إنارةٌ حَسَنية/٣

بقلم: علوية الحسيني "مَنْ تذكّرَ بُعدَ السفرِ اعتدّ"(1) قولٌ رويَ عن الإمامِ الحسن (عليه السلام), يُنيرُ الجوانحَ؛ لتُعيدَ النّظرَ في عقيدتِها, ويُنيرُ الجوارحَ؛ لتقضيَ حقوقَ اللهِ (تعالى) وعبادِه، وتُعامِلَ النّفسَ والآخرين بأخلاقِ اللهِ (تعالى) ربِّها. اعتادَ الإنسانُ إذا أرادَ السّفرَ أنْ يأخذَ معه حقيبةً يضعُ فيها الزّادَ الذي يحتاجُ إليه في السفر, من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ واللوازمِ الأخرى التي يحتاجُها جسدُه. وكما الجسدُ يُسافرُ, فالرّوحُ ستُسافِرُ أيضًا في يومٍ ما, لكن دونَ أنْ نعلمَ بموعدِ سفرِها؛ سترتحلُ إلى عالمِ البرزخ, ومن الظُّلمِ عدمُ تزويدِها بالزّادِ الذي تحتاجُه؛ فليس هناك زادٌ يأخذُه الإنسانُ إلى عالمِ البرزخِ والقيامةِ سوى العِلمِ الصالحِ النافعِ المؤدّي للعملِ به في عالمِ الدُنيا. إذًا, لا بُدَّ أنْ نكتسبَ العلمَ النّافعَ, ثم نعملَ به؛ حتى يكونَ عملنا صالحًا. ولعمري, أيُّ علمٍ أنفعُ للإنسانِ سوى العِلمِ باللهِ (تعالى), المُسمّى بالتوحيد! يقولُ اللهُ الواحدُ الأحد: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه}(2), فالكلمُ الطيّبُ هو التوحيدُ حسبما جاءَ في تفسيرِ هذه الآيةِ المُباركة؛ "فلا عملَ يرتفعُ إذا لم يكنْ نابعًا عن توحيدِ اللهِ (تعالى)"(3). •والإمامُ الحسنُ (عليه السلام) يُنيرُ قلوبَنا بموعظتِه هذه؛ حيثُ يُرشِدُنا إلى جوهرِ العُدّةِ أو الزّادِ في السفرِ البرزخي وما بعده، وهو (معرفة الله (تعالى))؛ وهذه هي الغايةُ من خلقِ الإنسان؛ حيثُ توصِلُه للكمال. كما ويصِفُ الإمامُ السّفرَ إلى اللهِ (تعالى) بالبعيد؛ لعلّه للإشارةِ إلى المُدّةِ الزمنيةِ, أو إلى بُعدِنا عن التفكُّرِ بالسفرِ الرّوحي, فيُسرِجُ لنا نورَ الموعظةِ؛ لنُعالِجَ مرضَ غفلتِنا, حيثُ الرّوح تنزفُ جهلًا, ولا يُضمِّدُ جرحَها النازفُ سوى معرفةِ اللهِ (تعالى) وتوحيدِه بذاتِه, وصفاتِه, وأفعاله. أو لعله إشارة إلى أن طريق التكامل غير متناهٍ، فهو بعيد عن متناول يد الممكن أن يصل إلى الغاية فيه. ذلك التوحيدُ الشّاملُ المُصحِّحُ عقائدَ الإنسانِ, ودافعُه إلى أداءِ عباداتِه، واجتنابِ المُحرّمات، وحُسن مُعاملاتِه مع عِبادِ الرحمن, وتهذيب النّفس، والتخلُّق بأخلاقِ أهلِ الجنان. فكفانا غفلةً, وهلّا استيقظنا وتزوّدنا؟ "تخيّرْ قرينًا من فِعالِك إنّما قرينُ الفتى في القبرِ ما كانَ يفعلُ فلا بُدّ للإنسانِ منْ أنْ يعدّه ليومٍ يُنادى المرءُ فيه فيُقبلُ فإنْ كُنتَ مشغولًا بشيءٍ فلا تكنْ بغير الذي يرضى به اللهُ تُشغَلُ فما يصحبُ الإنسانَ من بعدِ موتِه ومن قبلِه إلا الذي كانَ يعملُ ألا إنّما الإنسانُ ضيفٌ لأهلِه يُقيمُ قليلًا عندَهم ثم يرحلُ"(4). ___________________ (1) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص236. (2) سورة فاطر: 10. (3) ظ: تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج17, ص23. (4) شعر نظّمه قيس بعد أن تشرف بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله), بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج74, ص176. إلهي إنْ كانَ قلَّ زادي في المسيرِ إليك، فلقد حَسُنَ ظنّي بالتوكُّلِ عليك. 10/ صفر/ 1443هـ.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 4 أيام
108

