خَلْفَ جُدُرِ النور..

بقلم: كاردينيا ياس _وسلام عليكم وطمأنينة، مُكللةً بحلُلِ السكينة... واصلًا إليكِ من المُرسلِ رحمةً للعالمينَ.. أجبتُها، ولم أسمعْ لها صوتًا بعد إذ ألقتْ عليّ التحيةَ مقرونةً بالسلام... _أُخيتي ورفيقتي، أينَ اختفتْ ملامحُك الوضّاءة وأينَ اختفى تدافُعُ الأحاديثِ منكِ، في كُلِّ حديثٍ أحتضِنُ منكِ عذبَ الكلام! _جئتكَ بالوردِ والآسِ والشموع.. (تقولُها وتنحدرُ من وجناتِها النورانية الدموع)! _أرفعُ إحدى كفّي لألتقطَ ما جاءتني به، وأمسحُ بالأخرى دمعاتِها، يكتوي قلبي لحرارتِها، تؤلمني اختناقاتُ آهاتِها المحبوسةِ في صدرِها إيمانًا واحتسابًا! فهي تصبرُ وكفى، ولا تُظهِرُ من البلاءِ وصفًا ولا شكوى، فَتُرى وكأنَّ البلاءَ مرَّ بها وانتهى! كنتُ قد أعددتُ مُتَّكأً ومجلسًا، وأوقدتُ قناديلَ مُلونةً على هيئةِ قلوب؛ تُضيءُ وتخبو...فتضيء وتخبو.... لا تنطفئُ ما دامتْ مُتصلةً بما يمُدُّها بالنور.. إلى هناك أخذتُها، أجلستُها، لم تُطِلْ جلوسَها إلا دقائقَ معدوداتٍ، كانتْ ترمقُ فيها تلك القناديلَ المُضيئة.. أمسكتُ بيدها.. سألتُها وكانَ قلبُها قد وشى بالإجابة؛ فهو توأمُ قلبي: أ ترينَ أنَّ تلكُمُ القلوبَ على الجدارِ كقلوبِنا؟ تُضيءُ وتخبو... فتُضيءُ وتخبو، إلى ما شاءَ الله..! وبرحمةٍ من الله...! _نعم، مادامتْ مُتصلةً بما يمُدُّها بالنور! قبلَ أنْ تتمَّ حروفَها التي تمَّمتْ حروفي، كُنتُ قد وضعتُ يدي على قلبِها.. دونَ أنْ أشعرَ حتّى! ووضعتْ كلتا يديها على يدي... جلسنا بهدوءٍ وكما امتزجتْ روحي وروحها مُنذُ الصغر، امتزجتْ مشاعرُنا بينَ دمعاتٍ وابتسامةٍ ملؤها الامتنانُ لخالقِ البشر... _هنيئًا لكِ، ما أعددتِ طوالَ هذه السنين وعليه حافظتِ.. وللاستزادةِ دأبتِ، وها هو نتاجُه نورٌ حباكِ به من هو مُطّلِعٌ عليكِ.. نورٌ لا يكتفي أنْ يبقى بالقلبِ فحسب؛ إنّما يدفعُ البلاءَ دفعًا، ويزجُّ إلى ساحاتِ الفائزين زجًّا، ويُقرِّبُ إلى رضوانِ اللهِ أبدًا فذلك واللهِ هو الفوزُ العظيم....! نُمارِسُ بهِ ومعه طقوسَ الفرحِ مع ولادةِ الولي الأعظم والوصي المُكرّم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، خيرُ من عبدَ ربَّه بعدَ الرسولِ المعظم (صلى الله عليه وآله) وبذلك خصَّه ربُّه وكرّم.. والحُزنُ بقاعِ الروحِ ينسابُ دمعًا ويعتصرُ اللُبُّ ألمًا.. لما يلمُّ بإخواننا.. وما أكثرَ الإخوان، وما أكثرَ ما ألمّ بهم من بلاءاتٍ وأحزان... فمع حروفِ التهاني.. تتوارى الآلامُ خَلْفَ جُدُرِ النور... خجلى أنْ تبديَ ما لا يُليقُ وَسعادةَ أملاكِ السماء، بل الأكوان والخلائق أجمعها! فتتحيّنُ الفُرصةَ المناسبةَ وتترقّبُ اللحظةَ فاللحظة، لتخرجَ فاطمةُ بنتُ أسد من رتقٍ شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يسُدَّه بعدَ أنْ تصدّعَ بإذنه لها، حاملةً حاملَ كلمةِ اللهِ ومعرّفَ البشرية به... فيكون بولادته الميمونةِ جلاءُ كُلِّ حُزنٍ رافقَ مصابًا وبلاء... وإنْ كان المُبتَلى من أهلِ الدينِ والصلاح.. فمنْ قالَ: إنَّ الحزنَ لا يلجُ قلوبَ الصالحين، إنّما تختلفُ حالاتُه، ونشآتُه! لِتصطفَّ أرواحُنا جميعًا هناك... بانتظاره... جموعٌ غفيرةٌ حضرت ولم تزلْ تحضرُ من الموالين، والقلبُ هُنا، هو من يرى فلا شغلَ للبصرِ والعين... _ها هو ...ها هو، إنّه نورُ عليّ يصدعُ الجدار، إنّه نورُ عليّ يفتقُ الأستار! جدارُ الكعبةِ وأستارُها.. تتباركُ فيما بينِها، كأنّني هكذا رأيتُها... أنا لا أُميّزُ جيدًا فالأنوارُ تغشى الأبصار والعقلُ مني لا يفقهُ الحدث... حتى أنّ تزاحمًا ملأني بالأفكار: سُبحانك اللهم، سبوحٌ قدوسٌ.. قد ولدَ لمُحمّدٍ نفسٌ كنفسهِ، وحالَ بينهما وبينَ باقي النفوس... عوالمُ وعوالمُ وعوالم.... أدنى من الخالقِ هما، وفوقَ المخلوقين! لن يرتقيَ يومًا أحدٌ إليهما.. إلا أنَّ جميعَ الخلائق.. قد حباها اللهُ (تعالى) باتباع أنوارهما...! _أُخيتي، أينَ أنتِ؟ _هُنا ولستُ هُنا! عرجتْ روحي لأرضٍ فيها ومعها كُلُّ المُنى... مكة قبلة العشقِ، عندَ جدارِها تراءت لي الأنوار، فمنها خرجَ للخلقِ أول وصي، وعندَها سيُنادي الخلقُ آخرَ وصي! وما بينَ وصيٍ ووصي آلافٌ من الغُصص، للأوصياءِ وما حوتْ حياتُهم من قصص... ونحنُ وإيّاكم وكُلُّ من والاكم يا آل بيتِ الرسالةِ مُنتظرون... ولأمركم مُرتقبون، فادعوا لنا بقوّةٍ وثبات.. وأحيوا قلوبَنا إلى حينِ لقاءِ الحياة بالحياة!

