ألا تود أن تكون من جيران الله ؟!

كثير منا يتمنى لو يكون جاراً لمرجعه أو لعالم من علماء الدين الكرام، وتترسخ الأمنية ويتعاظم الشوق لأن يكون جاراً للمعصوم (سلام الله عليه). فكيف يكون الشوق لجوار الله (عز وجل)؟! جوار الله (تبارك وتعالى) أمر عظيم، ولكن جعل الله (تعالى) بلوغه متيسراً للجميع، حيث قال (عز من قائل): "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)" (1). فقوله « عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ » أي عند الله (سبحانه و تعالى) وفي جواره، ( وليس المراد قرب المكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل المراد أنهم في كنفه وجواره وكفايته حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله)(2). مَن يَستحق أن يكون بجواره(تعالى)؟ وردت في رواية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله ) صفات من يستحق أن ينال الشرف العظيم بأن يكون في جوار الرب الكريم نصها: "إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد، وينادي مناد من عند الله... أين أهل الصبر ؟... ثم ينادي مناد آخر... أين أهل الفضل؟... ثم ينادي مناد من عند الله (عز وجل) يسمع آخرهم كما يسمع أولهم فيقول: أين جيران الله جل جلاله في داره ؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم: ماذا كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران الله تعالى في داره ؟ فيقولون: كنا نتحاب في الله (عز وجل)، ونتباذل في الله، ونتوازر في الله، فينادي مناد من عند الله: صدق عبادي، خلوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله في الجنة بغير حساب " (3). كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): " جوار الله مبذول لمن أطاعه وتجنب مخالفته" (4). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القمر أية 54 و 55 (2) تفسير مجمع البيان للطبرسي ج9 ص294 (3) الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 103 (4) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص113

اخرى
منذ 3 سنوات
2212

الاستعداد النفسي لارتكاب الذنوب

فُطر الإنسان على تقبيح المعاصي ومقتها، بدليل أنها لو نُسبت اليه يوماً فإنه يعمل جاهداً على نفيها عنه، إلا إن فطرته السليمة هذه قد تُلوث لأسباب مختلفة فتجعل منه أرضية خصبة لارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي، لذا وجب على المربين سواء _لأنفسهم أو لغيرهم_ الانتباه إلى تلك العوامل وعدم المساهمة في وجدانها في نفسية من يربون أو محاولة إجتثاثها منهم إذا أبتُلوا بها وأهمها: أولاً: ذلة النفس و مهانتها: خلق الله (سبحانه وتعالى) الإنسان في أحسن صورة فأودع فيه محاسن كثيرة، وأوجده بأروع معنى إذ وهبه استعدادات وقدرات لا حدَّ لها وحباه بخصائص وكفاءات؛ كما كرمه بالكرامة الذاتية إذ فضّله على كل ما خلق وجعله سيداً على كل الكائنات، قال الله (تعالى) : " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) " (1) . وفسح له المجال للتنافس مع بني جنسه فمنحه مفاتيح الرقي و التكامل للوصول الى الكرامة الاكتسابية و التي إحدى أهم ملاكاتها هي التقوى قال (تعالى) : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) "(2) ومن هنا فإن عزة النفس و كرامتها عامل مهم في الهداية وأما إذلالها وإهانتها فمن أهم عوامل انحراف الانسان، قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ): « إنه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنة فلا تبيعوها الاّ بها » (3). وقال ( عليه السلام ) أيضاً :« هلك امرؤّ لم يعرف قدره » (4). قال الإمام السجاد ( عليه السلام ) :« من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا »(5). ثانياً: الإحساس بالحقارة: التحقير وتحطيم شخصية الانسان من الأخطاء الفظيعة والجرائم الشنيعة التي تُرتكب بحقه؛ لأن الإنسان إذا شعر بالحقارة مال إلى كل ما هو حقير من الخصال ودنيء من الفعال، قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ): « نفاق المرء من ذلٍ يجده في نفسه » . (6). وقال الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم ): « لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه »(7).وقال الامام الصادق ( عليه السلام): « ما من أحدٍ تكبّر أو تجبّر الا من ذلّةٍ وجدها في نفسه »(8) ثالثاً: الضغوط الاقتصادية وتأثيرها على الغرائز: أودع الله (تعالى) في الإنسان الغرائز لآثارها المهمة في إعمار الأرض إن وُظّفت كما أراد لها الشرع، فعلى الإنسان أن يشبع غرائزه على الوجه المتعادل، لأن الإفراط والتفريط كليهما مضران لأنهما يتسببان إما في طفح الكيل في الغرائز أو خمولها وكلاهما عامل في تكوين الارضية المناسبة لاقتراف الذنوب، قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :« ليس منا من وسّع عليه ثم قتّر على عياله » (9)، وقال الإمام الرضا (عليه السلام): « ينبغي للرجل أن يوسع على عيالة لئلا يتمنّوا موته »(10). إذن فضرورة إشباع متطلبات الروح الإنسانية بشكل مشروع، لأن كلاً من الإفراط والتفريط في المأكل والملبس والمنكح سبب رئيسي في ظهور العقد والانحرافات النفسية التي تدفع الى المعاصي. رابعاً: الآمال والأمنيات الكاذبة والتافهة: يكون الأمل كاذباً إذا لم يقترن بالعمل فيطلب الإنسان السعادة والرقي بدون حركة أو عمل ما، أو يزهد في الطاعات والتوبة اليوم مؤملاً غداً، ويظل سارحاً في الخيال مرتكباً الآثام والذنوب، ويقول بأن الله (جل وعلا): ( أرحم الراحمين ) .فهكذا آمال أرض مهيئة لإنبات بذور الذنب في نفسية الانسان. روي عن طاووس اليماني أنه قال: رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب وهو يدعو ويبكي في دعائه فجئته حيث فرغ من الصلاة، فاذا هو علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقلت له: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا، ولك ثلاثة أرجوا أن تؤمنك من الخوف، أحدهما إنك ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والثانية شفاعة جدك والثالث رحمة الله، فقال: ياطاووس أما إني ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يؤمنني، وقد سمعت الله تعالى يقول :" فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101 "(11) وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله (تعالى) يقول : " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ "(12) . وأما رحمة الله فان الله يقول:"إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)"(13) ولا أعلم أني محسن. (14) فإذا كان الامام السجاد (عليه السلام) يخشى أن لا يكون محسناً فكيف بنا ونحن نزهد في الطاعات ولا نرعوي عن المحرمات ونقتحم الشبهات ثم نأمل بالنجاة؟؟ إذن لابد ان يكون مع الأمل الإيمان والعمل الصالح وإلا فقولنا (الحلويات) لفظاً لا يجعلنا نتذوقها طعماً . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاسراء 70 (2) الحجرات الآية 13 (3) نهج البلاغة حكمة 456 (4) نهج البلاغة حكمة 149 (5) تحف العقول ص 318 (6) غرر الحكم ج 2 ص 777 (7) بحار ج 72 ص 249 (8) اصول الكافي ج 2 ص 312 (9) وسائل الشيعة ج 5 ص 135 (10) نفس المصدر السابق ص 135 (11) المؤمنون101 (12) الانبياء 28 (13) الاعراف / 56 (14) بحار الانوار ج 46 ص 89