إنارةٌ حَسَنية/٢

بقلم: علوية الحسيني "لا تأذنوا لأحدٍ حتى يُسلِّم"(1). هذا ما رويَ عن الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السلام)، وفيه إنارةٌ لمن كانَ يسيرُ في ظُلُماتِ الغفلةِ عن أهميةِ السلام، أو كانتْ روحُه إما مُتغطرِسةً لا تتواضع، أو بعيدةً عن التخلُّقِ بأخلاقِ اللهِ السلام، أو باختصارٍ: غافلةً عن ثقافةِ ابتداءِ السلام، وحتى ردّه؛ لأنّ من اعتادَ أنْ يتكلّمَ دونَ سلام فإنّ ردَّ السّلامِ عندَه من نافلةِ القول. ومن المؤسفِ أنّ البعضَ يتكلّمُ معك دونَ أنْ يُلقي السلام. الإمامُ المُجتبى (عليه السلام) يُريدُ أنْ يسموَ بشيعتِه إلى الرُقي، فأخذَ يُخاطِبُ الطرفَ الآخر، لا الذي كانَ ينبغي عليه أنْ يُسلِّم، ويقول له: لا تأذنْ لذلك الشخصِ بالكلام قبلَ أنْ يُسلّم. لكن، من المُحرجِ أنْ تقولَ لمن يتكلّمُ معك دونَ سلام: (سلِّم أولاً) لا سيما إذا كانَ أكبرَ منك سنًّا، أو أعلى منك درجةً علمية؛ لذا ينبغي أنْ نستضيءَ بنورِ قولِ الإمامِ (عليه السلام) ونجعلَ البدءَ بالسلامِ ثقافةً واستنانًا وتحصيلًا لرضا الرحمن. وكما هناك حقٌّ لمن يُريدُ أنْ يُلقى السلامُ عليه، فهناك حقٌ لمن سلّمَ ولم يتلقَ ردًّا على سلامه! فلماذا هذا الابتعاد عن تُراثِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)؟! ولماذا هذا التكاسُل عن إلقاءِ السلامِ أو ردّه، أو حتى كتابته؟! والخُلاصةُ: إنارةُ الإمامِ المُجتبى (عليه السلام) تكشفُ لنا الدُّررَ التالية: 1/إنّ السلامَ وإنْ كانَ تطوّعًا إلا أنّه سُنّةُ المعصوم فينبغي على الموالي اتباعُها. 2/إنّ في السلامِ ثوابًا عظيمًا، وليس بعاقلٍ من تنازلَ عن ثوابه؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "مَنْ قالَ: السلامُ عليكم فهي عشرُ حسناتٍ، ومن قالَ: [ال] سلام عليكم ورحمة الله فهي عشرون حسنةٍ، ومن قال: [ال‍] سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاثون حسنة"(2). 3/ردُّ السلامِ واجبٌ، رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) قال: "قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): السلامُ تطوّعٌ والرَّدُّ فريضةٌ"(3). .......................... (1) تحف العقول: لابن شعبة الحراني, ص246. (2) الكافي: للشيخ الكليني, باب التسليم, ج2, ص645, ح9. (3) المصدر نفسه, ج2, باب التسليم, ص644, ح1. اللهمَّ اجعلْ نفسي مُستنّةً بسُنَنِ أوليائك. 8/صفر/ 1443هـ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 6 أيام
137

إنارةٌ حَسَنية/ ١

بقلم: علوية الحسيني "عَـجِبْتُ لِمَنْ يَتَفَكَّـرُ في مَـأْكُولِهِ كَيْـفَ لا يَتَفَـكَّـرُ في مَعْـقُـولِهِ، فَيُجَنِّبُ بَطْنَهُ ما يُؤْذيهِ، وَيُودِعُ صَدْرَهُ ما يُردِيهِ"(١). قولٌ رويَ عنِ الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السلام)، فيه إنارةٌ واضحةٌ تُنبِّهُنا على أنّ اللهَ (تعالى) خلقَ الإنسانَ للوصولِ إلى الكمال، ولا يستطيعُ كُلٌّ مِنّا أنْ يُحلـِّقَ في مدارجِ الكمالِ ومراتبِ القُربِ من رضوانِ اللهِ الأحد إلا من خِلالِ جناحين: ■الجناحُ الأول: وهو الأساس، جناحُ العِلمِ والمعرفة. ■الجناحُ الثاني: وهو الفرعُ، جناحُ العمل. •فقيمةُ العملِ إنّما تثقلُ وتتبلورُ من خِلالِ الكيفِ المعرفي والعلمي عندَ الإنسان؛ لهذا كانَ العلمُ أفضلَ العباداتِ وأرقاها وأسماها، لكنَّ العجبَ كُلَّ العجبِ من زُهدِ الكثيرين -ممّن ينتسبون إلى الإسلامِ عمومًا، وإلى الولايةِ خصوصًا- في العلمِ والمعرفةِ الدّينيّةِ وكأنّها أمرٌ ثانوي لا أهميةَ ولا ضرورةَ له! •ومن هُنا يتعجّبُ سيّدُ شبابِ أهلِ الجنةِ الإمامُ المُجتبى (عليه السلام) من ظاهرةِ اهتمامِ الإنسانِ بمأكولاتِه وعنايتِه بدِقّةِ اختيارِها ذوقًا وطعمًا ولونًا ونظافةً، لكنّه لا يولي ذاتَ الاهتمامِ بمعقولاتِه ومعلوماتِه ومعارفِه، فيُشبِعُ جوعَ بطنِه، ولا يُشبِعُ جوعَ عقله! والأغربُ من ذلك عندَما يُطلَبُ من إنسانٍ ما أنْ يأتيَ إلى مجالسِ العلم، أو يطلبه في بيتِه يتعذّرُ ويتذرّعُ بقوله: ((لا يوجدُ لديّ الوقتُ الكافي لذلك))! عجبًا عجبًا، هل يوجدُ عندَك وقتٌ لإشباعِ بطنِك، ولا يوجدُ عندَك وقتٌ لرُقي عقلِك؟! •إنّ السلوكَ المعرفي التكامُلي الذي يهدفُ إلى بناءِ الذاتِ الإيمانيةِ وتكامُلِها في دائرةِ انتظارِ الفرجِ للحُجّةِ المُنتظر (روحي فداه)، والاستعدادَ الحقيقي للمؤمنِ لدولةِ القائمِ يكونُ من خِلالِ قولِ اللهِ (تعالى): {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة}(٢)، وإنّ من أعظم السِلاحٍ والقوة التي يستعدُّ به المؤمنُ والمؤمنةُ للظهورِ المُقدّسِ لبقيّةِ اللهِ (عجّل الله فرجه الشريف) هو سلاحُ العِلمِ وقوّةِ المعرفة. فهلاّ تأمَّلْنا؟ ____________________ (1) بحار الأنوار: ج1، ص218، ح43؛ عن دعوات الراوندي. (2) سورة الأنفال: ٦٠. اللهم وفّقْنا للعِلمِ والعملِ الصالح.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ أسبوع
146

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)(3)