القصص
منذ 3 أشهر
173

آثار ٌراحلة

بقلم: نورا گاصد العبودي تزهرُ أمّي في جميعِ المواسم.. حتّى عندما تذبُلُ أوراقُها، كانتْ تورقُ وتخضرُّ وتنمو من جديدٍ؛ فهي جوريةٌ بجدارة.. كانتْ تجمعُ الأشياءَ اللطيفةَ وتُخبِئها للانهاية.. تكوّنتْ صفاتُها من شجرةِ اللطافةِ.. رقيقةٌ كنسمةِ الصباحِ على نافذةٍ يصدأ زجاجُها من الخُذلان.. شديدةٌ أمامَ الظروفِ .. رحيمةٌ علينا بكُلِّ الأوقات.. تدّخِرُ في صندوقِها كُلَّ شيءٍ ثمين.. منديلًا قديمًا جدًا لكنّه ناصعُ البياضِ كقلبِها، وقدحَ شاي نقيٍ كسريرتِها خُدِشتْ إحدى أركانه بسببِ طولِ عمره.. وإطارَ صورةٍ مُهترئ.. وأزرارَ قميص.. تجمعُ العطورَ من ثيابِ أبي وتضعُها في قارورةٍ وتركُنُها في ذاتِ الصندوق .. غالبًا ما كُنتُ أشعرُ أنّها تدفنُها في ذاتِها؛ لأنّ ذلك العطرَ ملأ كيانَ أُمّي! في كُلِّ صباحٍ كانتْ أُمّي تُخرِجُ ذكرياتِها من ذلك الصندوقِ المُعلّقِ على رفِّ الأيامِ العسيرةِ، وتُطلِقُ تنهيدةً عميقةً بعُمقِ صعوبةِ الليالي الماضية.. كانتْ تُرى ابتسامتُها وهي تُغادِرُها بخِلسةٍ على طُرُقِ الحياةِ المفروشةِ بالأشواك.. تجمعُ آثارَ أقدامِهم المُتجمِّدة على عَتَبةِ دارِها.. راحلةٌ هي ومُخلِّفةٌ داخلها حيرةً ويأسًا شديدين! تزفرُ غبارَ الأمسِ وتعودُ لقوقعتِها وتغلقُ البابَ جيدًا .. وتجلسُ أمامَ الرف! تَعدُّ الليالي المُقفرة والأرواحُ المُرهقة التي صادفتْها .. تُغمِضُ عينيها بكلتا يديها وتُطلِقُ صوتًا مهزوزًا.. لم يُجمِدْ بردُ ديسمبر أوتارَ حُنجرتِها .. حتى عندما جلستِ الوحدةُ أمامَ ألمِها تقصُّ عليها مُنجزاتِها وما فعلتْها بالوحيدين.. اعتادتْ أُمّي على السيرِ بالأنفاقِ المُظلمةِ بثقةِ رجلٍ شجاع فقدَ كُلَّ شيء؛ لأنّ الفاقدَ برأي أُمّي شجاعٌ فهو ما عادَ يملكُ شيئًا ليخسره .. تتكأ على عُكازِ الصبر.. ترمقُ الفشلَ من بعيدٍ يتكأ على حُطامِ المُنهزمين ويبتسمُ كأنّه يُناديها تهزُّ برأسِها وترفعُه عاليًا وتسيرُ بأملِ أنَّ الغدَ الذي يُعيدُ الراحلين سيُطرِقُ بابَها مؤكدًا..

القصص
منذ 4 أشهر
170

قهوةُ شتاءٍ(10)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء العاشر والأخير خرجَ عمادٌ يبحثُ عن صابرٍ، فوجدَه واقفًا وينظرُ إلى نافذةِ سارة من بعيدٍ، ركضَ وضربَه! - لماذا ضربتني يا عماد؟! لم أفعلْ لك شيئًا - ماذا لم تفعل؟! سوف تكونُ سببًا في موتي المُبكِّر.. لماذا تركتني؟! - تذكّرتُ عندما كُنتُ أجلسُ هُنا وأنظرُ إلى نافذةِ سارة... قلبي يُحدِّثُني ويقولُ إنّها هي، عندما ذهبتُ إلى المُستشفى سمعتُ صوتَها لكنّي عندَما رأيتُها لم أستطعِ النظرَ إليها بتمعُّنٍ ﻷتأكّدَ خجلًا.. وهي أيضًا كانتْ تُبالغُ في حجابها ... - حسنًا الآن تذهبُ وتتأكّدُ ... أخرجَ عمادٌ حبلًا من جيبه كانَ يربطُ به الحقائبَ وأوثقَ يدَه بيدِ صابرٍ وسحبَه - ما هذا؟! هل سنذهبُ إلى السجن ... - نعم، إنّه سجنُ الحياةِ الزوجيةِ.. وقهقهَ بصوتٍ مُرتقع.. آهٍ لو تسمعُ زوجتي وأُمّي، سنبيتُ أنا وأبي في الشارع.. تمَّ العقدُ وكانتِ الحفلةُ بسيطةً ببساطةِ صابرٍ وسارة، خرجَ الجميعُ مُهنِّئين لهما.. حانَ موعدُ اللقاءِ اﻹلهي بينَ قلبينِ نقيينِ طاهرينِ، لم تُلوِّثْهما مواقعُ التواصُلِ التي أصبحتْ مُستنقعًا لنعيقِ الضفادعِ، يتغازلون في ظُلُماتِ الليلِ، وفي مُستنقعاتِ الوحل! إنَّ صابرًا وسارةَ كالعصافيرِ التي تُغرِّدُ وتطيرُ في وَضَحِ النهار، تزفهما الملائكةُ وتستغفرُ لهما، وينظرُ إليهما اللهُ (تعالى) بعينِ الرحمةِ والرضا؛ لأنهما اتبعا القانونَ الإلهي في لقائهم الإيماني.. عندما رفعَ صابرٌ الخمارَ الأبيضَ الذي كانَ يشعُّ بنورِ وجهِ سارة، والذي جعلَها أكثرَ جمالًا، نظرَ إليها ونظرتْ إليه؛ لأنّها لم تره من قبل أبدًا لخجلِها، وجلسا على الأرضِ من شِدّةِ الصدمة.. كأنّ الزمنَ توقّف.. - إنّها أنتِ! - إنّه أنتَ! - سارة التي طالما انتظرتُها ... - وأنت ظِلّي الذي طالما كُنتُ أهربُ من التفكيرِ به؛ لخوفي من ربّي ولكنّي لم أنسَه أبدًا.. - فلنسجدْ للهِ شُكرًا... سجدا شكرًا للرحمنِ الذي يهبُ من يشاءُ بغيرِ حساب ... - سأكونُ لكِ وطنًا تأمنين فيه ... - وسأكونُ لك أرضًا ... - سأكونُ لك سماءً تُمطِرُ عليكِ وتُنبتين لي أجملَ الزهور ... - وسأكونُ لكَ شمسًا تُنيرُ طريقَك لكي لا تطأ قدماك الأشواكَ ... - سأكونُ لكِ ليلًا يُغطّيك بعباءته السوداء كي لا يراكِ غيري، يا نورَ عيني... انتهى... بعدَ أنْ أكملتُ كتابةَ القصةِ، علمتُ أنّ اللهَ (تعالى) رزقهما بتوأمينِ في مُنتهى الجمالِ..