اخرى
منذ 3 سنوات
1557

الأخســــرون أعمـــالاً

ينزع الإنسان في معاملاته اليومية الى أن يربح في كل شيء، ويولّد الخسران عنده شعوراً بالحزن والألم وإن كان ما يخسره أمراً غير بالغ الأهمية. ويُطلق الخسران عادة عند عدم الربح، إلا إن الخسران الواقعي هو لايقتصر على عدم الربح وحسب بل يتعدى ذلك إلى فقدان رأس المال أيضاً. ولما كان الإنسان لا يملك رأس مال في الحياة الدنيا أشد أهمية من العقل والعمر والصحة والشباب، وبما أنه يستخدمها كوقود وطاقة لما يعمله فيها، إذن فالربح والخسران يتوقف على قيمة ما يعمل وأهميته وجدواه في الدار الآخرة، وهي الحياة الباقية الخالدة. فإن كان مجدياً له في تلك الحياة ومزحزحا له عن النار إلى الجنة كان عندئذ من الفائزين فوزاً عظيماً، وأما إن لم تَحُلْ أعماله بينه وبين دخول النار فذلك هو الخسران المبين، بل وقد تقوده إلى النار وأولئك هم الأخسرون؛ لأنهم قد أوقدوا كل ما وهبه الله (تعالى) لهم من رأس مال من سنّي عمرهم وزهرة شبابهم وقوّة عقلهم وجمال صحتهم في سبيل ما كانوا يعملون، فإن كان ما يعملون لا قيمة له، إذن فلم يخسروا الربح في هذه الحالة وحسب بل وخسروا رأس مالهم أيضاً. وقد يخسر الإنسان في بعض معاملاته، إلا أنه يدرك خطأه في القابل منها ويتجاوزه، فيجبر خسرانه السابق بربح لاحق، فإذا مرّت عليه وأعاد حساباته يجد نفسه رابحاً وحينئذ لا يمكن اعتباره بأنه قد خسر، فضلاً عن أن نصف خسارته بأنها كبيرة. و أما من يخسر في معاملاته نتيجة لأعماله ويبقى مصراً على تلك الأعمال فلا يصلحها ولا يقومها فضلاً عن أن يغيرها ويبدلها فإن مثل هذا الإنسان في خسارة دائمة، ويتضاعف خسرانه فيما لو فقد كل من رأس ماله المادي والمعنوي بسبب خيارات خاطئة ومشاريع فاشلة ويبقى متمسكا بها غير ملتفت الى أنها السبب في خسارته، فيكرّرها ويكرّرها ويكون خسرانه عظيماً فيما لو لم تُتَح له فرصة أخرى لجبر ما خسره من الثروة التي فقدها. صفات الأخسرين أعمالاً : بعد أن اتضحت لنا الآثار الوخيمة للخسران لا بد من التعرف على أهم صفات وسمات الأخسرين أعمالا لنتدارك أنفسنا وننتشلها من مستنقع الخسران إن اتسمت بسماتهم ولنقيها أن تكون كذلك إن لم تكن منهم بعد. و قد تناول الباري (عز وجل ) صفاتهم في قوله : " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَْخْسَرِينَ أَعْملا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِ فَحَبِطَتْ أَعْملُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَزْناً(105) ذلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَُذُوا ءَايتِى وَرُسُلِى هُزُواً(106) "(1). ومن أهم سماتهم: أولاً: ضلال سعيهم في الحياة الدنيا: فمن صفات الأخسرين أعمالاً إن لهم سعي في هذه الحياة الدنيا وأعمالاً إلا أنها ضلّت، ولعلّ في هذه إشارة إلى حقيقة أنَّ أعمال الإِنسان لا تفنى، فهي كالمادة والطاقة يطرأ عليها التبدّل والتغيّر إلا أنها لا تفنى، ولكن قد تختفي أحياناً؛ لعدم إمكان مشاهدة آثارها بالعين، ولا يمكن الاستفادة مِنها بأي شكل مِن الأشكال، فهي كرأس المال الضائع الذي لا هو في حوزتنا فنستفيد مِنهُ، ولا هو فانٍ. ثانياً: الجهل المركب: الجهل من السمات المذمومة، وأشده ذماً الجهل المركب وهو أن يجهل الإنسان ويجهل أنه يجهل؛ وذلك لأن الإنسان إذا علم بجهله فقد يسعى يوماً إلى إزالته بالتعلم. وأما الإنسان الذي يجهل بأنه جاهل فهذا لا يمكن أن يتصور أن يزيل جهله يوماً لعدم علمه به أساساً. ثالثاً: الكفر بالإيمان: ويكون الإنسان كافراً بالإيمان عندما لا يخلو قلبه من الاعتقادات الحقة التي هي منشأ الأعمال الصالحة، إلا أنه يترك العمل بما يعلم، وبما أن معنى الكفر هو الستر، ولا يصدق ستر الأمور الثابتة إلا مع المداومة، فالكفر بالإيمان إذن إنما يصدق إذا داوم الإنسان على ترك العمل بما يقتضيه إيمانه. (فتارك الاتباع لما حقّ عنده من الحق، وثبت عنده من أركان الدين كافر بالإيمان، حابط العمل كما قال تعالى: "فقد حبط عمله" )(2) والمصاديق التي ذكرت في الروايات على الأخسرين أعمالا متعددة منها ما روي إن ابن الكواء سأله قائلاً : « يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله (عز وجل) : (هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا)الآية... قال: كفرة أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق فابتدعوا في أديانهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ثم نزل عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكواء ثم قال: يا ابن الكواء وما أهل النهروان منهم ببعيد، فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك ولا أسأل سواك، قال[الراوي]: فرأينا ابن الكواء يوم النهروان فقيل له: ثكلتك أمك، بالأمس كنت تسأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عما سألته وأنت اليوم تقاتله! فرأينا رجلاً حمل عليه فطعنه فقتله » (3) كما روي عنه (عليه السلام) من كتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامله على أردشير خرة: " بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، وعصيت إمامك: أنك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، واريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لئن كان ذلك حقاً لتجدن لك عليّ هواناً، ولتخفنّ عندي ميزاناً، فلا تستهن بحق ربك، ولا تصلح دنياك بمحق دينك، فتكون من الأخسرين أعمالا. ألا وإن حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء، يردون عندي عليه، ويصدرون عنه "(4) ما هو مصدر هذا الإِنحراف الخطير؟ يحق للقاريء الكريم أن يتساءل عن السبب الذي يحمل البعض على هذا الخسران، ويمكننا أن نجيب عن ذلك: أولاً : التعصب القوي والغرور والتكبر وحب الذات، تعد مِن أهم الأسباب التي تنتهي بالإنسان إِلى تصورات خاطئة يعمل وفقاً لها ويحول غروره دون الاستماع إلى من يعظه وينبهه على خطئه. ثانياً : تزيين الشيطان لأعماله السيئة وتصويرها له بأنها صائبة مما يدعوه إلى التمسك بها، قال (تعالى): " أفمن زُين لهُ سوء عمله فرآه حسناً " (5) ، وفي قوله (تعالى): " وإِذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم وقالَ لا غالب لكم اليوم مِن الناس وإِنّي جار لكم " (6). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكهف 103 ــ 106 (2) تفسير الميزان ج5 ص20 (3) بحار الانوار ج10 ص123 (4) ميزان الحكمة ج11 ص401و402 (5) فاطر 8 (6) الأنفال 48