بقلم: علوية الحسيني الحلقة الثالثة: قولُه (عليه السلام): "اللّهُمَّ!... شديدَ المحال" المحالُ لُغةً هو: "الكيد والمكر"(1)، فالإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) رغمَ علمِه باستشهادِه على يدِ أرذلِ خلقِ اللهِ (تعالى)، وقد يظنُّ البعضُ انتصارَ العدوِّ بقتلِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، إلا أنّ الخلدَ كان من نصيب الإمام (عليه السلام)، والذُلَّ والهوانَ أمطرَ حجارتَه على أعداءِ الإمام (عليهم لعنة الله). ورغمَ ذلك فالإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) يدعو اللهَ (تعالى) بـ(يا شديدَ المحال)؛ أي يا شديدَ الانتقامِ من الأعداء، شديدَ المكرِ والكيد بهم؛ لعلمِ الإمامِ بأنّ اللهَ (تعالى) عادلٌ ناصرُ المظلومين. فلسانُ حالِ الإمامِ (عليه السلام) يقولُ: إلهي أنتَ أعلمُ بما حلَّ بي وبأهلي، فقد أمطرَنا الأعداءُ غدرًا وتشريدًا، وإنّ طوفانَ حقدِهم سيجرفُ آلَ بيتي وحرائري إلى حيث أرذلِ خلقك. ولم يطفُ فوقَ طوفانِ الدم سوى أجساد بالجروحِ مُثكلات، عن الرؤوسِ مفصولات. فكما نادى نوحٌ ربَّه بعدَ مكرِ قومِه به، نادى الحُسينُ (عليه السلام) ربَّه بعدَ مكرِ قومِه به أيضًا: {رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا* وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارا}(2). وها أنا ذا ربّي أدعوك يا شديدَ المحال، يا شديدَ المكرِ والانتقام بالماكرين، عليكَ بأعدائي. فها أنا ذا وارثُ نوحٍ نبيّك، أنا أيضًا {دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا}(3)، فيا إلهي و{رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا* وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارا}(4) فاتبعوا آلهتهم يزيد، وابنَ زياد، وابنَ مرجانة، وعمرَ بن سعد، وشمرًا (عليهم سطوات غضبك)، ومكروا بي مكرًا كبّارا. فيا {رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا}(5)، فهم هتكوا حُرمتي، واستحلّوا دمي، وأغضبوا حبيبَك محمدًا (صلى الله عليه وآله), وأفجعوا قلبَه. يا ربِّ فكما قُلتَ: {ونُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم}(6) فاستجبْ لي واكشفِ الكربَ عنّي وعن أهلي، وأنا على يقينٍ أنّك ستُركبني وأهلَ بيتي سفينةَ الصبرِ والنجاة، أعِدُكَ يا ربّي سنركبُها مُتكئين على التسليمِ لأمرِك {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}(7), وستجعلني أنا سفينةَ نجاةِ كُلِّ مظلومٍ ومكروب، وإنْ أمرتَنا بعدَ النصرِ بالحمدِ والثناء عليك، فسنحمدك حمدًا بليغًا؛ كما أمرتَ نوحًا (عليه السلام) ومن معه {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(8). وسأقولُ مثل ما أمرتَ نبيّك نوحًا (عليه السلام) بالقول: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِين}(9)؛ لأنّ جدّي رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أنّك ستُنزِلُني منزلًا مباركًا لاتِّباعي، الذي سيكونُ هو كعبةً لعُشاقي، ومع أنّه كَربٌ وبلاء، لكنّه آيةٌ من آياتِكَ في الشهادة. ورغمَ أنّي بكيتُ على أعدائي؛ لأنّهم بسببِ بُغضِهم وقتلهم إيّاي سيدخلون جهنم، لكنّني طوعُ أمرِك الإلهي (أنْ لا مُخاطبةَ معك في شأنِ الظالمين)، وطوع أمرِك إيّاي (أنِ اصنعِ الشهادةَ وستأتي روحي إلى الملكوت، فأنا في رِحابِ اللُطفِ والرعايةِ الإلهية)، كما أمرتَ نوحًا (عليه السلام) أنْ يُكمِلَ صُنعَ سفينتِه {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونْ}(10). يا ربِّ إلا أنّ موعدَ نصرِ نوحٍ (عليه السلام) كانَ حينما فارَ التنور "للدلالةِ على موعدِ الطوفان"(11) {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَك}(12) فلم يُفجَعْ فيه أهلُه، أمّا موعدُ نصري كانَ حينما فارَ دمُ رضيعي من نحرِه، ودمُ أخي العباس من حدقةِ عينه، ودمي من أوداجي، ففُجِعتِ السماءُ وملائكتُها، والأرضُ وأنبياؤها، حتى نوح ناحَ عليّ نَوحًا. ونحنُ جميعًا اليومَ نرى أنّ اللهَ (تعالى) استجابَ للإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) فأمطرَ السماءَ دمًا، وأغرقَ أعداءه بطوفانِ الذُلِّ والهوان، وتلاطمتْ بهم أمواجُ خيانةِ بعضِهم بعضًا. فسلامٌ عليكَ يا نوحَ كربلاء، واللعنُ الدائمُ على كُلِّ من حلَّ عليهم طوفانُ الغضبِ الإلهي. ______________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج11, ص619. (2) سورة نوح: 21-22. (3) سورة نوح: 5-6. (4) سورة نوح: 21-22. (5) سورة نوح: 26. (6) سورة الأنبياء: 76. (7) سورة هود: 41. (8)سورة المؤمنون: 28. (9) سورة المؤمنون: 29-30. (10) سورة هود: 37. (11) ظ: تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج10, ص226. فار التنور: التنور المتعارف, أو فار الماء للطوفان من أعالي الأرض, أو فار حين طلوع الفجر. (12) سورة هود: 40. اللّهُمَّ يا شديدَ المحال، صلِّ على مُحمّدٍ والآل، وألهِمْنا صبرًا على ما جرى من فجائعِ الأفعال، وضاعِفْ عقابَك على أعدائهم في الغدوِ والآصال. ليلة10/ محرم/ 1443هـ.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 4 أسابيع
161

