عينيها.. بقلبٍ مُلْتاعٍ بالكاد تُمسِكُه..

المناسبات الدينية
منذ شهرين
136

أُمُّ البيت

بقلم: زهراء حسام صاحبةُ الدارِ ليستْ هُنا، وأزيزُ المرجلِ ينتظرُ الحضور، وتنورُ الطينِ بانتظارِ اكتمالِ العجين، وهذا البساطُ خالٍ، ليسَ عليه أحدٌ سوى زغبِ جناحٍ كبيرِ كأنّه تخلّفَ من مَلَكٍ وليسَ من طير، تتقدّمُه رحى تدورُ من تِلقائها، تدورُ وتطحنُ من دونِ يدين! يبدو على عمودِها شيءٌ كأنّه زهرةٌ حمراء... سمعتُ صوتًا من خلفِ ملاءةٍ مِن استبرق: - لقد طحنَتْ حتى مَجُلَتْ يداها وتلك دماءٌ على عمودِ الرحى! - دبرتْ كفّا فاطمة وفضّة معها؟ - أجل؛ لأنّها تقول: «أوصاني رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) أنْ تكونَ الخدمةُ لها يومًا، فكانَ أمس» فأبَتْ إلا أنْ تُكمِلَ عملَ بيتِها بمُفردِها. - ولماذا تستمِرُّ هذه الرحى بالدوران؟! - إنّه فوجٌ من الملائكةِ استأذنَ العليَّ الأعلى لمُساعدةٍ فاطمةَ في الأعمالِ القُدسيةِ. ولمَ لا، وعلى معرفتِها دارتِ القرونُ وعلى رحاها تدورُ الأملاكُ. - وأينَ هيَ، هل هيَ نائمةٌ؟ - بل في زاويةِ تلك الغُرفةِ، جالسةً جهةَ القبلةِ في يدِها مسبحةٌ طينيةٌ وتُرضِعُ الحُسين...

المناسبات الدينية
منذ شهرين
132

الرّصاصُ في ضلوعِ فاطِمَة!