اخرى
منذ 3 سنوات
3420

آداب المجالـــس

الإنسان كائن إجتماعي لا يمكنه الاستغناء عن مجالسة الآخرين ومؤانستهم والاقتصار على نفسه وحسب، ولهذا فلقد اهتم الشرع المقدَّس بالجانب الاجتماعي للإنسان أيما اهتمام، بدأً من توضيح سمات المجالس التي يجدر بالمؤمن قصدها والتحذير من المجالس التي لا يحبذ جلوسه فيها، إلى تفصيل صفات الشخص الذي يرتقي بمجالسته، مروراً بالآداب التي يجب التحلّي بها في المجالس وبيان ما ينبغي تناوله من الأحاديث وما لايجمل التعرض لها، وضرورة مراعاة حقوق الجليس، وإنتهاءً بكفارة المجلس. سنحاول توضيح كلاً منها تباعاً : أولاً : إختيار المجلس: تنقسم المجالس بصفة عامة إلى مجالس جادّة وأخرى بطّالة إن صح التعبير. فأما المجالس الجادّة فهي التي تتناول أموراً مهمة تدفع بعجلة حياة الإنسان إلى التقدم، فإن كانت تسعى إلى رُقيّه الروحي وتقوية الجانب المعنوي فيه فتلك نعم المجالس وخيرها. و من أوضح مصاديق المجالس الروحية هي ما انطوت على ذكر الله (تعالى) والصالحين من الأنبياء والاوصياء (عليهم السلام)، ومن إستن بسنتهم وسلك سبيلهم من المؤمنين وقد روي عن النبي الأكرم( صلى الله عليه وآله وسلم ): " ما جلس قوم يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا فقد بدلت سيئاتكم حسنات وغفر لكم جميعاً، وما قعد عدة من أهل الأرض يذكرون الله إلا قعد معهم عدة من الملائكة. وقال: ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " (1) . كما روي أن لقمان قال لابنه: يا بني: " اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوماً يذكرون الله (عز وجل) فاجلس معهم فإنك إن تكن عالما ينفعك علمك ويزيدوك، وإن تكن جاهلا علموك ولعل الله أن يظلهم برحمة فيعمك معهم. وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلاً يزيدوك جهلا ولعل الله يظلهم بعقوبة فتعمك معهم " (2) و لمجالس الذكر مصاديق متعددة تشمل مجالس تلاوة القرآن الكريم ومجالس ذكر أهل البيت (عليهم السلام) ومجالس الوعظ والارشاد الديني، بل وكل مجلس يجسد المفاهيم الدينية ويسعى إلى تطبيقها كمجالس العلم والمجالس التي تعقد لإصلاح ذات البين وما إلى ذلك. و تأتي في المرتبة التالية مجالس تقوية الجانب المعنوي للإنسان، ومن أبرز مصاديقها في الوقت الحاضر مجالس التهذيب الخلقي والتوعية التربوية والتنمية البشرية وما يشاكلها في الأهداف التي أضحت من المجالس المهمة خصوصاً في الوقت الحاضر الذي تضاءل فيه الأمل لدى أغلب الناس وعمّت روح اليأس والتشاؤم على البعض منهم. و قد تكون المجالس الجادّة لأجل تقدّم الإنسان دنيوياً وهذه لا ضير فيها بل بالعكس فقد أمرنا الله (تعالى) بتأمين أمور معاشنا ليصفو الذهن للتزود لمعادنا، قال (تعالى): " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (77) " (3) و أما مجالس البطّالة فهي التي تُقام أساساً لتضييع الوقت من قبل من لا يشعر بأهمية الوقت ويحتقر قيمته، في حين روي عن الإمام علي (عليه السلام) يقول:" إنما أنت عدد أيام فكل يوم يمضي عليك يمضي ببعضك فخفض في الطلب وأجمل في المكتسب " (4)، فعمر الإنسان إنما هو ساعات و ثوانٍ كلّما مضت إحداها تقدم خطوة نحو الموت، كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " نفَسُ المرء خطاه إلى أجله " (5). و حريٌّ بالمؤمن أيضاً الابتعاد عن الأماكن المكروهة كالوقوف على جوانب الطرقات والمفارق، والجلوس في المقاهي الَّتِي يقصدها اللاهون والعابثون والمضيِّعون للوقت، والجلسات الَّتِي تُقسِّي القلب بكثرة الكلام ولغو الحديث، فإذا تضمنت المحرمات حرم ارتيادها، كما يحرم قصد بعض المجالس التي تعقد للاستهزاء بالإسلام، والمعاندةِ لمفاهيمه وأحكامه وعباداته ورموزه وعلمائه والمؤمنين . و قد يقصد بعض المؤمنين بعض المجالس تحت عنوان الثقافة والحوار، وهذا أمر جيد إن كان لغرض بيان الوجه الحقيقي الناصع للدين الحنيف، إلا أنه يحرم الاشتراك فيها في حال عدم الردّ على التهم والشبهات التي توجه ضد الإسلام. كما تحرم مجالسُ الغِيْبة والمنكر وشرب الخمر والرقص، وما يُسمَّى «الحفلات الفنيَّة» كالغناء والطَّرب والموسيقى، إذا لم يستطعْ المرءُ تغييرها. قال الله (عزَّ وجلَّ) : " وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً "(6) فضلاً عن كون هذه المجالس تعتبر السبب الأساسي في تأخر الإنسان عن مسيرة التقدم في الحياة، فستكون سبباً رئيسياً لحسرته يوم القيامة أيضاً؛ لأنه أهدار للوقت فيما لا طائل من ورائه من جهة ولأن هكذا مجالس غالباً ما لا تخلو من اقتراف المعاصي وارتكاب المحرمات من جهة أخرى. فعلى المؤمن أن يحرص على قصد المجالس الجادّة سواء كانت لغرض الارتقاء الروحي أو التكامل المعنوي أو الاكتفاء المادي. وأما مجالس البطّالة فواضح جداً ضرورة نأي النفس عنها بل ونهي الغير عن قصدها أيضاً. وأما المجالس التي يكره قصدها فمن الأفضل الابتعاد عنها خصوصاً لمن يلتمس التكامل والقرب لله (عز وجل). وإذا ما اضطرَّ بسبب الظروف المختلفة أن يشترك في مثل هذه المجالس فعليه محاولة تغيير وجهة الحديث فيه من خلال طرح بعض الأفكار والمقترحات، وإثارة جو النقاش في القضايا المهمة والساخنة والمصيرية. ثانياً : إختيار الجليس: للجليس بالغ الأثر على الإنسان، فقد تجد إنساناً وقوراً هادئاً وإذا به تبدل الى هازل ضاحك لايكاد يعرف جده من هزله والسبب يكمن في مجالسته لهكذا صنف من الناس، كما وقد تجد العكس؛ ولهذا فقد اهتم الشرع المقدس اهتماماً ملحوظاً بمسألة اختيار الجليس. فقد أكدت النصوص الدينية على المؤمنين بأهمية مجالسة العلماء بل ومزاحمتهم بالرّكب، فقد روي عن لقمان (عليه السلام) - لابنه -: " يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله (عز وجل) يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء "(7). كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " جالس العلماء يزدد علمك، ويحسن أدبك، وتزك نفسك " (8). كما حثت على مجالسة الحكماء فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " جالس الحكماء يكمل عقلك، وتشرف نفسك، وينتف عنك جهلك " (9). كما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): قالوا الحواريون لعيسى (عليه السلام): " يا روح الله فمن نجالس إذا ؟ قال: من يذكّركم الله رؤيتُه، ويزيد في علمكم منطقُه، ويرغّبكم في الآخرة عمله "(10) . وأوصت أيضاً بمجالسة الحلماء لكي يزداد الاِنسان حلماً، ومجالسة الاَبرار لما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " جالس الأبرار، فإنك إن فعلت خيراً حمدوك، وإن أخطأت لم يعنّفوك " (11). كما أوصت الروايات بمجالسة الحكماء؛ لما في مجالستهم من حياة للعقول، وتنوير للقلوب، وشفاء للنّفوس. ومجالسة الفقراء؛ لكي يشعر الانسان بقيمة ما أنعمه الله (تعالى)عليه ويزداد شكراً له (عز وجل)، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله ): " تمسكنوا وأحبوا المساكين، وجالسوهم وأعينوهم، تجافوا صحبة الأغنياء وارحموهم وعفوا عن أموالهم "(12). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : «جالسْ الفقراء تزددْ شُكْراً»(13). وإجمالاً فقد دعوا (عليهم السلام) الى مجالسة الصالحين كما في الرواية عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): " مجالس الصالحين داعية إلى الصلاح " (14). و أما الأفراد الذين نهوا (عليهم السلام) المؤمنين عن مجالستهم فالأغنياء الذين أطغاهم الغنى فأصبحوا أمواتاً وهم أحياء ، فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله) : " إياكم و مجالسة الموتى، قيل: يا رسول الله من الموتى؟ قال: كل غني أطغاه غناه " (15). والجهلاء، وأهل البدع والاَهواء ، بل وأكدوا (عليهم السلام) على ضرورة الفرار منهم كما يُفر من المجذوم، فقد روي عن بعض الصادقين (عليهم السلام) أنه قال: " الجلساء ثلاثة جليس تستفيد منه فالزمه وجليس تفيده فأكرمه وجليس لاتفيده ولاتستفيد منه فاهرب عنه "(16) ثالثاً : آداب المجالس: يُفضَل في المجالس، أن يُستقْبَل بها القِبْلة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر ما يجلس تجاه القِبْلة. كما إن على الداخل أن يجلس حيث يريد صاحبُ البيت أو صاحبُ الدَّعوة. ويفضل للجالسين فَسْحُ المجال للداخل أو التزحزح له قليلاً، قال (عزَّ وجلَّ): " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا يفسح الله لكم " (17). فإن لم يُفْسح له فينبغي أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، دون إزعاج للآخرين أو مضايقتهم أو تخطّي رقابهم مع مراعاة عدم الجلوس مقابل الباب الَّذِي يُظنُّ وجودُ الحريم فيه (كالمطبخ والغرف الداخليَّة وغرف النوم) . و قد تُخَصص أماكن للغير لعُرْفٍ أو لعادةٍ ما، ولذا يفضل عدم الجلوس في هذه الأماكن لمن لم تخصص له، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا تسرعن إلى أرفع موضع في المجلس، فإنّ الموضع الذي ترفع إليه خير من الموضع الذي تحط عنه "(18) . وإذا قُدِّم أَهلُ المناصب الدُنْيويَّة، كالسِّياسيّين والرَّسميّين والدبلوماسيين... لاَ بُدَّ حِينَئِذٍ من تقديم المؤمن، لا سيما إن كان معروفاً، بل ويحرم ترك تقديمه فيما لو شكل ذلك إهانة له وهتك لحرمته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأنوار ج90 ص162 (2) المصدر السابق ج1 ص201 (3) القصص 77 (4) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص101 (5) المصدر السابق ج1 ص10 (6) النساء 140 (7) ــ (9) ميزان الحكمة ج1 ص383 (10)المصدر السابق ج1 ص381 (11) المصدر نفسه ج1 ص384 (12) المصدر نفسه ج2 ص43 (13) المصدر نفسه ج2 ص42 (14) المصدر نفسه ج1 ص381. (15)مجموعة ورام ج2 ص31 (16)عوالي اللآلي ج4 ص28 (17)المحادلة 11 (18)غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص164