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)2

بقلم: علوية الحسيني ح2/ اللهُمّ!... عظيم الجبروتِ بعدَ أنْ نفى الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) عنِ اللهِ (تعالى) المكانَ، قال: "عظيم الجبروت"؛ إشارةً إلى اسمِ اللهِ (تعالى) الجبار، وجبروتُ مُشتقةٌ من جبرَ "الجبّار: اللهُ عزّ اسمُه القاهرُ خلقَه على ما أرادَ من أمرَ ونهي"(1). فأحدُ معاني الجبّار هو "العالي الذي لا شيءَ فوقه؛ لأنّ الجبرَ جنسٌ من العلو"(2). إذن فلسانُ حالِ الإمامِ يقولُ لربِّه: إلهي أنتَ عظيمُ القهر والهيمنةِ على عبادِك، حاشاكَ أنْ تعلوَ على أوامرِك ونواهيك أوامرُ عبدِك ونواهيه. ذكرت جبروتكَ لتجبرَ ظهري المُنكسرَ على عيالاتي ونسائي، فبجبرك ضمادٌ لقلبي المُتقرِّحِ أسفًا على غدرِ أعدائي بي. ورغمَ علمي أنّ لُطفك جلالتك سيُحيطُ بهم، إلا أنّ انكسارَ قلبي لا يجبِرُه سوى مُناجاتي وتذلُّلي لك يا إلهَ العالمين، فمُناجاتك مرهمٌ يداوي ندبات قلبي، وانكسار ظهري. كما إنّي ذكرت جبروتك المُشتقةَ من اسمِك الجبّارِ لأسألك أنْ تجبرَ قلبَ أُختي الحوراء (عليها السلام) بالصبرِ عندَما تسمعُ صوتَ حزِّ السيفِ لنحري، حينما تصرخُ جروحي بصوتِ الدماء، وعندَما ترضُّ الخيولُ عظامي، وعندَما يُنتزَعُ السهمُ من نحرِ ولدي الرضيع... وبدُعائي الأخير: يا ربّي أرجو أنْ تتقبّلَ حمدي لك على جبرِك مُقدّمًا، وجبروتك التي لم أرَ منها إلا جميلًا ورضوانًا منك، فقد جبرتَ وليّك بالشهادةِ على يدِ أخبثِ خلقِك، التي لا ينالها إلا ذو حظٍّ عظيم، وهيهات مِنّا الذلة، فما أعظمَ جبروتك وجبرك! ومن هذا نتعلّمُ من الإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) تقديسَ اللهِ (تعالى)، ودوامَ ذكرِه قلبًا ولسانًا في كُلِّ الأحوال، فذكرُه سلوى لحالةِ الغُربةِ التي يعيشُها المؤمنُ وسطَ كثرةٍ لا خيرَ فيها، وأنْ نرى البلاءَ جمالًا مع صبر؛ لننالَ الرضوان الأكبر. ليلة4/ محرم/ 1443هـ. ___________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص113. (2) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (جبر)، ص 184. اللهُمّ يا عظيمَ الجبروت، اِجبرْ قلوبَنا بالحشرِ مع مولانا الإمامِ الحُسينِ الشهيدِ المنعوت؛ فهو دُعاؤنا في كُلِّ قنوت.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهر
184

في رِحابِ مُناجاةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) (1)

بقلم: علوية الحسيني مقدمة: قبلَ عروجِ روحِه إلى السماء، لم يقطعْ وصالَه بخالقه، حتى ناجى بفنونِ المُناجاةِ خالقه، مُتذلِّلًا بينَ يديه، مُفتقِرًا إلى إجابةِ دعوته، راجيًا دوامَ لطفه، كأنّ طائرةَ روحِه تأخّرتْ؛ ليشُدَّ حيازيمه، ويحملَ حقائبَ عقيدته، حتى ناجى ربّه بعقيدته، ثم أقلعتْ طائرةُ روحِه من مطارِ بدنه، حينما أقدمَ عدوّه على حزِّ نحره؛ فكانتْ تلك المُناجاةُ آخرَ مُناجاته. ذلك هو الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) المُستشهِدُ في سبيلِ دينه، وتلك هي مُناجاتُه مع خالقه التي سنكونُ في رِحابِها بفيضه وبركاته، في خمسٍ وعشرين حلقةٍ واقفين على سواحلِ بحرِ جواهرِه. والمُناجاةُ هي: "اللهم! مُتعالي المكان، عظيمَ الجبروت، شديدَ المحال، غنيًا