بقلم: غدير الكربلائي بعد ما تصرّمتِ السِّنيُ العِجافُ من الحُكمِ الدّيكاتوريّ البائد، واندرس آسنُ طلولِ البعث الصّدّامي القابعة في قُعورِ الحَضيض والغضّة؛ تندّحَ الجسدُ الشّيعيُّ الهوينا، وتنفّسَ الصّعداءَ بعدَ حبسٍ دامَ ثلاثين عامًا ونيّفاً؛ فنافَ العسجد، ووُفِدَ فيها المسجد بعدَ أنْ أضحى المرءُ ردحًا، أنْ يُعيّرَ بعِرضه خيرٌ له من أن يُوسمَ بالـ "مُتديّن" خشيةَ أنْ يطالَهُ بطشُ الطُّغيان، وغطشُ النّظامِ الغاشمِ الآثم. وحتّى لو كانَ زاهدًا بنفسه، بَيدَ أنَّ أهلَه وبنيه لن يسلموا البتّة من شططِ فرعونِ العراق آنذاك، يُذبِّحُ أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ فيتصبّرُ بمُرِّ الحنظل على مضضٍ وينزوي إذا ما ارعوتْ دموعُه، ويستفيقُ لاطمًا وعيه يتوجّسُ خِيفةً سُماع "أذن الحائط" ما تُخفي مُختلجاته من لواعجَ وشجن. وعلى الرّغمِ من جبروتِهم ذاك إلا أنّهم كانوا أجبنَ من أنْ يُذكرَ اسمُ الحُسينِ (صلوات الله عليه) أمامَهم على مرأى ومسمع جِهارًا نهارًا، فعزموا أنْ يخمِدوا جذوةَ تِلكَ الجمرةِ الموقدةِ في قلوبِ المؤمنين، وأن يُطفئوا نورَ الله (تعالى) بأفواهِهم؛ "وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"؛ فكانوا يحظرون إقامةَ شعائرِه وإحياءَ ذكره بأيّ شكلٍ من الأشكال، ويُقيموا الحدَّ بذبحِ الأوداجِ وسلخِ الأثباج، وكأنّ مُحييها قد أقام بِدعةً وأحيا فتنةً. ولَودّوا لو يُبعثَ أبو الأكبر (عليه السلام) الكَرّة ليحتزّوا رأسه ويقطعوا نحره، احتذاءً بجدّهم يزيد (عليه وعليهم لعائنُ الله (تعالى)). واحدةٌ من جرائمهم تلك ما جنتْه يدُ الخؤونِ "حسين كامل" بمؤازرةٍ من الحرسِ الجمهوريّ والحرسِ الصّداميّ الخاص بإمرةِ رئيسِهم العتريس عَام ١٩٩١، إذ هجموا بجحافلِهم على أرضِ كربلاءَ المُقدّسة واقتحموا العتبتين المُطهّرتَين كما صنعَ أجدادُهم بالأمسِ على أعتابِ بيتِ بنتِ رسولِ الله (صَلَّى الله عليه وآلِه) فحشّدوا جزلهم ونيرانهم، وتراشقوا الرّصاصَ والقنابلَ في بيوتٍ أذنَ اللهُ (تعالى) أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه! فذي الدّساكرُ والأزقّةُ والطُّرقاتُ شاهدةٌ على ما قد عاثوا في الأرضِ فسادًا يومئذٍ حيثُ عرّضوا الحرمَ الحُسيني خصوصًا ومتعلّقات أهالي كربلاء عمومًا لسيلٍ من الاعتداءات والانتهاكات برمي الإطلاقاتِ النّارية وقنابلِ المدفعيّاتِ الحربية، وسلب النّفائسِ ومدّخراتِ النّاس اليسيرة حتى كادَ أنْ يخسفَ اللهُ (سبحانه) بهم الأرضَ لولا رحمته بمن فيها من الغيارى ذوي الشّرف والنّاموس؛ إذ مَسَّ رصاصُهم الشُّباكَ الشّريف على وجهِ الخصوص، فولجتْ في أعضاده وأضلاعه شظاياه كما ولجَ المسمارُ في ضلعِ الزّهراء (صلوات الله عليها)، وفي داخلِ مفاصلِه ما لم يُستخرج فخفيَ وكانَ أعظم، حتّى دارتْ رحى الأيّامِ طاحنةً غطرستهم وزهوهم لتُرديهم فئرانًا تختبئُ في جحورها، أو جيفةً يستنكفُ ذبابُ المُستنقعاتِ من زنخها. فاح ريا التّفاح من منحرِه الأقدس، فسما عمودُ وِترِ اللهِ (تعالى) وثارِه الذّي لن يُدرس أثره ولن يُمحى رسمُه على كرورِ اللّيالي ومرورِ الأيّام، شاهقًا يتحدّى الشّموخ، كدمِه الزّاكي الذّي انحدرَ إلى السّماءِ ليسكنَ الخُلدَ وتقشعرَّ له أظلّةُ العرشِ مع أظلّةِ الخلائق، ولتواصلنّ أمُّ أبيها عزاءها عليه فلتبكينّه وتشهق، ولتغدونّ الملائكةُ شاجّي رؤوسهم بجأشٍ ونشيجٍ غدوًّا ورواحًا إلى حضيرةِ القُدسِ التّي بها باهى اللهُ (تعالى) سُكّان عرشه، يُقلّبُه في الأجيالِ من علوٍ إلى رفعة، ليُظهِرَ قُدرتَه المُتجلّيةَ بالحُسين (صلوات الله عليه)، جادعًا آنافِ الكفرِ والظّالمين.. وإذ هو كُلّ يومٍ في شأن، شاء (تعالى) أنْ يُبدِّلَ شُبّاكَه بآخرَ على أيادي عبادِه المُكرمين، وقبل ما يربو عن السّتِ سنين كُشِفَ الغطاءُ، وأُظهِرَ ما خفيَ من عظيمٍ، نكأ جراحًا ما اندملت قطُّ. فقد لوحِظت ثلماتُ الرّصاص المُتوغّلةُ في أحشاءِ الشُّباكِ المُقدّس، إذ كانوا يُصوِّبون باتجاه القبرِ الشّريفِ تمامًا ويصبّون جامَ ثأرِهم عليه لكأنّه واقفٌ أمامَهم بشخصِه (صلوات الله عليه)! وكما تحسّسَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عن غُسل سيدّتنا ومولاتنا فاطمة الزّهراء (عليها السلام) تكسُّرَ أضلاعِها، تحسّسنا مليًّا عندَ تبديلِ الشّباكِ تكسُّره الخافي.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
187