اخرى
منذ 3 سنوات
10886

اليميــــن

اليمين هو الحلف، وسمّي كذلك لأن من يُقسم غالباً ما يستخدم يده اليمين فسمي الفعل و هو الحلف باسم الآلة و هي اليد اليمين. والحلف أو اليمين من العادات المعروفة في ألسنة الناس و الموروثة جيلا بعد جيل، ولا يقتصر الحلف على لغة دون لغة . وتُبنى على اليمين الكثير من الأمور كدفع التهمة والحكم ببراءة الشخص مثلا. ويُركن إليه في موارد متفرقة كتطييب النفس وتأييد الخبر وما شابه. ولأهمية اليمين في الفصل في النزاعات فقد اعتنت بأمره القوانين المدنية، ولم تقصر استخدامها على ذلك وحسب، بل وأعطتها وجهة قانونية في بعض الموارد كحلف الرؤساء والوزراء والنواب بل وسائر الوظائف والمهن الأخرى كالطب والمحاماة وغيرها عند تقلد المناصب الهامة في الدولة. و أما الشريعة المقدسة فقد اهتمت به كثيراً، وقد وردت في تشريعه وبيان ماهيته وأحكامه الآيات الكريمة والروايات الشريفة. ولابد في اليمين من القصد وعقد العزم عليه لأن الأعمال بالنيات أولاً ولقوله (عز من قائل): " لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (1) , ولما روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال (الراوي): "سألته عن رجل حلف وضميره على غير ما حلف، قال: اليمين على الضمير" (2). وعليه فإذا تلفّظ شخص بلفظ اليمين دون قصد مسبق ودون وعي كاف، لم يكن ملزماً بتنفيذه… أقســــام اليميـــن: وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناءً خاصاً فشرع له تشريعاً خاصاً وسنّ للحنث ببعض أقسامه كفارة إذا كان القسم بالذات المقدسة خاصة؛ وذلك لرعاية حرمة المقام الربوبي، وأنواع اليمين هي : الأول: اليمين الغموس، وسمّي بهذا الإسم لأنه يغمس صاحبه بالنار ، و هو الحلف بالله (تعالى) كاذباً على أحداث ووقائع قد وقعت في الماضي . و من أقسامه شهادة الزور إن كانت مقترنة بالحلف، ويترتب على هذا الحلف الإثم فقط ولا كفارة فيه . الثاني : يمين المنعقد ، و هو الحلف على عدم فعل شيء معين، ويشترط في هذا الشيء أن يكون راجحاً عقلاً وشرعاً، وإذا حنث المكلف به -أي فعل ما حلف الامتناع عنه أو امتنع عما حلف القيام به- ثبتت عليه الكفارة والإثم معاً . الثالث : يمين المناشدة: وهو أن يحلف المكلف على قيام غيره بفعل، كأن يحلف على أن يدخل صديقه داره، أو أن يأكل من طعامه وشرابه، ولا يترتب على تخلف المقسوم عليه عن موضوع القسم أثم ولا كفارة لا عليه ولا على الحالف، وإن كان يستحب للمقسوم عليه الاستجابة والبر بقسم أخيه المؤمن، ويعتبر هذا النوع من اليمين من أكثر أنواع اليمين تداولاً بين الناس. الرابع : يمين اللغو: وهو اليمين الشائع بين الناس، كأن يقول الحالف به: والله ذهبت إلى المدرسة ، أو كأن يجيب من يسأله هل امتحنت؟ فيقول: والله إمتحنت ولكن يشترط فيه أن لا يكون بقصد اليمين، ولا كفارة على هذا اليمين، نعم يترتب عليه الإثم إن كان مخالفاً للواقع من باب الكذب. الأيمان المنهي عنها: نهى الدين الاسلامي المسلمين عن استخدام اليمين بالله (سبحانه) و ذلك توقيراً لله (جل شأنه)، إذ قال (سبحانه) : " وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لإيمانكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(3). ولايُفهم من سياق الآية الكريمة بالإضافة إلى سبب نزولها أن النهي مطلقٌ بل هو مختصٌ في: إولاً: اليمين الكاذبة سواء كانت في المحاكم لغرض الحكم في الدعاوى أو خارجها فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنه قال: " اليمين الفاجرة تخرب الديار وتقصر الأعمار "(4) ، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً : " من حلف يمينا كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "(5) ثانياً: ما كان مرجوحاً من الأمور، ولم يكن فيه بر أو تقوى أو إصلاح، كإن يحلف الزوج بعدم مقاربة زوجته، حيث يجب عليه نكث يمينه وإعطاء الكفارة والعودة إليها أو الطلاق، ويسمى هذا الحلف بالإيلاء، أو كالحلف على قطيعة رحم فقد سُئل الإمام (عليه السلام) عن امرأة جعلت مالها هدياً، وكل مملوك لها حراً، إن كلمت اختها أبداً؟ فقال (عليه السلام): "تكلمها وليس هذا بشيء، انما هذا وأشباهه من خطوات الشيطان" (6) ثالثاً: التألي على الله (تعالى)، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): " أن رجلا قال يوما : والله لا يغفر الله لفلان . قال الله (عز وجل) : من ذا الذي تألى على أن لا أغفر لفلان ؟.. فإني غفرت لفلان ، وأحبطت عمل المتألي بقوله : لا يغفر الله لفلان "(7). رابعاً: كما ورد النهي عن اليمين (بغير ضرورة) ، كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط، لابتلاه الله حتى يحك أنفه بالحائط" (8) خامساً: وردت أحاديث في النهي عن اليمين صادقاً بالله إلاّ لضرورة كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: "من حلف بالله كاذباً كفر، ومن حلف بالله صادقاً أثم، إن الله يقول: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } ". (9) *أهم الشبهات في باب اليمين والقسم: وإتماماً للفائدة لا بد من التعرض إلى أهم الشبهات التي طرحت في موضوع اليمين و توضيح مفادها والرد عليها، حيث يتهم البعض من يحلف بغير الله (تعالى) بالشرك بالله (جل جلاله) مستنداً في حكمه هذا الى أمرين: الأمر الأول: إن الحلف بغير الله (تعالى) شركٌ به (عز و جل) ؛ لأن اليمين بغير الله (تعالى) إعظاماً للمُقسَم به و إجلالاً لأمره لابتناء معنى القسم على ذلك، وبالتالي ففيه نوع خضوع و عبادة له و هو شرك بالله (عز وجل) و قبل الرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح حقيقة و هي إن اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله (سبحانه) كما هو مفصل في الفقه، وعليه ليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا عن مطلق القسم بغيره (جل شأنه)، وللرد نقول: أولاً: إن التعظيم له درجات، فالمؤمن ينبغي عليه أن يعظم والديه ويجلهما، كما ينبغي عليه تعظيم معلمه وتعظيم الصالحين وتعظيم الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) وأعلى درجات التعظيم التي لا يدانيها تعظيم مطلقاً هو تعظيم الربوبية المستقلة التي يستغني بها الرب عما سواه، وعليه فكل تعظيم لمخلوق لا يصل إلى هذه الدرجة الأخيرة الرفيعة هي جائزة طالما كانت تناسب شأنيته، وبالتالي فليس كل إعظام هو شرك بالله (تعالى). الثاني: إن الله (عز وجل) قد أقسم بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى، و أقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة، وأقسم بالنفس، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة، ولا يخلو قسم من إعظام، فإن كان إعظام المقسوم به شركاً لكان كلامه (سبحانه) أولى بالتحرز منه وأحرى برعايته. الثالث: إن الله (تعالى) قد عظّم أموراً كثيرة في كلامه كالقرآن الكريم والعرش وخلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "و القرآن العظيم"(10) ، وقال: "وهو رب العرش العظيم" (11)، وقال : " و إنك لعلى خلق عظيم" (12). بل و جعل للمؤمنين حقوقا على نفسه (سبحانه و تعالى) و عظمها واحترمها، قال (تعالى): "وكان حقا علينا نصر المؤمنين"(13)، فما المانع من أن نعظمها نحن و نجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم. الأمر الثاني: إن الإقسام بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سائر الأولياء (عليهم السلام) يعد من الشرك بالله (تعالى) لسببين هما : السبب الأول: لأنه بمثابة إعطاء سلطة غيبية للمقسوم بهم على الله (تعالى) . و للرد على خصوص هذا السبب من الشبهة نقول : مما لا شك فيه أن إسناد السلطة الغيبية المستقلة عن الله (تعالى) إلى مخلوق من المخلوقات مهما عظم شأنه وإرتفعت مكانته لا يذعن بها مسلم موحد لله (تعالى) مؤمن بكتابه، وأما مطلق السلطة غير المادية التي لا تتم إلا بإذن الله فما الدليل على امتناع اتصاف بعض عباد الله بها كأوليائه مثلا. وقد نص القرآن الكريم على أن الله (تعالى) قد أسند فعلاً الكثير من السلطات الغيبية إلى الملائكة، كما في قوله (تعالى) : "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون"(14) ، وقال أيضاً: " قل يتوفاكم ملك الموت"(15) ، بل وأسند أمر التدبير الى بعض الملائكة إذ قال : " والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا "(16). و لم يقتصر الله (تعالى) في إعطاء السلطة الغيبية إلى الملائكة فقط بل وحتى إلى إبليس إذ قال (جل شأنه): "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"(17). ثم إن كانت الآثار المادية ثابتة لغير الله (تعالى) بإذنه فما الفرق بينها وبين الآثار غير المادية؟ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً فلا فرق بعدئذ بين الأثر المادي وغيره، وإن كان جائزاً بإذن الله (عز وجل) جاز كل منهما بلا فرق. السبب الثاني : إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه. و للرد على السبب الثاني نقول : أولاً : إنما يقسم المسلمون بشيء على اللّه (تعالى) لكون المقسوم به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده، ولا يعني فيه إطلاقاً كونه أعظم من المقسوم عليه. ومن أطلق هذه الشبهة لم يفرق بين كون المقسوم به أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه. ثانياً : قد ورد في الصحاح والمسانيد طائفة من الروايات تضمنت القسم على الله (تعالى) بالنبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) كما في : أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (18). ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(19). *إحذروا كثرة الحلف: كثيرٌ من هم يقسمون على كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتهم، وكثرة الحلف والأقسام في كل أمر صَغُر شأنه أم عَظُم إذا دل على شيء إنما يدل على عدم احترام الحالف شيئاً مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله (تعالى) فهو لا يستشعر عظمة الله (جل جلاله) مهما كانت الأسباب، وقد حذّر الإمام الحسين (عليه السلام): عن كثرة الأقسام موضحاً الاسباب الداعية إلى ذلك حيث قال: "احذروا كثرة الحلف فإنه يحلف الرجل لخلال أربع: إما لمهانة يجدها في نفسه تحثه على الضراعة إلى تصديق الناس إياه، وإما لعي في المنطق فيتخذ الإيمان حشوا وصلة لكلامه، وإما لتهمة عرفها من الناس له فيرى أنهم لا يقبلون قوله إلا باليمين، وإما لإرساله لسانه من غير تثبيت "(20) و قد نهى الله (تعالى) عن أن يكون المسلم حلّافاً، قال (تعالى): " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) " (21) . والحلّاف صيغة مبالغة من الحلف أي كثير الحلف، وغالباً ما لا يتسم هذا النموذج بسمة الصدق، ولذا فهو يحاول أن يطمئن من حوله بصدق حديثه من خلال توكيده بالحلف والقسم، ومن لا يتسم بالصدق فهو بلا شك مُهان و مُحتقر في نظر نفسه وفي نظر من حوله لذا وصفه (عز و جل) بـالــ" مهين " من ( المهانة ) و تعني الحقارة والضعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 225 (2) وسائل الشيعة، ج16، ص179 (3) البقرة224 (4) عوالي اللآلي ج1 ص88 (5) المصدر السابق (6) مستدرك الوسائل ص43، ح6. (7) ثواب الاعمال ج10 ص15 (8) مستدرك الوسائل ج16 ص35و36 (9) ثواب الاعمال ج10 ص15 (10) الحجر 87 (11) ن 4 (12) التوبة 192 (13) الروم 47 (14) الأنعام 61 (15) السجدة 11 (16) النازعات 5 (17) الأعراف 27 (18) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778 (19) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59 (20) مجموعة ورام ج2 ص122 (21) القلم 10 ــ 13