عن الخلائق، عريضَ الكبرياء، قادرًا على ما تشاء، قريبَ الرحمة، صادقَ الوعد، سابغَ النعمة، حسنَ البلاء، قريبًا إذا دُعيت، مُحيطًا بما خلقت، قابلَ التوبةِ لمن تابَ إليك، قادرًا على ما أردت، ومُدرِكًا ما طلبت، وشكورًا إذا شُكِرت، وذكورًا إذا ذُكِرت، أدعوكَ مُحتاجًا، وأرغبُ إليك فقيرًا، وأفزعُ إليك خائفًا، وأبكي إليك مكروبًا، وأستعينُ بك ضعيفًا، وأتوكّلُ عليك كافيًا، احكمْ بيننا وبين قومنا، فإنّهم غرّونا وخدعونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحنُ عِترةُ نبيّك، وولدُ حبيبِك مُحمِّدٍ بن عبد الله، الذي اصطفيتَه بالرسالة، وائتمنتَه على وحيك، فاجعلْ لنا من أمرِنا فرجًا ومخرجًا برحمتِك يا أرحمَ الراحمين"(1) *اللهم! مُتعالي المكانِ ابتدأَ الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) دُعاءه قائلًا: "اللّهُمّ" وهي "صيغةُ نداءٍ ودُعاء مثل: يا الله، حُذِفَ منها حرفُ النداءِ وعُوِّضَ عنه بميمٍ مُشدَّدة"(1)، واختار مُخاطبةَ ربِّه بقوله (اللهم)؛ لأنّ اللهَ (تعالى) ولِهَ قلبه، فأحبّ الله، وهامَ بحُبِّه، حتى إنّه يُخاطِبُه في هذا الظرفِ الصعب، والأعداءُ يقتربون منه، وحرائرُ آلِ مُحمّدٍ (عليهنّ السلام) على وشكِ أنْ يُصبِحنَ سبايا، لكنه (عليه السلام) كانَ وفيًا بولائه وإيمانه وحُبِّه لربِّه، فلم يعترضْ على فاجعةِ كربلاء، فكانتْ آخرُ أنفاسِه تقديسَ اللهِ (تعالى). بعدَها يقولُ الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) لربِّه: (مُتعالي المكان) إشارةً إلى تنزيهِ اللهِ (تعالى) عن المكان، فلعلّه يقصدُ اللهمَّ تعاليتَ وتنزّهتَ أنْ يكونَ لكَ مكانٌ يحويك؛ بدليلِ فقرةِ الدُعاء التي تليها (عظيم الجبروت) التي سيأتي بيانُها إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)، كما جاءَ في الدُعاء: "ليس يمنعُك عزُّ سُلطانِك، ولا عظمُ شأنِك، ولا ارتفاعُ مكانِك، ولا شِدّةُ جبروتِك من أنْ تُحصيَ كُلَّ شيءٍ وتشهد كُلَّ نجوى"(2) فالدعاء يقول: أنتَ مكانتكَ معنوية، ولستَ يا ربّي في السماء، فجلالتُكَ تحصي كُلَّ شيءٍ في السماءِ والأرض، وأنتَ معنا في كُلِّ نجوى، فتعلم بما سنقوله، ونقوله، وسوفَ نقوله. حاشاكَ يا إلهي أنْ تكونَ في السماءِ العالية، أنتَ تتعالى عن ذلك؛ لأنّ عقلي يحكمُ أنّكَ لو كُنتَ في السماء، لكانتِ السماءُ حوتكَ وأحاطتْ بكَ، والذي يُحيطُ به المكان هو الجسم، والجسمُ مُركّبٌ من عدّةِ أجزاء، والمركبُ يحتاجُ إلى كُلِّ أجزائه. وحاشاكَ يا ربّي أنْ تكونَ مُحاطًا بالسماء، وأنْ تكونَ جسمًا مُحتاجًا لشيء، فأنتَ الغنيُّ عن كُلِّ شيء. 1/ محرم/ 1443هـ. __________________ (1) المصباح المتهجد: للشيخ الطوسي, ص٨٢٧؛ الإقبال: للشيخ الطوسي, ج3, ص304؛ بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج93, ص348 . (2) معجم اللغة العربية المعاصرة: د. أحمد مختار عبد الحميد, ج1, ص114. (2) مصباح المتهجد: للشيخ الطوسي, ص473. اللهُمّ يا مُتعالي المكان، صلِّ على مُحمّدٍ وآله سادةِ الإيمان، واحشرْنا معهم في الجنان. صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ اللهِ، صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ الله، صلّى اللهُ عليك يا أبا عبدِ الله