القصص
منذ أسبوع
36

قهوةُ شتاءٍ (9)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء التاسع صابر وعماد يركبان مع العمِّ محمود للذهابِ إلى بيتِ سارة بعدَ أنْ خرجتْ من المستشفى ووافقتْ على الزواج من صابر بشرط أنْ يعيشَ معها في بيتِها؛ لأنّها لا تستطيعُ أنْ تتركَ المكانَ الوحيدَ الذي يربطُها بوالِدها، رغمَ أنّ صابرًا لم يوافق لكنّ عماداً وأباه العمَّ محمودًا أقنعاه بذلك.. - ما بك يا صابر؟ ترتجفُ، ووجهك شاحبٌ، إنّه أجمل يومٍ في حياتك، يجبُ أنْ تكونَ أسعدَ إنسانٍ فقد رزقك اللهُ بفتاةٍ طاهرةٍ وأنت تعلمُ نحنُ في زمنٍ أصبحَ من الصعبِ الحصولُ على زوجةٍ صالحة. - لا أعلم، أشعرُ أنّ قلبي سيقفزُ من صدري من شِدّةِ الخوف صدِّقْني عندما كُنتُ أقاتلُ في ساحةِ المعركةِ ضدّ داعش الذين لا يوجدُ في قلوبِهم رحمة لم أكن خائفًا مثل الآن.. ضحك عمادٌ بصوتٍ مُرتفعٍ وضحكَ العمُّ محمودٌ وقال: - معك حقٌّ يا ولدي؛ فإنّ المعركةَ تبدأ بعد الزواجِ، وهي أشدُّ وأصعبُ من ساحاتِ القتالِ.. ضحك عماد وقال: - ها يا أبي سوفَ أُخبرُ أُمّي بذلك. - بالله عليك يا ولدي لا تُخبرها، وإلا سوف أذهبُ معك بعد زواج صابر.. قال صابر: - عماد فلنرجع .. عماد والعم محمود: ماذا؟! قال صابر: - أخشى أنّي نسيتُ حقيبتي.. أجاب عماد: - لا أنا وضعتُها في السيارة ... - إذا أخشى أنّي نسيتُ المستمسكات ... - لا، إنّها معي؛ خشيتُ أنْ تفقدَها من شِدّةِ خوفِك فوضعتُها عندي... - أنا لا أوافقُ على أنْ أعيشَ معها في بيتِ أبيها.. لماذا تفرضُ هذا الشرط؟ يجبُ على المرأةِ أنْ تسكنَ في بيتِ زوجِها ... - يا ويلتاه.. سوف أنتحرُ؛ لقد تحدّثنا بهذا الأمرِ ووافقتَ أنت؛ إنّها فتاةٌ مسكينةٌ.. هذا البيتُ هو الوحيدُ الذي يُذكِّرُها بوالدِها فهي لا تملكُ من أهلِها سوى الذكريات ... - نعم، تذكّرتُ لا يجبُ أنْ أظلمَها ولكن.... - ماذا بعد يا صابر؟ - ماذا لو كانتْ ليستْ سارة؟! قصدي سارة التي أعرفها؟ - أيضًا تناقشنا في هذا الموضوعِ، وقُلتَ إنّك عاهدتَ اللهَ أنْ تتزوجَها وقد تكونُ سارة التي تعرفها أنت قد تزوّجتْ وأنجبتْ، فيجبُ عليك أنْ تنساها؛ فقد أصبحتْ من الماضي ويجبُ أنْ تعيشَ حياتَك مع سارة بنيّةٍ صادقةٍ ولا تُفكِّرُ بامرأةٍ غيرها. - صحيح ...صحيح يجبُ أنْ أُخلِصَ في نيتي. وصلوا بيت سارة، صابر تجمّدَ في مكانِه كأنّه قد شُلَّ، ترجّل عمادٌ والعمُّ محمود من السيارة وأنزلا الحقائبَ وأرادا أنْ يُطرقا البابَ فأدارَ عمادٌ وجهَه وسألَ أباه: - أين صابر؟! - لا أعلم، ظننتُ أنّه يسيرُ خلفنا! - يا إلهي، إمّا أنْ أقتلَ نفسي أو أقتله.. رجعَ عماد إلى السيارة فوجد صابر متجمّدًا في مكانِه، فصرخ: - صابر أخرج ... فزع صابر وخرج مُسرعًا: - ها قد وصلنا؟ - نعم، وصلنا... دقَّ عمادٌ جرسَ البابِ فتحَ أسامةُ البابَ؛ لأنّهم عائلةُ سارةَ الوحيدة.. أراد عماد الدخولَ التفت ونظرَ إلى والده: - أين صابر؟ ألم أقُلْ لك أنْ تمسك بيده؟! - أمسكته لكنّه قال إنّه نسيَ شيئًا في السيارة ... - آهٍ، قلبي.. سأموتُ.. إنّه يكذب.. سأذهب لإحضاره.. أدخل أنت وسوف ألحقُ بكم. أما سارة فلم تكنْ أفضلَ حالًا من صابر؛ لأنّ هيفاء أرادتْ أنْ تُجَنّ، فبعدَ أنْ وضعتْ لسارة مساحيق التجميل وذهبتْ لتُلبِسَ بناتِها رجعتْ ورأتْ سارة جالسةً على سجادتها تصلّي وقد أزالتْ عن وجهِها مساحيقَ التجميلِ، فقالت: - يا إلهي.. سوف أقفزُ من النافذة وأنتحر؛ لقد استغرقتُ ثلاثُ ساعاتٍ بوضعِ مساحيقِ التجميلِ لكِ، ماذا فعلتِ؟! أكملتْ سارةُ صلاتها، وقالت: - أعتذر؛ لقد نسيتُ أن أتوضأ، وقد حانَ وقتُ صلاةِ المغرب، ولم أشأ أنْ يمضي وقتُ الفضيلة.. - لقد دُقَّ جرسُ الباب، معناه جاءَ العريس، ماذا سأفعل؟ - سأخرجُ هكذا لا يهم. - ماذا؟ هل تُريدينني أنْ أفقدَ عقلي بسببكِ؟! طبعتْ سارةُ قبلةً على جبينِ هيفاء وقالت: - ضعي قليلًا من هذه المساحيق؛ فأنا لا أُحِبُّها أرجوك ... - حسنًا، الأمرُ للهِ.. اجلسي، لكن إنْ مسحتِها سأقتلُ نفسي. - لا، لا.. صدِّقيني، لن أمسحها، أعِدُكِ.. أمسكت هيفاء بيد ساره ... - ما هذا؟! إنَّ يدَك باردةٌ جدًا وترتجفين.. سأُخبِرُ أختَ عمادٍ لتصنعَ لكِ فنجانَ قهوة ... - نعم، كم أُحِبُّ القهوة.. يتبع.. انتظروني مع الجزء القادم إنْ شاء الله (تعالى).