اخرى
منذ 3 سنوات
13116

أثر الغذاء على روح و سلوك الانسان

من البديهي إن للغذاء الأثر الكبير على جسم الانسان وحالته الصحية والبدنية، الا إن ما أثبته الشرع المقدس إن للغذاء أثر على روح وأخلاق وسلوك الانسان أيضا قال (تعالى) : " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً " (1). ويعتقد بعض المفسّرين أنّ تقارن ذكر هذين الأمرين: وهما : ( أكل الطّيبات و العمل الصالح )، هو خير دليل على وثاقة العلاقة بينهما، وهي إشارةٌ إلى أنّ الأطعمة الطيبة تترك أثرا طيبا على الروح و الأخلاق و السلوك بخلاف الأطعمة الأخرى والتي تترك الأثر السيء عليها. ولكن لا يمكن القول أبداً أنّ الأكل والغذاء هو العلّة التّامة لبلورة الأخلاق، ولكنّه يمثل عاملاً مُساعداً في ذلك، بحلاله وحَرامه، وأنواعه. كما أثبت علماء العصر الحاضر، أنّ السّلوكيات الأخلاقية عند الإنسان، تنطلق من خلال ترشّح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان، والغُدد بدورها، تتأثر مباشرةً بما يأكله الإنسان، لذا سنتناول بالبحث أثر الاطعمة الطيبة على روح وسلوك الانسان ومن ثم أثر الاطعمة الخبيثة عليها ونختم بأثر فضول الطعام عليها أيضا. أولا : أثر الاطعمة الطيَبة: لانقصد بالطيَبة ما كان طعمها طيبا بل ما كان حلالا من الطعام لا شبهة فيها وكان أثرها طيبا على الانسان بدنا وروحا، وإلا قد تكون بعض الاطعمة المحرمة ذات طعم طيب الا انها تترك على البدن والروح الأثر الخبيث، وقد ورد في الروايات الشريفة بعض تلك الاطعمة منها: 1 ـ ما ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «عَلَيكُم بِالزَّيتِ فإنّهُ يَكْشِفُ المُرَّةَ... وَيُحْسِّنُ الخُلُقَ»(2).. 2 ـ في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقِلَّ غَيْظَهُ فَلْيَأكُلْ لَحمَ الدُّراجِ(3) »(4). 3 ـ روي عن الامام الكاظم (عليه السلام) قال: من اشتكى فؤاده وكثر غمه فليأكل الدراج "(5). 4 ـ روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): " عليكم بالعدس ، فانه مبارك مقدس ، يرق القلب، ويكثر الدمعة، وقد بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى بن مريم (عليه السلام) " (6). كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) : " شكا نبي من الانبياء إلى الله (عزو جل) قساوة قلوب قومه، فأوحى الله (عز وجل) إليه، وهو في مصلاه: أن مُر قومك أن يأكلوا العدس، فانه يرق القلب ويدمع العين ويذهب الكبر [ياء] وهو طعام الابرار " (7) 5 ـ روي عن الامام الصادق (عليه السلام) : " الخل الخمر ينير القلب ، ويشد اللثة ، ويقتل الدواب البطن" (8) 6 ـ روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: «شَكى نَبِيٌّ مِنَ الأنبِياءِ إِلى اللهِ (عَز وَجَلَّ) الغَمَّ فَأَمَرَهُ اللهُ (عَزّ وَجَلَّ) بِأَكْلِ العِنَبِ»(9). وعنه (عليه السلام): لما حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح (عليه السلام) جزع جزعا شديدا واغتم لذلك، فأوحى الله إليه أن كل العنب الأسود ليذهب غمك" (10) 7 ـ وورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام):«مَنْ أَكَلَ رُمّانَةً عَلَى الرِّيقِ أَنارَتْ قَلْبَهُ أَربَعِينَ يَوماً»(11). قال أبو عبد الله (عليه السلام): "من أكل رمانة على الريق أنارت قلبه فطردت شيطان الوسوسة أربعين صباحا" (12) 8 ـ عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، في وصيته لجعفر بن أبي طالب(رضي الله عنه)، فقال له: «يا جَعْفِرُ كُلِ السَّفَرجَلَ فَإِنّهُ يُقَوي القَلْبَ وَيُشْجِعُ الجَبَانَ»(13). ثانيا : أثر الأطعمة الخبيثة: و نقصد بالاطعمة الخبيثة ما كانت حراما أو تركت أثرا خبيثا في نفس الانسان أو في بدنه وإن كانت ذات طعم طيب، وقد تقدم إن العلماء أثبتوا تأثر سلوك لانسان بما تفرزه غدده من هورمونات والغدد تتأثر بما يردها من طعام ، وعلى هذا الأساس، فإنّ لحومَ، الحيوانات تحمل نفس الصّفات النفسيّة الموجودة في الحيوان، فالضّواري تفعل فِعْلَ عناصر التّوحش في الإنسان، والخنزير يذهب بالغيرة عند الإنسان، وهكذا فإنّ لحم أيّ حيوان، يخلف بصماته على روح آكله مباشرةً، وينقل إليه صفاته، وقد حذرت الروايات من بعض الاطعمة نذكر منها : 1 ـ الأكل الحرام و هو من أشد الأطعمة خبثا في روح وسلوك الانسان : *يورث عدم قبول الصّلاة و الصّيام والعبادة، كما ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «مَنْ أَكَلَ لُقْمَةَ حَرام لَنْ تُقْبَلَ لَهُ صلاةُ أَربَعِينَ لَيلَةً، وَلَمْ تُسْتَجَبْ لَهُ دَعوَةُ أَربَعِينَ صَباحاً، وَكُلُّ لَحْم يُنٌبِتُهُ الحَرامُ فَالنَّارُ أَولَى بِهِ، وَإنَّ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ تُنْبِتُ اللَّحْمَ»(14). ومن الطبيعي فإنّ قبول الصّلاة له شروطٌ عديدةٌ، ومنها: حضور القلب وطهارته من الدّرن والغفلة، والحرام يسلب منه تلك الطّهارة و الصّفاء، ويخرجه من أجواء النّور والإيمان. *من شروط إستجابة الدّعاء هو الإمتناع عن أكل الحرام، حيث جاء شخص إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال له: " اُحِبُّ أنْ يُستَجاب دُعائِي، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): «طَهِّرْ مَأَكَلَكَ وَلا تَدْخُلْ بَطْنَكَ الحَرامَ»(15). *الاكل الحرام يسلب التوفيق و الفلاح كما روي عن الفضل بن الرّبيع أنّ «شريك بن عبدالله»، دخل يوماً على «المهدي»، الخليفة العبّاسي في وقتها فقال له المهدي العباسي: «أي شريك»، أعرض عليك ثلاثة اُمور، عليك أن تختار إحداها، فقال ما هي؟