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهر
191

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٤)

بقلم: علوية الحسيني "فلترِدنَّ وشيكًا موردهم ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبُكِمت ولم تكن قُلتَ ما قُلتَ وفعلتَ ما فعلت" ردّت السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) في كلامها هذا في خُطبتها في مجلس الطاغية يزيد (عليه لعنة الله)؛ على ما أنشده اللعين بقوله: ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل لأهلّوا واستهلّوا فرحًا ثم قالوا يا يزيد لا تُشَلْ... ففضحت أمرَه ببيانِ عِظَمِ جُرمه، وأطاحتْ بجبروتِه أمامَ شعبه، وسفهّتْ أشياخَه ببيانِ مصيرهم المُتهالك ومصيره. عبارةٌ فيها ما فيها من الإشارات العقائدية، والتوبيخات الأخلاقية، والأساليب البلاغية، سيتمُّ التطرُّقُ إليها ضمن النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائديةُ إنّ معركةَ بدرٍ وقعت بأمرٍ من رسول الله، محمد (صلى الله عليه وآله)، حينما قرّرَ أنْ يضربَ رأس مال قريش، فخرجَ للسيطرةِ على قافلةِ أبي سفيان (عليه لعنة الله)، فتقاتلت الفئتان وجنودهما، وكان النصرُ للمسلمين. فكان الطاغيةُ يزيدُ (عليه لعنة الله) يقصد بأبياته الشعرية أنْ يدخلَ السرورَ على قلبِ أشياخِه (عليهم لعنة الله) الذين قتلهم الإمامُ علي (عليه السلام) في معركةِ بدر؛ فكأنّه يريدُ أنْ يقولَ: ((لو كان أشياخي حاضرين لقالوا لي: لا شلّ اللهُ يدك على ما فعلت بابن علي، بأخذكِ بثأرنا ممن قتلنا))! السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) ردّتْ على الطاغيةِ بمُرادفِ ما نطق به، بردٍّ عقائديّ؛ حيث أكّدتْ أنّ مصيرَه كمصيرِ أشياخه، وهو جهنم، وساءت مصيرًا؛ فإن من يُقاتلُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقفُ بجنبِ المشركين لن يكون مصيره إلا النار؛ يقول (تعالى): "أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم"(1). والمحادّة: هي "مجاوزةُ الحدِّ بالمشاقة، وهي والمخالفةُ والمجانبةُ والمُعاداةُ نظائر"(2). *فقولُها: "فلترِدنَّ وشيكاً موردهم" أي إنّ هذا مصيرُ أشياخك، وأنتَ ستلتحقُ بهم قريبًا؛ والوشيك: يعني السريع، فيقال: أمرٌ وشيكٌ: سريع"(3)، إشارةً منها إلى يوم الساعة، يوم القيامة، يوم الاقتصاص من الظالمين، ولعبارتها هذه جذرٌ قرآني أيضًا؛ وهو قول الله (تعالى): "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبا"(4)، وكذا قوله (تعالى): "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُون"(5). *وقولُها: "ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبكمت ولم تكن قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ" إشارة منها (عليها السلام) إلى هولِ يومِ القيامة، فكأنّها تُحذّره مما سيرى من هولِ يومِ القيامة، وتشبه حال بمن يتمنى أنّه لم يقلْ تلك الأبيات متشمتًا بقتلِ سيّدِ شباب أهل الجنة، الإمام الحسين (عليه السلام)، ولو تمنى أّنه كان قد شُلّتْ يمينه قبلَ أنْ يكتبَ أمرَه بقتلِ الإمام الحسين (عليه السلام)، ويتجاسر على الرأس الشريف. وطُغيانُ الطاغيةِ ناشئٌ عن بعدِه عن كتابِ الله (تعالى)، وانشغالِه بالقردةِ والخمرِ والجواري، وإلا فآيةٌ واحدةٌ حولَ يومِ القيامة للمجرمين قادرةٌ على تهذيبِ النفس، والإعراضِ عن كُلِّ معصيةٍ؛ كقولِ الله (تعالى): "يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ* وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ* وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه"(6). فكأنّ السيّدةَ (عليها السلام) تريدُ أنْ تُذكّرَه بيومِ العدل الإلهي، يوم لا يفتدي عن الظالم أحدٌ، يومَ تُجزى كُلّ نفسٍ بما كسبت، فأنّى له بأشياخه! ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الأخلاقيةُ شتّانَ ما بينَ أخلاقِ السيّدةِ زينب (عليها السلام)، وأخلاقِ الطاغيةِ يزيد (عليه لعنة الله)؛ فنجدُ أنّ ذلك الطاغيةَ أخذَ يفتخرُ بشنيعِ فعله، وبأشياخِه الهالكين. ويبدو أنّ الطاغيةَ يتجاهلُ أنّ الأفضليةَ عندَ اللهِ (تعالى) هي التقوى والعمل الصالح؛ لقولِه (تعالى): "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم"(8)، على أنّه ليس كريمَاً في نسبِه حتى يكون متقيَا؛ فنسلُ أبي سفيان تشهدُ له الأوراق السوداء من كُتُبِ التأريخ. في حين أنّ ردّ السيّدةِ (عليها السلام) كان بالخُلُقِ الممدوح، وهو بالتفاخرِ أيضًا؛ لكنّه تفاخرٌ بالعقيدةِ السليمة؛ فلازمُ قولِها من ذمِّ مصيرِ أشياخِ الطاغية هو ولاؤها لأعداءِ أشياخه، وهم محمدٌ وآلُ محمدٍ (عليهم الصلاة والسلام)؛ وقد روي الإمامُ الصادق (عليه السلام) عن سلفه، أنّه قال: "ثلاثةٌ هُنّ فخرُ المؤمنِ وزينةٌ في الدنيا والآخرة: ...وولايةُ الإمام من آل محمد (صلى الله عليه وآله)"(9). وكذا تفاخرٌ منها بالثباتِ على الاعتقادِ بميعادِ الله (تعالى)، وعدله؛ بقولها: "ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبكمتَ ولم تكنْ قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ"، وما أجملَه من خُلُقٍ حسن! ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغيةُ في هذا المقطعِ الخطابي أسلوبان بلاغيّان: الأولُ: خروجُ الخبرِ عن غرضِه الحقيقي إلى غرضِ التحذير"(10). الثاني: ردُّ العجزِ على الصدرِ؛ وذلك بقولها: " قلتَ ما قلتَ، وفعلتَ ما فعلتَ" فجعلتِ السيّدةُ (عليها السلام) أحدَ اللفظين المُتجانسين أحدُها في أولِ الفقرة، والآخرُ في آخرِها"(11). _____________________ (1) سورة التوبة: 63. (2) الميزان في تفسير القرآن: للسيد الطباطبائي, ج9, ص317. (3) لسان العرب: لابن منظور, ج10, ص513. (4) سورة الأحزاب: 63. (5) سورة الروم: 12. (6) سورة المعارج: 11-14. (8) سورة الحجرات: 13. (9) الكافي: للشيخ الكليني، ج٨، ح٣١٢. (10) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص58. (11) المصدر نفسه, ص152. وا خجلةُ الإسلامِ من أضدادِه ظفـروا له بمعايبَ ومعـاير رأسُ ابنِ بنتِ مُحمدٍ ووصيّه يُهدى جهارًا للشقي الفاجر!