كوثـــرُ موسى

بقلم: غدير الكربلائي ألا زلتِ تقتفينَ مقاصد الإقصاءِ وقدِ اصطلمَ الشّوقبُ في خرائطِ النّوى! وذا ضُباح كنعان يَنهشُ سمعَكِ! فيدُسُّ مكاتيبَكِ في بئرِ السُّعار... وبأُفقِ الصّمتِ المُضرّجِ يتجلّى مسرحُ المذابحِ كنشارةِ زُجاجٍ بينَ فخٍّ والفُرات... قومي لِقُمٍّ يا سيّدةَ السّوسن، بنبضٍ لاغب؛ وبصوتٍ نيّئٍ فتّشي غواية العناقيدِ وبطشَ الرُمّان فها هُناكَ نوافيرُكِ مَهيعًا تكرعُ أقداحَ النُّور؛ لِترُشَّ عُشًّا لآلِ مُحمّدٍ وأبوابًا ثلاثًا ترِدُكِ يا كوثرَ موسى..

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
150

برهة

بقلم: رشا عبد الجبار ناصر بدا كُلُّ شيءٍ واضحًا.. وكأنّ كُلَّ شيءٍ لم يكنْ غامضًا بالأصل، أنعمُ بروحٍ هادئةٍ، مُفعمةٍ بالأمل، لحظاتي مُكلَّلةٌ بنشاطٍ دائمٍ وعطاءٍ زاخر.. بدا حُلُمًا، حُلُماً جميلاً، ولكنّي إلى هذه اللحظةِ وأنا أنعمُ بذلك الهدوءِ الذي عشتُه في ذلك المكان، كروضةٍ مُزهرةٍ بأنواعِ الزهور والرياحين، وذلك العَبَقُ الأخّاذُ الذي يأخذُ بتلابيبِ الروح، فتعيش في أمانٍ، بعيدًا عن كُلِّ ما يُعكِّرُ صفوها وهدوءها، تعودُ إلى سيرتِها الأولى من النقاء.. روحٌ ساميةٌ حقيقتُها من روحِ الله (تعالى)، وأيُّ شيءٍ أكثرُ نقاءً من قلبٍ أزهرتْ وأينعتْ ثمارُ عطائه بذكرِ المحبوب المُطلق؟! كُنتُ هناك بجسدٍ وروحٍ، كُنتُ أشعرُ بشعورٍ غريبٍ وجميلٍ في آنٍ واحدٍ، لم يكُ ذلك المكانُ مألوفًا، لكنّه كانَ يُشعِرُني بالطمأنينة، ومع أنّي كُنتُ أجهلُ سببَ تلك الطمأنينة؛ فالإنسانُ بطبعِه عدوُّ ما يجهله، إلا أنّني كنتُ أحسبُه بيتًا، عشتُ فيه عمرًا بأكملِه في تلك الروضة! كان هناك بيتٌ صغير، بدا وكأنّه بيتي، وبينما كُنتُ مُستغرقةً برؤيةِ ما حولي؛ تهادى لي أنّ رسولَ الله محمدًا (صلى الله عليه وآله) جالسٌ في إحدى غُرَفِ تلك الدار، وأخبروني أنِ اذهبي حيثُ هو. صار المكانُ يعجُّ بالناس بعدَ أنْ كان خاليًا، وأضفى نبأُ وجودِ النبي المُختار على ذلك المكان نكهةً أخرى. وحيثُ كان المكانُ يحملُ طابعَ الجمالِ والسكينة، صارَ يبعثُ على الراحةِ أضعافَ المرّاتِ، تحفُّه الطهارةُ من كُلِّ جانبٍ، وكأنّ أعمدةَ النور اتخذتْ منه مركزًا. لم أعُدْ أُفكِّرُ في ذلك المكان، وتلك الروضة، وجلُّ ما يشغلني أن أرى ذلك النور الذي أضاءَ المكانَ بأسره. كنتُ أخطو بحذرٍ نحو تلك الغرفة، تبادرَ إلى خاطري أنْ أذهب هناك، فلرُبّما كانت لي حاجة.. واقعًا، الكُلُّ كان يقصدُ تلك الغرفة لغرضٍ ما في نفوسهم، وبعدَ كُلِّ هذا الحذر استجمعتُ كُلَّ قوتي لأدخل، لكنّي لم أكنْ أرى شيئًا لشدّةِ الضياءِ المُنبعثِ من تلك الغرفة، وكأنّ كُلَّ شيءٍ في تلكَ الغرفةِ قد خيطَ من النور! خارجُ ذلك المكان، لم يكنْ أقلَّ بهاءً من داخله! لا عجبَ إن تكلَّلتْ أرضُ تلك القِفارِ بنورٍ سماوي أودعَه اللهُ (تعالى) في أصلابٍ طاهرةٍ وأرحامٍ مُطهَّرة.. حيثُ ملأ نورُه المُباركُ مساحةً واسعةً من الجزيرةِ العربيةِ، وسقطتِ الأصنامُ على وجوهها.. وكيف لا، وهو خاتمُ الرُسُلِ المبعوث رحمةً للعالمين، فلا عَجَبَ إذا أضفى ذكرُ اسمِه المبارك أريجًا أزكى عطرًا من كُلِّ عطورِ زهورِ الأرض.. لبُرهةٍ.. كان ذلك المكانُ أجملَ ما رأتْ عيني.. فالسلامُ على حبيبِ إلهِ العالمين مُحمدٍ المُصطفى وآله الطيبين الطاهرين..