القصص
منذ أسبوع
47

قهوةُ شتاءٍ(8)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الثامن استقرّتْ حالةُ سارة قليلًا، جلستْ على سجّادتِها وبدأتْ تُناجي حبيبَها: إلهي أعلمُ أنّك أنقذتني عندما استنجدتُ بحبيبتِك وابنةِ حبيبِك (صلواتِك عليه وعلى آله)... إلهي وسيّدي أنتَ تعلمُ كيفَ حافظتُ على نفسي وبالغتُ في حجابي خوفًا من العيونِ الخائنةِ والنفوسِ الضعيفةِ، ولكنّي ابتُليتُ بفقدِ صديقتي الوحيدةِ بسببِ زوجِها، وأنتَ تعلمُ أنّي لم أكنْ أعلمُ أنّه يُريدُ الزواجَ بي، فكُلُّ ظنّي أنّه يُريدني أنْ أكونَ وسيطةً بينَه وبينَ زوجتِه؛ لأنّه يعلمُ كم أُحِبُّها وكم هي تُحِبُّني، لكنّ كلامَها جرحني جدًا ولا أُصدِّقُ أنّ جرحي سيُشفى ففكّرتُ أنْ أرحلَ فتوكّلتُ عليك.. يا تُرى ما الحكمةُ لما حدثَ لي؟! فيا حبيبي وربّي ليسَ لي غيرُك "اللهم أبدِلْ مُصيبتي خيرًا"، واجعلني مع المستشهداتِ لحُبّك وبينَ يديّ وليك. وانفجرتْ بالبُكاءِ بحُرقةٍ حتى كادتْ أنْ تفقدَ الوعيَ. كان صابرُ وراءَ البابِ يسمعُ كُلَّ ما قالتْه سارة وقد سالتْ دموعُه، في هذهِ الأثناءِ مرّتْ أُختُ عمادٍ ورأتْ صابر ... - كيفَ حالك يا أخي صابرُ؟ الحمدُ للهِ على سلامتِك، وأشكرُك كثيرًا لأنّك أنقذتَ أبي وهذه الفتاة المؤمنةَ؛ لقد أرسلكَ اللهُ لتنقذَها في الوقتِ المُناسب. حاولَ صابرُ أنْ لا ترى أُختَ عمادٍ دموعَه، فمسحَها بمنديلِه بسُرعة.. - الشكرُ للهِ يا أُختي؛ لا شكرَ على واجبٍ، والشكرُ لكِ لأنّك تركتِ أولادَك وزوجَك، وسهرتِ على رِعايةِ الفتاة، فجزاكِ اللهُ خيرًا ... - لم أفعلْ شيئًا، نحنُ كُلُّنا أخواتٌ في اللهِ، فماذا لو حدثَ نفسُ هذا الشيءِ لا قدّرَ اللهُ لإحدى أخواتي أو بناتي؟! فهذا واجبٌ علينا، وهكذا علّمَنا دينُنا أنْ نُحِبَّ بعضُنا بعضًا - أخي، لقد أخبرتُ سارة بكُلِّ ما حدثَ، وهي تُريدُ أنْ تراك وتشكرَك. شرد ذهني بعيدًا، فسارة صوتُها ليس غريبًا عليّ، هل من المُمكنِ أنْ تكونَ؟...لا لا ليسَ من المعقولِ يا صابر، فالظاهرُ أنَّ السجنَ أفقدَك صوابَك.. _أخي، ماذا بك؟! أينَ شردَ ذهنك؟! - لا يا أُختي، إنّها تُصلّي الآن سوف أرجعُ في وقتٍ آخر.. أهمُّ شيءٍ أنّي اطمأننتُ عليها.. سأذهبُ الآنَ في أمانِ اللهِ.. بلّغيها تمنياتي لها بالشفاء العاجل ... - في أمانِ الله يا أخي، يحفظُك اللهُ.. دخلتْ أختُ عمادٍ، فرأتْ سارةَ وقد أُغميَ عليها، أسرعتْ ونادتِ الطبيب... أما صابرُ فاتصل بعماد... - عماد أرسِلْ لي رقمَ صديقةِ الفتاةِ التي غرقت - لماذا؟ - سأخبرك لاحقًا... أرسلَ العنوانَ، إنّه نفسُ العنوان، يا إلهي هل هي نفسُها أم أنّها صدفةٌ؟ عندما وصلَ إلى بيتِ هيفاء استغربَ أكثر؛ إنّه بيتُها .. لا، قد تكونُ مُصادفةً.. وهو يُحدِّثُ نفسَه مُتسائلًا طرقَ البابَ، فتحتِ البابَ امرأةٌ ... - السلام عليكم ... - عليكم السلام ... - أختي هل زوجك موجود؟ - نعم ... - أسامة، تعالَ هُناك رجلٌ يريدُك ... - السلام عليكم .. - عليكم السلام، ماذا تريدُ يا أخي، فأنا لا أعرفك؟ - أنا صابر، جئتُ أتحدّثُ إليكم بخصوصِ الأختِ سارة.. ركضت هيفاء ودموعُها تجري: - من؟! سارة؟! أين هي؟! أنا قلقةٌ عليها، هل حدثَ لها مكروهٌ؟! - تفضّلْ يا أخي لنعرفَ ماذا حدثَ للأختِ سارة؛ فنحن قلقان عليها جدًا.. جلسَ وحدّثَهما بكُلِّ ما حصلَ، كانتْ هيفاءُ تبكي... - آهٍ يا حبيبتي سارة، كيف اتهمتُك؟! كُلُّ ما حدثَ بسببي.. أما أسامةُ فقد شعرَ بالذنبِ والحرجِ وأنزلَ رأسَه إلى اﻷرض خجلًا ممّا فعلَه، فلقد حدّثَ هيفاء عن موقفِ سارة وحُبِّها لها وكيفَ أنّه ندمَ على ما فعله ... - لا يا هيفاء، الذنبُ ذنبي... تألّمَ صابرٌ جدًا لحالِ هذه الفتاةِ المؤمنة: - إنّ المؤمنَ مُبتلى، ساعدَ اللهُ قلبَها... وأخبرهما برغبته بالزواجِ منها إنْ لم تكن مرتبطةً بأحدٍ، فرحتْ هيفاءُ جدًا وقالتْ: - هي غيرُ مُرتبطةٍ، أنا أعرفُ كُلَّ شيءٍ عن حياتِها ... خجل صابرٌ أنْ يسألهما عن تفاصيل حياتها، وقالَ في سِرّه: - إنْ كانتْ هي، أم لم تكنْ؛ فقد عاهدتُ ربّي أنْ أتزوّجها وأصونَها وأتمنّى أنْ توافق.. ......................................... ترى هل هي سارة أم لا؟ ما رأيكم؟ يتبع...