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 11 شهر
575

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٣)

بقلم: علوية الحسيني "فلا يَستَخفّنكم المُهَل، فإنّه لا يَحفِزُه البِدار، ولا يَخافُ فَوتَ الثار" عبارةٌ صدَحَتْ بها السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) بكُلِّ عقيدةٍ راسخةٍ بحكمةِ وعدلِ الله (تعالى)، وأساليب بلاغية، في وجهِ أهلِ الكوفةِ حينما ألقتْ خُطبتَها عليهم بعد مقتلِ الإمام الحسين (عليه السلام). وعليه، سيتمُّ بيانُ العبارةِ ضمنَ النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائديةُ . امرأة كالسيّدةِ زينب (عليها السلام) نشأتْ في بيتِ مهبطِ الوحي، وموضعِ الرسالةِ الإلهيةِ كيف لا تكونُ عقيدتُها راسخةً منذُ طفولتها وحتى بعثها؟! العبارةُ المتقدمة حوتْ بعضَ المطالبِ العقائدية؛ كقدرة، وعدل، وحكمة، وأناةِ اللهِ (تعالى). *فقولُها: "فلا يَستَخفّنكم المُهَل"؛ إشارةٌ منها إلى تحذيرِ الأمّةِ التي قتلتِ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام)، وشايعتْ وبايعتْ على قتله ورضيتْ به، من الاغترار بتأخيرِ حلولِ الغضبِ الإلهي عليهم، وتنهاهم من الاستخفافِ بجرمِهم وإنْ طالتْ مدّةُ المُهَلِ التي يمهلُهم اللهُ (تعالى) بها. ولهذهِ الجملةِ جذرٌ قرآني، فالإمهالُ مُفردةٌ قرآنيةٌ أشارَ اللهُ (تعالى) إليها في أكثرِ من آيةٍ بصريحها، أو بما يُرادفُها؛ فقد أمهلَ قومًا سابقين، لكنّه لم يهملهم؛ قال (تعالى): "وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا"(1)، وقوله (تعالى): "فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا"(2). فمن يستخفّ بالإمهالِ فقد استخفّ بكتابِ الله (تعالى)، بل وبه (تعالى)، والمُستخِفُّ باللهِ (تعالى) كافرٌ، لكنّهم (عليهم لعنة الله) استخفوا، حتى باتوا يُصبِحون ويُمسون على طاعةِ طاغيتِهم ابنِ زيادٍ (عليه لعنةُ الله). وعِلّةُ تأخيرِ العقوبةِ الإلهيةِ عليهم راجعةٌ لحكمةِ الله (تعالى)؛ ولعلّ من أحدِها هو أنه (ليزدادوا إثمًا فوقَ إثمهم)؛ كما يقول (تعالى): "وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين"(3). وهذه الآيةُ استشهدَ بها الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام) في خُطبته، فهي ليست ببعيدةٍ عن مُرادِ السيّدةِ زينب (عليها السلام). فتعتقدُ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) بما يعتقدُ به أسلافُها الأطهارُ (عليهم السلام) أنّ اللهَ (تعالى) حكيمٌ؛ وأن كُلَّ أفعالِه مُعللة بالأغراض، فقد يمهلُ الظالمين دونَ أن يهملهم، وأنّه (تعالى) عادلٌ بين عباده؛ فيقتصُّ للمظلومِ من الظالم، وإنْ طال الأمدُ، ولهذا أشارتْ إلى ذلك في خطابها، فقد كانت تؤدي عملَها الرسالي وهي في السبي، فما أعظمَها من رسالية! *وقولُها: "فإنّه لا يَحفِزُه البِدار"، والضميرُ يعودُ على الله (تعالى). "والحَفْزُ هو: حَثُّ الشَّيْء مِنْ خَلْفِهِ سَوْقًا وَغَيْرَ سَوْقٍ، فيُقالُ: حَفَزَه يَحْفِزُه حَفْزا"(4). والبدارُ يعني "الإسراع"(5). أي إنّ اللهَ (تعالى) لا شيء يحثّه على الإسراع في عقوبتِكم يامن قتلتم الإمامَ الحسينَ (عليه السلام)، وشايعتُم، وبايعتم على قتله، ورضيتم بذلك؛ بل يُمهلِكم لحكمةٍ هو أعلمُ بها. وكأنّ السيّدةَ (عليها السلام) تُريدُ أنْ تُفهمَ أهلَ الكوفة بعقيدتِها في حكمةِ الله (تعالى)، وتقضي على ظاهرةٍ منحرفةٍ عقائديًا جُبِلوا عليها، هي ظاهرةُ الاستخفافِ بالحكمةِ الإلهية؛ وإلاّ لما ظنوا أنَّ الإمهالَ الإلهيَ إهمالٌ. أيضًا لهذه الجملةِ جذرٌ قرآني؛ إذ يقولُ (تعالى): "فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّا"(6). وكذا يقولُ (تعالى): "أَتَىٰ أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوه"(7). فما أبعدَ أعداء الإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) عن القرآن الكريم! *وقولُها: "ولا يَخافُ فَوتَ الثار" إشارةٌ منها (عليها السلام) إلى حلم وقدرة اللهِ (تعالى), وأنه من القدرة والهيمنة بحيث لا يخاف أن يفوته مطلوب منه، وبالتالي فإن ثأر الإمام الحسين (عليه السلام) سيأخذه الله تعالى ولو بعد حين. ولهذه العبارةِ جذرٌ قرآني كذلك؛ وهو قولُ اللهِ (تعالى): "وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا"(8). وهنا تحديدًا في هذه العبارة بين طيّاتِ كلامِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) ومضاتٌ عقائديةٌ تربطُ فيها بين الإمامين الحسين والمهدي (عليهما السلام)؛ فهي تعتقدُ بأنّ قائمَ آلِ محمد، الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سوف يأخذُ بثأرِ أخيها الإمامِ الحسين (عليه السلام)؛ فهناكَ حديثٌ مرويٌ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) لاشكَّ أنّه سمعه عن رسول الله، أو عن أجداده (عليهم الصلاة والسلام) في تفسير هذهِ الآيةِ روي أنّه قال: "ذلك قائمُ آلِ (بيت) محمدٍ (عليهم السلام) يخرجُ فيقتلُ بدمِ الحُسينِ (عليه السلام)"(9)، فحتمًا أنّ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) كانتْ قد سمعتْه من أبويها، أو أخويها (عليهم السلام)، حتى وصلتْ إلى هذا النضجِ العقائدي بحيث تربطُ بين إمامين بكلمتين. وأما تفسيرُ قولِ الله (تعالى): "فلا يسرف في القتل" كما يروي الإمامُ الصادقُ (عليه السلام): "أي لم يكنْ ليصنعَ شيئًا فيكون مسرفًا... يقتلُ واللهِ ذراري قتلةِ الحسين (عليه السلام) لفعالِ آبائهم (بفعال آبائه)"(10). بل، وإنّ اللهَ (تعالى) أشارَ إلى تحقيقِ عمليةِ أخذِ الثأر؛ بدليلِ ذيلِ الآيةِ الكريمة. ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ البلاغيةُ حينما أخبرتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) خبريها لم تكنْ تريدُ إفادةَ المُخاطبين بذلك؛ لأنّهم على درايةٍ بفساد منهجهم، بل أرادت "الخروج إلى غرضٍ آخر من خبريها، وهو التحذير"(12). وقد عرفنا مفادَ التحذيرِ في الناحية العقائدية، فراجع. ومن بلاغتِها أكّدت أحدَ خبريها بمؤكِّد، في قولها: "فإنّه لا يخافُ فوتَ الثار" وهذا من مُستحسناتِ البلاغة. _______________ (1) سورة المزمل: 11. (2) سورة الطارق: 17. (3) سورة آل عمران: 178. (4) لسان العرب: لابن منظور, ج5, فصل الحاء. (5) نفسه, ج15, فصل الواو. (6) سورة مريم: 84. (7) سورة النحل: 1. (9)كامل الزيارات: لابن قولويه القمي, ص63. (10) المصدر نفسه. (12) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص58. الله يا حامي الشريعةِ الله أتقرُّ وهي كذا مروعة بك تستغيثُ وقلبُها لك عن جوا يشكو صدوعه فاشحذْ شظا عظبٍ له الأرواحُ مذعنةٌ مطيعة واطلبْ به بدمِ القتيلِ بكربلاءَ في خيرِ شيعة

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 11 شهر
648

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٢) "يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر! أتبكون!"