المناسبات الدينية
منذ 5 أشهر
270

لاحَ النورُ.. أفلَ الظلام

بقلم: إسراء الشلاه بذكرِ الأربعين تَسْكُنُ القلوب يذهبُ ما رانَ عليها، وتشتدُّ البصيرة تُروَّضُ النفوسُ، وتسمو بالفضائل سخاءٌ، نخوةٌ، زُهدٌ، إيثار نفيرٌ عام، من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ يَنْسلون تناغمتْ أرواحُهم بلا سابقِ معرفة اضمحلّتْ نزعاتُهم البشرية، توسّموا بأخلاقِ الملائكةِ همّتُهم كهمّةِ جنديٍ غيور، لا تَفترُ بنصبٍ ولا لغوبٍ يترصّدُهم عدوّهم عاجزًا يائسًا عن فكِّ طلاسِم قوّتِهم الأرضُ عندَهم تفيضُ أمانًا وسلامًا يسيرون فيها لياليَ وأيامًا آمنين ضيّقةٌ تتسِعُ لهم! حارتِ العقولُ عن كُنْهِ سرِّها فيها يَشبعُ الجائعُ، يَبرأُ السقيمُ، يُؤْوى الغريب اجتمعوا رغمَ شتاتِ اللغاتِ والألوانِ والأصولِ تحيتُهم فيها عطرةٌ طيبةٌ كمن يُحيّي بطاقةِ ريحانٍ يُمّهدون السبيلَ لذخيرةِ الغد ورجاءِ المعمورةِ يرومون وَصْلَ شمسٍ ظلّلها السّحاب متى ينزلُ الغيثُ ونرتوي من ظمأِ الانتظارِ متى تكتحلُ العيونُ بنورِ ربِّها يا سيدَ العالم، ألا من لقاءٍ قريبٍ؟!