القصص
منذ أسبوع
66

قهوةُ شتاءٍ(7)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء السابع كان صابرُ اسمًا على مُسمّى؛ فما مرَّ به مرَّ كالعلقمِ بل أشدّ مرارةً؛ إذ احتلَّ الدواعش قريتهم، وأخذوا كُلَّ نسائها سبايا.. لكن كانَ هناك حكمٌ خاصٌ لبعضِ العوائلِ، فليسَ لهم حقٌّ في الحياةِ... كانَ الدواعشُ يعتدون على نسائهم ثم يقومون بإحراقهن، وهذا ما حدثَ لصابر؛ لقد أحرقوا أُمَّه وأخواتِه الثلاثةَ بعدَ قتلهم والدَه وأخاه الأصغر.. لم يكنْ في حينِها معهم؛ لذلك نذرَ نفسَه للدفاعِ عن الأرضِ والعرضِ؛ فالتحقَ بالحشدِ وحرَّرَ قريتَهم وحرَّرَ بعضَ العوائلِ التي كانتْ تحتَ أسرهم. مرّتْ ثلاثةُ أيامٍ وصابرٌ في السجنِ ولم يسمحوا لأيّ أحدٍ بزيارته، كانَ يجلسُ في زنزانتِه وحيدًا، وقد ضاقَ صدرُه فرفعَ يديه للمُناجاةِ والدُعاء: (ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﺸﺠﺮِ ﻣِﻦ ﺑﻴﻦِ ﺭﻣﻞٍ ﻭﻃﻴﻦ! ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﻨﺎﺭِ ﻣﻦ ﺑﻴﻦِ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪِ ﻭﺍﻟﺤﺠﺮ! ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﻠﺒﻦِ ﻣﻦ ﺑﻴﻦِ ﻓَﺮْثٍ ﻭﺩﻡ.. إلهي خلِّصْني من السجن) وأظهِرْ براءتي.. إلهي اشفِ هذه الفتاةَ؛ إنّها فتاةٌ مؤمنةٌ وطاهرةٌ وكانتْ في ابتلاءٍ صعبٍ.. إلهي إنْ خرجتُ من هُنا ولم تكنْ هذه الفتاةُ مرتبطةً بشخصٍ فسأتقدّمُ لخِطبتِها وسأُحافظُ عليها وأحميها من ذئابِ الدُنيا فلا بُدّ أنّها فتاةٌ وحيدةٌ؛ لذلك اضطُرّتْ للسفرِ وحدَها مع العمِّ أبي عماد. إلهي عافِ واشفِ العمَّ أبا عماد (اللهم إنّي مظلومٌ فانتصر)، وسجدَ يدعو اللهَ تعالى بكُلِّ خضوعٍ وخشوعٍ، وبعدَ أنْ أنهى سجدتَه فُتِحَ بابُ السجن... - صابر، لقد جاءَ شخصٌ لزيارتك . - من؟! - لا أعلم.. وعندما ذهبَ إلى المكانِ المُقرّرِ للزيارةِ رأى عمادًا فاحتضنَه وبكيا... - أخي صابر، لقد حاولتُ زيارتَك كثيرًا ولم يسمحوا لي، إلا بعدَ أنْ استفاقَ أبي اليومَ، ودوّنوا شهادتَه.. لم تتبقَ إلا بعضُ الإجراءاتِ لأُخرِجكَ من السجنِ إنْ شاء الله (تعالى)... سَجَدَ صابرُ شكرًا للهِ (تعالى) على ظهورِ براءته: شكرًا لك يا ربّي فأنتَ أرحمُ الراحمين.. - أخي صابر، لقد اختاركَ اللهُ تعالى لإنقاذِ أبي وهذهِ الفتاةِ الطاهرةِ، في الوقتِ الذي لم أكنْ موجودًا، وإلا كُنتُ أنا في مكانِك الآن.. أشكرك يا أخي وجزاك اللهُ خيرَ الجزاء ... - الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، والشكرُ لله، فأبوك رجلٌ طيبٌ، الحمدُ لله على سلامتِه.. ولكن أبشِرْ ما حالُ الفتاة؟ - مسكينةٌ، لحدِّ الآن تعتقدُ أنّها مُطاردةٌ، وتستنجدُ كُلّما استيقظتْ ويُحاوِلُ الأطباءُ إعطاءَها المُهدِّئات.. رأيتُ الدكتور اليومَ وقالَ: إنّها في حالةِ صدمةٍ، ولكنّها ستهدأُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى) بمرورِ الأيام.. الفتاةُ المسكينةُ ليس لها أحدٌ يعتني بها، فذهبت أختي لتسهرَ على راحتها ... - باركَ اللهُ بك يا أخي عماد، ووفّقَ اللهُ تعالى أختك فأنتم أُناسٌ طيبون .... - اليومَ أخبرني أبي أنّ هذه الفتاةَ عندها صديقةٌ تُحِبُّها جدًا فطالما كانتا معًا، وكان أبي هو من يتولى إيصالهما عند خروجهما إلى بعض الأماكن، لذا فهو يعرف عنوان بيتها، وقد أعطانيه، وسأذهبُ غدًا إن شاء الله (تعالى)؛ فاليوم أحضرتُ المحامي لإنهاءِ إجراءاتِ إخراجك من السجن. يُتبَعُ...