، فقال له: إمّا أن تقبل منصب القضاء، أو أن تعلّم إبني، أو تأكل معنا على مائدتنا، ففكّر شريك قليلاً، وقال إنّ الأخيرة أسهلها، فحجزه المهدي، وقال لطبّاخه، حضّر له أنواعاً من أطباق أمخاخ الحيوانات، المخلوطة بالسّكر و العسل. فعندما أكلَ شريك من ذلك الطعام اللّذيذ، «وطبعاً الحرام»، قال الطبّاخ للمهدي، إنّ هذا الشّيخ لن يُفلح أبداً بعد هذا الطّعام، فقال الرّبيع: وفعلاً قد صدقت نبوءة الطبّاخ.(16) 2 ـ الدم روي عن الإمام الصّادق(عليه السلام)، حيث سئل عن علّة تحريم الدم، فقال(عليه السلام):«وَأَمَّا الدَّمُ فَإَنَّهُ يُورِثُ الكَلَبَ وَقَسْوَةَ القَلبِ وَقِلَّةَ الرَّأفَةِ وَالرَّحمَةِ لا يُؤمِنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوالِدَهُ».(17) 3 ـ الخمر روي عن الامام الصادق (عليه السلام):«وَ أَمَّا الخَمْرُ فإنَّه حَرَّمَها لِفِعْلِها وَفَسادِها وَ قَالَ إِنَّ مُدْمِنَ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وَ يُورِثُ إِرتِعاشَاً وَيُذْهِبَ بِنُورِهِ وَيَهْدِمَ مُرُوَّتَهُ»(18). 4 ـ ترك أكل اللحم أربعين يوما ، كما نقل عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: " اللحم ينبت اللحم ويزيد في العقل ومن تركه أياما فسد عقله" (19). وفي رواية اخرى عنه (عليه السلام): " من ترك اللحم أربعين صباحا ساء خلقه وفسد عقله "(20) .وورد في مقابله العكس أيضاً، وهو ذمّ الإفراط في تناول اللّحم والإكثار منه، فإنّ من شأنه أن يورثه نفس الأعراض والأمراض الخُلقية. ثالثا : أثر فضول الطعام و كثرته قد يقصد به إدخال الطعام على الطعام، والأكل الزّائد عن الحاجة، أو يقصد به الطّعام المتبقي من الوجبات السّابقة، أي بقايا الطعام الفاسد: 1 ـ فضول الطعام يورث قسوة القلب والتكاسل عن العبادة ويصم صاحبه من سماع الموعظة كما نقل عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إِيَّاكُم وَفُضُولَ المَطْعَمِ فَإِنّهُ يَسِمُ القَلْبَ بِالقَسوَةِ وَيُبْطِيء بِالجَوارحِ عَنِ الطّاعَةِ وَيَصُمُّ الهِمَمَ عَنْ سِماعِ المَوعِظَةِ».(21) كما روي عن المسيح (عليه السلام): " يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم، ومن أكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين " (22). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) - في حديث جرى بين يحيى (عليه السلام) وإبليس -: فقال له يحيى: ما هذه المعاليق؟ فقال: هذه الشهوات التي اصيب بها ابن آدم، فقال: هل لي منها شئ ؟ فقال: ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة والذكر. قال: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا، وقال إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا. (23). و عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء " (24). 2 ـ كثرة الاكل من الشره ، روي عن الامام علي (عليه السلام): " كثرة الأكل من الشره، والشره شر العيوب "(25). 3- كثرة الاكل تهيج الشهوة ، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " ليس شئ أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة لشيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة " (26). 4 ـ كثرة الاكل تورث الأسقام ، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للبدن ومورثة للسقم ومكسلة عن العبادة " (27). وعنه (عليه السلام): " إياك وإدمان الشبع، فإنه يهيج الأسقام ويثير العلل " (28) ، و عنه (عليه السلام): لا يجتمع الصحة والنهم " (29) 5- كثرة الطعام تحرم صاحبها من الحكمة، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " القلب يتحمل الحكمة عند خلو البطن، القلب يمج الحكمة عند امتلاء البطن " (30). 6- كثير الطعام لا يدخل ملكوت السماوات و الارض، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " لا يدخل ملكوت السماوات والأرض من ملأ بطنه" (31). 7- الله (تعالى) يبغض البطن الملآن، كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ما من شئ أبغض إلى الله من بطن مملوء "(32). و عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ليس شئ أبغض إلى الله من بطن ملآن " (33).وعن الإمام الباقر (عليه السلام): " أبعد الخلق من الله، إذا ما امتلأ بطنه" (34). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المؤمنون 51 (2) وسائل الشيعة، ج17ص12 (3) حياة الحيوان: الدراج بالضم كرمان واحدته دراجة وهو طائر مبارك (4) فروع الكافي، ج6، ص312 (5) بحار الانوار ج62 ص44 (6) المصدر السابق ج103 ص233 (7) المصدر الاسبق ج63 ص259 (8) المصدر نفسه ج103 ص237 (9) و(10) ميزان الحكمة ج2 ص272 (11)و(12) بحار الانوار ج63 ص161 (13)المصدر السابق ج63 ص170 (14)بحار الانوار ج63 ص314 (15)ميزان الحكمة ج2 ص18 (16)الاخلاق في القرآن ج13 ص10 (17)و(18) الكافي، ج6، ص351، ح4، نقلا عن الأخلاق في القرآن (19)و(20)بحار الانوار ج63 ص72 (21)ميزان الحكمة ج4 ص11 (22)المصدر السابق ج1 ص80 (23)و(24)المصدر الاسبق ج4 ص11 (25)ـ(26)المصدر السابق ج1 ص80 (28) عيون الحكم و المواعظ ج1 ص83 (29) ميزان الحكمة ج1 ص82 (30)المصدر السابق ج4 ص11 (31) ـ (34)المصدر نفسه ج1 ص81