بقلم: علوية الحسيني استفتحتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) خطبتَها بنداءِ من تُخاطبُهم، وهم أهلُ الكوفة، وذلك بعد أنْ حمدتِ الله (تعالى)، وسلّمت على جدّها رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ لتُعلمَ من يجهلُها أنّها من ذُرّيةِ العترةِ الطاهرة. عبارتُها "يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر! أتبكون!" رغم إجمالها، إلا أنّها تشتملُ على إشاراتٍ تاريخيةٍ، وعقائديةٍ، وأخلاقية، وبلاغية، يُشارُ إليها ضمنَ النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ التاريخيةُ قد يسألُ سائلٌ: هل إنّ الكوفةَ آنذاكَ كان يسكنُها فقط شيعةُ الإمام؟ من الممكنِ أنْ يُجاب: "إنَّ الشيعةَ في الكوفةِ يمثّلون سُبعَ سكّانِها، وهم خمسةَ عشرَ ألفِ شخصٍ كما نقلَ التاريخُ، وبحدودَ اثني عشر ألفاً زُجّوا في السجون، وقسمٌ منهم اُعدِموا، وقسمٌ منهم سُفّروا إلى الموصل وخُراسان، وقسمٌ منهم شُرّدوا، وقسمٌ منهم حيلَ بينهم وبين الحُسين (عليه السلام) مثل بني غاضرة، وقسمٌ منهم استطاعوا أنْ يصلوا إلى الحسين (عليه السلام)"(1) ولازمُ هذا أنّ سكانَها من شيعةِ الإمام، ومن شيعةِ بني أمية؛ لأنَّ الشيعةَ (هم الجماعةُ المتعاونون على أمرٍ واحدٍ في قضاياهم، يُقالُ: تشايعَ القومُ إذا تعاونوا، ورُبّما يُطلقُ على مُطلقِ التابع، قال (سبحانه): "فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ"(2)). فالمشايعةُ تعني الاتباعُ والطاعة، وهذا هو ما تؤكده رواياتُ أهلِ البيتِ (عليهم السلام). فإن قيل: ألا يُحتَمَلُ أنْ يكونَ بعضُ شيعةِ الإمامِ قد شاركوا في الغدرِ به؛ بعدَ أن أرسلوا إليه كتابًا يستغيثون به؛ ليُخلِّصَهم من طُغيان حاكمهم، وما إنْ جاء الإمامُ حتى ساندوا طاغيتهم على قتلِ الإمام؟ من الممكنِ أنْ يُقال: نعم، فقد يكونُ من يدّعي أنّه من شيعةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) إلا أنّه مُنافقٌ، فخذل إمامه، وغدر به مع الخاذلين الغادرين؛ بنصرتِهم لابن زياد (عليه لعنة الله). وبالتالي يشملُه خطابُ السيّدةِ (عليها السلام). وعليه، ستثبتُ الأدلةُ من كتبِ الفريقين مقامَ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)، وأنّ الغدرَ به هو خروجٌ عن المِلّةِ؛ وذلك في الناحية العقائدية. ■الناحية الثانية: الناحية العقائدية. إنّ الاعتقادَ بنبوّةِ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يستوجبُ طاعته في أقواله، والاستنان بأفعاله. ومن جملةِ أقوالِه (صلى الله عليه وآله) أنّه يعدُّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) منه، وهو منه، ويقرنُ حبَّ الإمامِ بحُبِّ الله (تعالى)؛ روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "حُسينٌ مني، وأنا منه، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسينًا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط"(3). فحُبُّ الإمامِ بموالاته، ونصرته، هو يعني موالاة الله (تعالى)، ونصرته، ونيل مرضاته. وبغضُ الإمامِ بخذلانِه، والغدرِ به، وهو يعني محاربةَ اللهِ (تعالى)، ونيلَ سخطِه. ومن هُنا أطلقتِ السيّدةُ زينب (عليها السلام) على أهلِ الكوفةِ صفةَ (الختل والغدر)؛ مُشيرةً إلى خطورةِ فعلِهم من الناحيةِ العقائدية؛ إذ ذلك يعني مُحاربةَ اللهِ (تعالى) ورسوله، فلهم عذابُ جهنم، وساءت مصيرًا؛ لأنّه ثلمٌ للتوحيدِ، والنبوةِ، والإمامة. يقولُ (تعالى): "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم"(4). فما كانَ بكاؤهم إلاّ نفاقًا؛ لأنّ فعلَهم لم يوافق حالَهم. ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ الأخلاقيةُ. السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) تستهجنُ الأخلاقَ الذميمةَ التي اتصفَ بها أهلُ الكوفة، ومنها الغدر، والخداع، والمكر، والمخاتلة، والنفاق، و ليس فقط تجاه الإمام الحسين (عليه السلام) فقط، بل هذا تأريخهم المُسودُ بذلك تجاه أمير المؤمنين علي، والإمام الحسن (عليهما السلام)، وكذا تجاه الصحابي الجليل مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه). واستهجانها هذا بيّنَهُ أهلُ البيت (عليهم السلام) في رواياتِهم المرويةِ عن جدِّهم رسولِ الله وعن آبائهم (صلى الله عليه وعليهم)؛ كما رويَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) في عاقبةِ أهلِ الغدرِ أنّه قال: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) يَجِي‏ءُ كُلُّ غَادِرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِمَامٍ مَائِلٍ شِدْقُهُ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ وَيَجِي‏ءُ كُلُّ نَاكِثٍ بَيْعَةَ إِمَامٍ أَجْذَمَ حَتَّى يَدْخُلَ النَّار"(5). ورويَ عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه خطبَ في الكوفةِ يومًا ما، وقال: "...أَلا إِنَّ لِكُلِّ غُدَرَةٍ فُجَرَةً وَلِكُلِّ فُجَرَةٍ كُفَرَةً أَلا وَإِنَّ الْغَدْرَ وَالْفُجُورَ وَالْخِيَانَةَ فِي النَّار"(6). والحديثانِ يؤكدانِ ما ثبتَ من الناحية العقائدية، وهو مصيرُ أهلِ الغدرِ والختلِ جهنم، وساءت مصيرًا. ■الناحيةُ الرابعةُ: الناحيةُ البلاغيةُ استخدمتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) أسلوبًا بلاغيًا في هذا المقطع، هو: النداء بغرض التعجّب؛ فحينما قالت: "يا أهل الكوفة، يا أهلَ الختلِ والغدرِ" نادتهم بحرفِ النداء (يا)، لكن ليس لغرضِ النداء، "بل لغرضِ التعجّب"(7)، أيّ تتعجّبُ من بكائهم؛ حيثُ إنّه إنْ دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على نفاقِهم ليس إلا. فليتأملِ القارئ في بلاغةِ السيّدةِ (عليها السلام)، حيث خرّجتِ النداءَ عن غرضِه الأصلي إلى غرضٍ آخر، وهو التعجُّب؛ لتوصلَ مظلوميةَ أهلِ البيت (عليهم السلام) ولو بصورةٍ بلاغية، وإلا فلا يوجدُ عاقلٌ لا يتعجّبُ مما فعلَه أهلُ الكوفة. ___________________ (1) مركز الأبحاث العقائدية. (2) الملل والنحل: للشيخ جعفر السبحاني, ج6, ص7-11. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج43, باب فضائلهما ومناقبهما والنصوص عليهما, ح36. وصحيح البخاري: لمحمد البخاري , ج1, باب معانقة الصبي, ح 364. (4) سورة المائدة: 33. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب المكر والغدر والخديعة, ح2. (6) المصدر نفسه, ح6. (7) التحفة الباهرة في بلاغة المخدّرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص65. وصلّى اللهُ على روحِ الحسينِ حبيبِه قتيلاً لدى النهرينِ بالفلواتِ قتيـلًا بلا جُـرمٍ فجيعًا بفقده فريـدًا يُنادي أين حُماتـي؟ وقد رفعوا رأسَ الحُسـينِ على القنا وساقوا نساءَ ولها خفراتِ فقُلْ لابنِ سـعدٍ وابنِ زيادٍ عـذّبَ اللهُ روحَك ستلقى عذابَ النارِ باللعناتِ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ سنة
550

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101201

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97509

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55001

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52626

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51742

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50693