المناسبات الدينية
منذ 5 أشهر
153

خطواتٌ ودمعات

بقلم: غدير خم حميد العارضي على طريقِ العشقِ يسيرُ القلبُ قبلَ أنْ تسيرَ الأقدام، وتنطلقُ الروحُ المُتيّمةُ بين الجموعِ بلهفةٍ وحزن، أيام الأربعين ما هي إلا أيامُ تجديدِ العهدِ والوفاءِ لآلِ بيتِ النبي الأتقياء (عليهم جميعًا سلام الله)، فما ترى العينُ في هذهِ الأيامِ المُباركة إلا لوحةً مُتكاملةً تزخرُ بالنورِ تُسمّى بـ(لوحةِ الحُبِّ والولاء)، فجميعُ الأفرادِ صغارًا وكبارًا، نساءً ورجالًا، أطفالًا وشُبانًا، كُلُّهم يصطفّون على بابِ الهُدى يطلبونَ الزيارةَ والخدمة.. وكأنَّ سيّدَ الشهداء الإمامَ الحُسين (عليه السلام) قد سخَّرَ القلوبَ فباتت كُلّها تسعى إليه بطريقةٍ أو بأخرى، فنرى من يطهو الطعامَ للزائرين وهو يُردِّدُ: "خدمة الزائر شرف"، ونرى آخر قد فتحَ بيتًا أو حُسينيةً لمبيتِ السائرين نحو قبلةِ الأحرار وهو يُردِّدُ: "إنْ لم يسعكم المكانُ وسعتكم القلوب"، ونرى طفلًا يوزِّعُ الماءَ وهو يُردِّدُ: "اشربوا الماء واذكروا عطش الرضيع"، ونرى صغيرةً تمسكُ عباءتِها بقوّةٍ وكأنّها تتمسّكُ بها وهي توزِّعُ الدعاءَ والزيارةَ وكأنَّ لسانَ حالِها يقولُ: "أنا فداءٌ لعباءتك مولاتي رُقيّة".. لوحاتٌ تُرسَمُ بالدموعِ والحسراتِ على طولِ طريق الهُدى والإيمان، ولسانُ جميعِ من يخطو إلى الأرض المُقدّسة كربلاء إنّما هو: تمشي إليك توسُلًا خطواتي وأعدُّها إذْ أنّها حسناتي وكم من تائبٍ على هذا الطريق غسلَ بدموعِ الندم أدرانَ الذنوب وطهَّر روحَه من كُلِّ سوءٍ فيمَّمَ وجهه طاهرًا مُطهرًا نحو مولاه الحُسين (عليه السلام) كيوم ولدته أمه، وكم من مُخطئٍ أصلح سيرتَه وأعمالَه وجاءَ قاصدًا إمام العاشقين ليجعلَ من هُداه (عليه السلام) نهجًا ومنهاجًا للحياة، وكم من ذاتِ بينٍ أُصلِحَت، وبطنٍ أُشبِعَت، وعداوةٍ مُحيت، وصداقةٍ وطِّدتْ، ومحبةٍ وثِّقَت، وكم من روحٍ باتت أنقى، ونفسٍ صارت أتقى، وكم من ضالٍّ هُديَ للصلاح.. كُلُّ ذلك ببركةِ دماءٍ سُفِكتْ على طريقِ الفلاح؛ فدماءُ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) التي سُفِكَت على أرضِ كربلاء إنّما أيقظتِ القلوبَ والعقولَ، وسطّرتْ أروعَ ملاحمِ الإنسانيةٍ في الذودِ عنِ الحقِّ والحقيقةِ والإيمان، فما يكونُ من الوفاءِ لتلك الدماءِ الزاكيات إلا تجديد العهد، وما يكونُ من ردِّ الجميل إلا تعلُّم سيرةِ المولى وانتهاجها في كُلِّ مفاصلِ الحياة، وما يكونُ من صدقِ الولاء إلا أنْ نكونَ حُسينيين بدفاعنا عن الحقِّ، عباسيين بنصرتِنا له، زينبيين بإكمالِ مسيرتِه.

المناسبات الدينية
منذ 5 أشهر
338

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
82491

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
78886

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
45471

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
42380

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
40007

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
39449