اخرى
منذ 3 سنوات
15474

التقوى وأثرها في تقبل الأعمال

التقوى، لغة: الحفظ والحراسة ، وأما إصطلاحاً : فهي (حفظ النفس عن مخالفة الله (تعالى) بفعل ماأوجبه وترك ماحرمه )(1). ومما لا شك فيه إن مواظبة الانسان على فعل الواجبات وترك المحرمات توجب حصول ملكة في النفس يسهل عليه الإتيان بالافعال والإنتهاء عن التروك وان كانت مخالفة لميله وهواه. والتقوى كلمة أطلقها علماء الأخلاق على الملكة الحاصلة في النفس، والباعثة على الأفعال الخارجية تارة، وعلى نفس الاعمال والتروك تارة أخرى، والملكة هي الأثر والنتيجة التي تتحقق بسبب تكرار المواظبة على الأفعال الخارجية، فالبحث عن الأفعال إذن لأنها تورث في النفس حصول الملكة . وللتقوى آثار جمة في حياة المؤمن في الدنيا والآخرة ولعل من أهم تلك الآثار هو تقبل العمل، فمقياس القبول عند الله (تبارك وتعالى) ليس عظمة الفعل أو مركز الفاعل أو ما أنفقه من أموال كثيرة أو ثروة طائلة في سبيله أو ما بذل عليه من الجهد الجسيم في سبيل إيجاده في الخارج وإنما سبب القبول أمر واحد وهو التقوى، والتي تستبطن الإخلاص وعدم الرياء وعدم حب السمعة والشهرة وعدم المن والأذى وما الى ذلك. وقد ذكر القرآن الكريم التقوى في مواضع كثيرة كما أكد على آثارها الجميلة أيضاً، حيث قال (تعالى): " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) "(2)، وقال (عز من قائل): " لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْينَهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوَن خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْظَّلِمِينَ (109) "(3) وسبب نزول الآيات السابقة هو بناء مسجد في المدينة عرف فيما بعد بـ (مسجد الضرار). والذي قام ببنائه أبو عامر، وكان قد اعتنق النصرانية، وسلك مسلك الرهبانية إذ يعد من الزهاد والعباد وله نفوذ واسع في طائفة الخزرج، وبعدما شاهد إنتصارات النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المتوالية حيث احتضنه المسلمون ونصروه في المدينة بعد أن جاءهم مهاجرا من مكة، ومن ثم انتصر على المشركين في معركة بدر، رأى أبو عامر أنّ الناس قد انفضوا من حوله، وبقي وحيداً، فقرر محاربة الإِسلام، وحاول عدة محاولات للإيقاع بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والقضاء وأبرزها أمره بحفر الحفر بين الصفين في معركة أحد والتي سقط النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أحدها فجرحت جبهته وكُسرت رباعيته، ولما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) ماصدر منه من التحريض والدعوة لقتال المسلمين ونبيّهم سمّاه (فاسقاً). فهرب أبو عامر من المدينة وذهب إِلى هرقل ملك الروم ليستعين به لقتال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وليرجع إِلى المسلمين ويقاتلهم في جيش عظيم، وقبل أن يموت أرسل رسالة إِلى منافقي المدينة يبشرهم فيها بالجيش الذي سيصل لمساعدتهم، وأكّد عليهم بالخصوص على أن يبنوا له مركزاً ومقرّاً في المدينة ليكون منطلقاً لنشاطات المستقبل. ولما كان بناء مثل هذا المقر، والتصريح بالغرض الذي أسس من أجله غير ممكن عملياً، رأى المنافقون أن يبنوا هذا المقر تحت عنوان المسجدية لغرض مساعدة المرضى والعاجزين. وأخيراً تمّ بناء المسجد، وقيل أنّهم اختاروا شاباً عارفاً بالقرآن من بين المسلمين يقال له: «مجمع بن حارثة» أو «مجمع بن جارية» وأوكلوا له إمامة المسجد. إِلاّ أنّ كلمات معدودة أنزلها الله (تعالى) على صدر رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أزاحت الستار عن عمل هؤلاء المنافقين، عندها لم يكتفِ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم الصلاة في المسجد وحسب، بل إنّه أمر بعض المسلمين أن يحرقوا المسجد ويهدموه، فنفذوا ما أُمروا به، فعمدوا إِلى سقف المسجد فحرّقوه، ثمّ هدموا الجدران، وأخيراً حولوه إِلى محل لجمع الفضلات والقاذورات(4). وهنا لابد من التأمل بقيمة التقوى وأهميتها حيث رفعت المسجد الذي أسس على أساسها وأعطته الأحقية بإقامة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فيه بينما إنعدام التقوى وضع مسجد الضرار الى أدنى درجات الخسة والوضاعة حيث إنه لم يتم هجره وعدم الصلاة فيه وحسب، بل ولم يتم هدمه وحرق سقوفه وحسب بل وأحيل الى محل لإلقاء القاذورات والنفايات فيه أيضا. ولا يفهم من الأحقية في قوله (تعالى): " لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ " (5) أنها من باب المفاضلة ؛ وذلك لأن لا فضل ولا خير في مسجد ضرار للتفاضل بين الإثنين ، بل هو من قبيل قولنا للشخص المجرم والسارق: إنّ الإستقامة والعمل الصالح الصحيح خير لك من الجريمة والسرقة ، فقولنا هذا (لا يعني أنّ السرقة والتلوث بالجريمة شيء حسن، وأن الإِستقامة والطهارة أحسن، بل معناه أن الإِستقامة وحسن السيرة شيء حسن، وأنّ السرقة عمل سيء وغير مناسب.)(6) وأما المسجد الذي أشارت اليه الآية بأنّه يستحق أن يصلي فيه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد إختلف المفسرون فيه فمنهم من قال هو «مسجد قبا»؛ لأن المسجد الذي بناه المنافقون ضرارا كان على مقربة منه، بينما إحتمل آخرون أن يكون المقصود منه مسجد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كل المساجد التي بنيت على أساس التقوى، (إلاّ أنّنا لاحظنا تعبير (أوّل يوم) وأن مسجد قبا هو أوّل مسجد بني في المدينة، علمنا أنّ الإحتمال الأوّل هو الأنسب والأرجح، ولو أنّ هذه الكلمة تناسب أيضاً مساجد أُخرى كمسجد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم))(7). إذن وجب على المؤمن أن يتحرى مقصوده في أي عمل صالح يقدم عليه وأن يخلص نيته لله (تعالى) وحده، وأن لا يشرك في أعماله الصالحة ما قد يقدح بسلامتها ومقبوليتها؛ ولذا لم يقل الباري (عز وجل) من عمل حسنة فله خير منها أوعشر أمثالها وإنما قال: " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) "(8) وقال : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89)"(9) وقال : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)"(10) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) دروس في الأخلاق ج1 ص41 (2) المائدة 27 (3) التوبة 108و109 (4) سبب النزول معتمد على الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل د6 ص216 (بتصرف كبير (5) التوبة 108 (6) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج6 ص220 (7) المصدر السابق (8) الأنعام 160 (9) النمل 89 (10) القصص 84