القصص
منذ أسبوعين
81

قهوةُ شتاءٍ(6)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء السادس - ما اسمُك؟ - صابر . - ماذا تعمل؟ - تطوّعتُ في الحشد . - ماذا تُفسِّرُ وجودَك في موقع الحادث؟ - سيّدي قلتُ لك الحقيقةَ لكنّك لا تُصدِّقني . - قصتُك لا يعقلُها أحدُ.. أعِدْ ما قلتَه، فأنت مُتهمٌ بقتلِ شابٍ وضربِ رجلٍ كبيرٍ بالسنّ ومُحاولةِ الاعتداءِ على فتاةٍ، وهذا ما قاله شريكُك الذي أمسكناه معك وكان يُحاولُ الهربَ ... - سيّدي اللهُ يعلمُ أنّي لا أكذبُ وهو الكاذب .... سيدي كُنتُ جالسًا في خفارتي، وكان صديقي عماد قد ذهبَ للصلاة... رنَّ هاتفُ عماد، رأيتُ اسم والدِه، خفتُ أنْ يقلقَ عليه فأجبتُ: - أهلًا، ولدي عماد اتصلْ بالشرطةِ وقلْ لهم: أنا مع فتاةٍ، رأيتُ شابين يمرّانِ من أمامي أخافُ أنْ يفعلوا بها شيئًا.. وبسرعةٍ أخبرني بمكانه ولم يسمعني عندما أخبرته: إنّني لستُ عمادًا، فلم يكنْ لدي الوقتُ لأنتظرَ عمادًا، فركبتُ السيارةَ التي دائمًا نتجولُ بها في القرية.. كُنتُ قريبًا من المكانِ الذي دلّني عليه.. ذهبتُ مُسرعًا فرأيتُ شابًا يضربُ عمّي أبا عمادٍ على رأسه، فأُغميَ عليه، وكان يريدُ قتلَه.. - وكيفَ علمتَ بكُلِّ هذه التفاصيل في الظلام؟ - سيّدي كانَ المكانُ يسودُه الظلامُ، لكنّ ساعدني على الرؤية ضوءُ القمرِ وصفاءُ السماءِ، وكنتُ أحملُ مصباحًا دائمًا ما أحتاجُ إليه بسببِ طبيعةِ عملي.. ضربتُه ولكن لم أصِبْه، حاولَ ضربي بالمسدس، كُنتُ أسمعُ صوتَ الفتاةِ وهي تصرخُ... الأحداثُ كانتْ تسيرُ بسرعةٍ، حاولَ أنْ يهربَ، ركضتُ وراءه حاولَ قتلي وشلَّ تفكيري، ولكنّي كُنتُ أفكِّرُ بالفتاةِ التي تصرخُ.. ضربتُه على رأسه كي يفقدَ الوعيَ وذهبتُ لإنقاذِ الفتاة... وعندما أردتُ الذهابَ رفعَ مُسدسه.. في هذه اللحظةِ جلسَ العمُّ أبو عماد مُحاولًا إمساكه، فضربَه وأرادَ قتلَه ولم يكنْ لي خيارٌ إما أنْ أقتلَه أو يقتلَ هو العمَّ أبا عماد، فقتلتُه... ركضتُ بسُرعةٍ لإنقاذِ الفتاةِ، أطلقتُ بعضَ رصاصاتٍ على الشابِ الذي كان يركضُ وراءها، لكنّه كانَ بعيدًا عنّي.. لم أصِبْه، فهربَ وذهبتُ مُسرعًا؛ لأنّي رأيتُ الفتاةَ تغرقُ وأحضرتهم إلى المستشفى هي والعمَّ أبا عماد.. أرجوك يا سيدي أخبرني هلِ الفتاةُ بخير؟ وهل العمُّ أبو عماد بخير؟ فلا يهمّني إنْ كنتم تُصدّقونني أم لا؛ لأنَّ أمرَ الفتاةِ يُهِمُّني والعمُّ أبو عماد رجلٌ طيبٌ.. وأما أنا فافعلوا بي ما تشاؤون، لكن أرجوكم أخبروني - إنَّ محمود (أبا عماد) في حالةٍ خطرةٍ، والفتاةُ لم يُتيحوا لنا استجوابها، لقد رفضوا؛ فحرارتها مُرتفعةٌ ومُنهارةٌ نفسيًا، وهما الأملُ الوحيدُ لك في النجاةِ فهم الشهودُ على ما حدثَ.. أما الشابُ الذي هربَ فهو ابنُ أحدِ المسؤولين الكبار، وقد أُخليَ سبيله بكفالة. وقفَ صابرُ وهو يرتعشُ غاضبًا مُزمجرًا: - ماذا؟! أتتركونَ الذي حاولَ اغتصابَ فتاةٍ طاهرةٍ يرحلُ بكُلِّ سهولةٍ؟! - الحقيقةُ أنا مُتعاطفٌ معك، لكنّ والدَ الشابِ له نفوذٌ ولقد دوّنوا أقوالَه وقال: أنتَ من فعلَ كُلَّ هذا، وستبقى في السجنِ إلى أنْ يفيقَ أبو عماد أو الفتاة، ليشهد أحدهما بأنّك بريءٌ أما إنْ ماتَ أبو عماد ولم تكنِ الفتاةُ مؤهلةً للإدلاءِ بشهادتها، فتكونُ أنتَ المسؤولُ عن كُلِّ ما حدث. - سيّدي، إنْ كُنتُ فعلتُ كُلَّ هذا فلماذا أحضرُ الفتاةَ والعمَّ أبا عماد إلى المستشفى؟ - لقد قالَ ابنُ المسؤول: إنّك فعلتَ ذلك؛ لأنّك علمتَ بأنه رآك، فخفتَ أنْ يفتضحَ أمرُك.. جلسَ صابرٌ على الكرسي ... - رُحماك يا ربِّ؛ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليّ العظيم ... آهٍ كم من المؤلمِ أنْ يُتهَمَ الإنسانُ بجرائمَ لم يفعلْها، واﻷمرُّ من ذلك أنَّ صابرًا رجلٌ شجاعٌ وأنقذَ سارة والعمَّ محموداً.. ترى ماذا يُخبّئُ القدرُ لصابر؟ وما مصيرُ الفتاةِ الطاهرةِ المؤمنة سارة؟ وماذا سيحلُّ بالعمِّ محمود؟ يتبع ...

القصص
منذ أسبوعين
97

قهوةُ شتاءٍ(4)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الرابع ماتَ أبي... وبقيتُ أُصارعُ الوحدةَ، ولكي أعيشَ في زمنٍ أغلبُه من ذئابِ الليلِ؛ فلا بُدّ أنْ أُطيلَ أظافري ﻷدافعَ عن نفسي. في كُلِّ مكانٍ كانَ هناك من يطمعُ بفتاةٍ وحيدةٍ تملكُ بيتًا صغيرًا... لكن.. لمُضي ربيعِ عمري كانَ ترتيبي بالنسبةِ للرجالِ أنْ أكونَ زوجةً ثانيةً... لم أُوافقْ أبدًا، لقد تصلّبَ وتجمّدَ إحساسي بالعواطفِ، ولم يكنْ هناك من يُدفئها غيرُ قهوتي التي أرحلُ معها إلى صفحاتِ الماضي بحلوِها ومرِّها. لم يبقَ لي سوى صديقتي وأُختي (هيفاء) التي كانتْ معي في الجامعةِ، بعدَ أنْ جمعَنا القدرُ، عندما تزوجت من جارنا (أُسامة)، وأنجبتْ منه بنتين جميلتين. لم تتركني أبدًا؛ فلها قلبٌ طيبٌ، ولكنّها سريعةُ الغضب، وهذا ما كانَ يجعلُها كثيرةَ الخلافِ مع زوجِها أُسامة الذي كانَ له نفسُ الطباع أيضًا. كنتُ كاتمةَ أسرارِها، تشكو لي... وكثيرًا ما كُنتُ أمسحُ دموعَها وأُخفِّفُ عنها، لكنّي لم أكنْ أنصحُها؛ إذ ليست لديَّ خبرةٌ بالحياةِ الزوجية. وجودُها في حياتي خفَّفَ عليّ وحدتي، فلم يكنْ لي سوى عملي وهي وابنتيها هبة ومروة الجميلتين؛ فمعهما كنتُ أعودُ إلى عالمِ البراءة، لكنّ غدرَ الزمانِ كانَ لي بالمرصاد. كنتُ لا أذهبُ إلى بيتِها أبدًا، وفي آخرِ خلافٍ بينها وبينَ زوجِها اتخذتْ قرارًا بالطلاق فذهبتُ إلى بيتِ أهلِها لأنصحها بتأجيل فكرةِ الطلاقِ، وتركِ زوجِها أُسامة حتى يهدأ، لكنّها أصرّتْ، ولأولِ مرةٍ لم تُخبرني بسببِ الخلاف. زوجُها كانَ يعملُ معي في نفس المكانِ، فأصرَّ في يومٍ ما أنْ نتحدّثَ، وتصوّرتُ أنّه يُريدُ أنْ أكونَ وسيطًا بينه وبين هيفاء؛ لأنّه يعلمُ مدى حُبّي لها، وبعدَ إصرارٍ منه وافقتُ أنْ نتكلّمَ في مكانٍ عام وفي كافيتريا الدائرة، حيثُ كُنّا نعمل، كانَ حديثُنا من الطبيعي جدًا؛ لأنّ أغلبَ اﻷوقاتِ كُنّا نتحدّثُ عن العملِ، ولم نتطرّقْ أبدًا إلى أحاديثَ خاصةٍ، إلا أنَّ هذه المرة حدثتْ كارثةٌ لم أتوقعْها أبدًا؛ جلسنا وطلبَ القهوةَ... - أعلمُ أنّكِ تُحبّين القهوةَ... - شكرًا ... - سوف أدخلُ في الموضوعِ؛ فنحن لسنا شبابًا صغارًا، وأنتِ فتاةٌ ناضجةٌ... - تفضَّلْ ... أحضرَ النادلُ القهوةَ، وكم كانتْ مُرةً بمرارةِ السؤالِ الذي سألني به... - هل تقبلين بالزواج مني؟ - ماذا؟! - أنا أريدُ أنْ أتزوّج بكِ.. أصابتني الدهشةُ والذهولُ، وكأنّي فقدتُ النُطقَ، وقفتُ وبيدي فنجانُ القهوةِ، ولشدّةِ غضبي ضغطتُ عليه حتى انكسر بقبضةِ يدي، وامتزجَ دمي مع مرارةِ القهوةِ.. لم أشعر بألمِ يدي، بل شعرتُ بتمزُّقِ روحي التي تناثرتْ مع قطعِ الزجاج. فارتبكَ وأخذَ المناديلَ ونادى النادل، عندَها وقفتُ وهممتُ بالسير، لكن قال: أستحلفُكِ بحُبِّكِ لهيفاء أنْ تسمعيني.. أدرتُ وجهي لأنّي كرهتُ النظرَ إلى وجهه... - إنّها بالنسبةِ لي خيانةٌ وإن كان الطلب مشروعاً... - -لطالما كُنتُ مُعجبًا بكِ؛ فأنتِ إنسانةٌ عاقلةٌ ومؤمنةٌ ولكِ شخصيةٌ قويةٌ وذكيةٌ... كانَ بودّي لو أنّي أمسكُ بخنجرٍ لأقطِّعَه به، التفتُ إليه وطأطأتُ برأسي ... - أتعتقدُ أنّي أتزوج على صديقتي صديقتي التي لم يَعُدْ لي في الحياةِ سواها؟! أتعتقدُ أنّي أستطيعُ أنْ أبنيَ سعادتي على حسابِ تعاستها؟! مشيتُ مُسرعةً .. - آنسة سارة، لقد أخبرتُها بذلك هُنا جنَّ جنوني، ولكنّي أطفأتُ نارَ غضبي عليه... - كيف تجرؤ على ذلك؟! ألهذا طلبتِ الطلاق منك؟! آهٍ يا حبيبتي هيفاء، إنّها لم تُخبِرني بذلك؛ كي لا تجرحَ مشاعري، رفعتُ عيني وكأنّي أرمي في عينيه سهامًا من نارِ الحقد... - إنْ كُنتَ تُريدُ الزواج بأخرى على من أحبّتْك بكُلِّ صدقٍ.... أُختي وصديقة عمري، فأنا من سيقفُ في وجهِك، وأنا من سأدافعُ عنها بكُلِّ وجودي وكياني؛ فأنا لن أخذل من أحبُّها أبدًا.... تركتهُ ورحلتُ ولم أسمعْ منه أيّ تعليقٍ أو ردٍّ على ما قُلتُه..... يُتبَعُ..

القصص
منذ أسبوعين
69

قهوةُ شتاءٍ(3)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الثالث لقد جاءَ لخِطبتي.. إنّه هو! رأيتُه عندما خرجَ... لاحتْ ملامحُ الحزنِ على وجهِه النوراني.. دخلَ أبي وهو مُكفهِرُّ الوجهِ، قاطبُ الحاجبين، ساخطًا صرخَ مُزمجِرًا: - إنّ هذا الشابَ مجنونٌ؛ يُريدُ أنْ يتزوّجكِ ويُسافرُ، وعلاوةً على كُلِّ هذا هو مُتطوِّعٌ في الجيشِ ليُدافعَ عن أرضِه التي احتلتها داعش.. طأطأتُ رأسي.. ودخلتُ غرفتي مُسرعةً.. - تُرى يا أبي.. لماذا لمْ تُفكِّرْ ولو لمرةٍ واحدةٍ أنْ تسألَ عن رأيي؟ ففي كُلِّ مرةٍ عندما يتقدّمُ شخصٌ لخطبتي، تجيبُه نيابةً عني.. أينَ أنتِ يا أُمّي؟ كم أحتاجُ أنْ أرميَ نفسي في أحضانكِ؛ كي أشكوَ إليك وحدتي.. رغم أنّي لا أتذكّرُكِ أبدًا، لكنّ قلبي يُخبِرُني أنّكِ كُنتِ حنونةً وطيبةً؛ لأنّ أبي لا يتحمّلُ حتى ذكر اسمكِ أمامي لشدّةِ ألمه وحُبِّه لكِ.. رفعتُ يديَّ إلى السماءِ لأدعو لوالديّ: "اللهم ﻭﻣﺎ ﺗﻌﺪّﻳﺎ ﻋﻠﻲّ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻗولٍ، ﺃﻭ ﺃﺳﺮﻓﺎ ﻋﻠﻲّ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻓﻌﻞٍ، ﺃﻭ ﺿﻴّﻌﺎﻩ ﻟﻲ ﻣﻦ ﺣﻖٍّ، ﺃﻭ ﻗﺼّﺮﺍ ﺑﻲ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﻭﺍﺟﺐٍ، ﻓﻘﺪ ﻭﻫﺒﺖُ ﻟﻬﻤﺎ، ﻭﺟﺪﺕُ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ، ﻭﺭﻏﺒﺖُ ﺇﻟﻴﻚ ﻓﻲ ﻭﺿﻊِ ﺗﺒﻌﺘِﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﺈﻧّﻲ ﻻ ﺃﺗﻬﻤُﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ، ﻭﻻ ﺃﺳﺘﺒﻄﺌﻬما ﻓﻲ ﺑﺮّﻱ، ﻭﻻ ﺃﻛﺮﻩُ ﻣﺎ ﺗﻮﻟّﻴﺎﻩ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻱ، ﻳﺎ ﺭﺏِّ ﻓﻬُﻤﺎ ﺃﻭﺟﺐُ ﺣﻘًّﺎ ﻋﻠﻲّ، ﻭﺃﻗﺪﻡُ ﺇﺣﺴﺎﻧًﺎ ﺇﻟﻲّ، ﻭﺃﻋﻈﻢُ ﻣِﻨّﺔً ﻟﺪﻱّ ﻣﻦ ﺃﻥْ ﺃﻗﺎﺻّﻬﻤﺎ ﺑﻌﺪﻝ، ﺃﻭ ﺃﺟﺎﺯﻳﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ، ﺃﻳﻦ ﺇﺫًﺍ - ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ - ﻃﻮﻝُ ﺷﻐﻠِﻬﻤﺎ ﺑﺘﺮﺑﻴﺘﻲ؟ ﻭﺃﻳﻦَ ﺷدّﺓُ ﺗﻌﺒِﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺣﺮﺍﺳﺘﻲ؟ ﻭﺃﻳﻦَ ﺇﻗﺘﺎﺭُﻫﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴِﻬﻤﺎ ﻟﻠﺘﻮﺳﻌﺔِ ﻋﻠﻲّ؟ ﻫﻴﻬﺎﺕ! ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻮﻓﻴﺎﻥِ ﻣﻨّﻲ ﺣﻘَّﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﺃُﺩﺭِﻙُ ﻣﺎ ﻳﺠﺐُ ﻋﻠﻲّ ﻟﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﺃﻧﺎ ﺑﻘﺎضٍ ﻭﻇﻴﻔﺔَ ﺧﺪﻣﺘﻬﻤﺎ.." لقد حاولَ الشابُ المُستحيلَ لكي ينالَ رضا أبي، تحدّثَ إلى كثيرٍ من الأصدقاءِ والجيرانِ ولكن بلا جدوى.. وفي يومٍ ما مرضَ أبي، فخرجتُ لشراءِ الخبزِ شعرتُ بوجودِه، مشيتُ بخُطى حثيثةٍ كادَ قلبي أنْ يقفَ من شِدّةِ الخوفِ، أردتُ الإسراعَ فوقعتُ على الأرضِ.. سمعتُه يقولُ بصوتِه الحنون: - لا تخافي أرجوكِ، لن أؤذيَك سوفَ أرحلُ وجئتُ لأودِّعَك... أردتُ أنْ أصرخَ من كُلِّ قلبي: - لماذا ترحلُ وتتركني؟ هل استسلمت؟! لكنَّ عِفّتي وحيائي وديني لم يسمحوا لي أنْ أتحدّثَ معه ...أسرعتُ أكثر في المسيرِ ودموعي تترقرقُ في عينيّ... - أعلمُ أنّك فتاةٌ مؤمنةٌ ولا تستطيعين التحدُّثَ إليّ لكنّي مُضطرٌّ للرحيلِ وأعدُكِ أنّي لن أنساكِ وسأعودُ؛ لأنّك جوهرةٌ ثمينةٌ لا يقبلُ أبوك أنْ يُفرِّطَ فيك.. وأنا أيضًا لن أتركَك.. أسألُكِ الدعاءَ لي.. وداعًا... ثم تركني وذهب... آهٍ... ما أقسى هذه الحياة! إعصارُ العواطفِ الساكنُ انفجرَ كالبُركان، انهالتْ دموعي رسمتْ أخدودًا، حزنٌ وجرحٌ لا يلتئمُ.. تُرى من يشعرُ بفتاةٍ تنتابُها الوحدةُ القاتلةُ لكنّي فوّضتُ أمري للهِ (تعالى) إنّه بصيرٌ بالعبادِ وبجُرعةٍ من الشجنِ ودّعتُه وداعًا.. يا ظلي.. لقد علمَ كُلُّ أهلِ المدينةِ أنّ أبي يرفضُ أيّ شخصٍ يتقدّمُ لخِطبتي وكانَ هذا الشابُ آخرَ من طرقَ بابي. روحي المعذَّبةُ عاشتْ وهي تتذكّرُ كلماتِ الوداعِ من قلبٍ نقيٍ صادقٍ... يُتبَعُ...

القصص
منذ أسبوعين
72

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
91597

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
90641

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
49265

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
47300

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
47285

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
46974