اخرى
منذ 3 سنوات
6822

*الوسوسة

الوسوسة في اللغة الصوت الخفي ومنه يقال لصوت الحلي وسواس، وكل صوت لا يفهم تفصيله لخفائه وسوسة ووسواس وكذلك ما وقع في النفس خفيا(1). و الشيطان يأتي الانسان فيوسوس له ليدله على طريق الضلالة، ويبعده عن طريق السعادة، ويأتي بأسلوب غير محسوس ليدخل قلب الإنسان وعقل الإنسان وذهن الإنسان. وأما إذا كان ذلك من طرق رب العالمين، ومن طرق عالم الملكوت يقال له الهام. *من يوسوس له الشيطان؟؟؟ لا يحاسب الله (تعالى) على وسوسة الشيطان وإنما يحاسب على الأخذ بوسوسته والعمل بها كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " لكل قلب وسواس، فإذا فتق الوسواس حجاب القلب نطق به اللسان وأخذ به العبد، وإذا لم يفتق القلب ولم ينطق به اللسان فلا حرج " (2). يذكر القرآن الكريم انما يوسوس الشيطان لأولئك الذين ضعف ارتباطهم بالله إذ يقول (تعالى): " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين " (3). فالذي لا تشده إلى الله رابطة قوية، و ضعفت به صلته فلا يؤدي الصلاة أول وقتها ويغفل عن ذكر الله فيأتيه شيطان ويرافقه دوماً بل ويكون له قرينا، وعمله هو ان يوسوس له ويلقي الضلالة في قلبه. و الإنسان الوسواسي إنما أصبح كذلك لدوام مرافقة الشيطان له وان كان لا يراه. فهو يرافقه في البيت والنوم واثناء الصلاة والوضوء والغسل، و يكون الشيطان معه في كل مكان، مع انه لا يرى ذلك الشيطان، إلا إنه دائماً يتكلم معه، فعندما يتوضأ مثلاً يقول له الوضوء ناقص، أو أن هذا الوضوء باطل لأن الوجه لم يغسل صحيحاً، أو عندما يغتسل يقول له بأن الغسل غير كامل، ويشغله لفترة طويلة في عملية إتمام الإغتسال، وكلما طال وضوؤه وإغتساله أكثر كان ذلك علامة على مدى طاعة الانسان لذلك الشيطان وإستجابته له. والخواطر التي يلقيها الشيطان في القلب تكون على قسمين: الاول :وتكون خاطرات مباشرة، تحث الإنسان على اقتراف الذنوب والآثام، أي يزين الشيطان فعل الذنب بشكل مباشر ويجعل في اقترافه حلاوة. فيأمر بنظرة سوء، والغيبة والبهتان و النميمة وما شاكل ذلك قال (تعالى): " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"(137) " (4) و قال (تعالى): " أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) "(5) و أما الثاني : فتكون بصورة غير مباشرة، بطريقة (الخناس)، أي الوسوسة مع التبرير، فيخدع الشيطان الانسان بالقول الجميل والمقنع فيحرفه بواسطة الدين عن الدين. وأغلب الوسواسيين على هذه الشاكلة فلا يقولون عملنا حرام، بل يقولون هذه الطريقة السليمة للتيقن من صحة الغسل و الوضوء مثلا. وأما من لا يتبع طريقتهم فغسله باطل في نظرهم وبالتالي فإن الناس نجسين وهم الطاهرون. وفي الوقت الذي يعد هو فيه أنجس الناس. و من الواضح إن خطر القسم الثاني أشد من خطر القسم الأول فالقسم الاول يعلم إنه يرتكب المعاصي والمحرمات وبالتالي قد تؤثر به موعظة ما وتدله على الطريق، وأما الإنسان الوسواسي فهو يخالف الشرع المقدس ويجانب الصواب وهو معتقد تمام الاعتقاد إن عمله صحيح كما إنه لا يطمئن الا به. وبالتالي لا يتوب حتى يكف عن تلك الحالة (حالة الوسوسة)، وطالما هو مستجيب لوسوسة الشيطان فإن ذنوبه تتراكم وتتراكم حتى يسود قلبه ويصل إلى حال لا يُرجى شفاؤه معها. يُحكى إن أحد الطلبة العلماء قد جُنّ. وترك الصلاة والصوم، وعندما يُسأل: لماذا لا تصلي ولا تصوم ؟ فيجيب بعبارة جميلة (أخذ ما وَهب وسقط ماوجب) يعني ان الله أخذ عقلي فلم يعد علي تكليف. نعم ، الوسواسي مجنون ولكن ليس بهذا النحو، لأنه يبقى مكلّفا ، ولا تسقط عنه أي من العبادات من الصوم والصلاة وغيرها. *من هو الخناس ؟؟؟ لكل إنسان شيطان يناسب حاله، ووسائل غواية وإضلال تناسب قوة إيمانه، فعامة الناس يكفي لإضلالهم شيطان ما لايناسب الروحانيون إذ إن لهم شياطين ولكنهم أساتذة الشياطين، والخناس من أساتذة الشياطين، وقد ورد في الروايات ان الخناس شيطان عالم وكبير جداً؛ لذا وردت الاستعاذة منه ثلاث مرات في قوله (تعالى) : " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) "(6) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما ولد إبراهيم وعيسى (ع)، جمع الشيطان الكبير كل الشياطين حوله وقال ماذا نفعل، لأن نبي الله قد وُلد ولا يمكن إضلال الناس بعد. فقال الخناس: استطيع اضلالهم عن طريق الدين والوسوسة فيصيرون إلى النار (7) . و قد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) في ذيل تفسير قوله (تعالى) : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) " (8) إنه قال: " لما نزلت هذه الآية: والذين اذا فعلوا فاحشة... صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها. فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها، فقال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فاذا واقعوا الخطيئة أُنسيهم الاستغفار، فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة " (9). *أنواع الوسوسة الشيطانية تختلف وسوسة الشيطان للناس بإختلاف إهتماماتهم أولا : الوسوسة الفكرية: و هي الوسوسة التي ترتبط بالقلب وخطراته ولا تتعلق بالأفعال، وهي موجودة بكثرة و يُبتلى بها الكثير من الناس، وتنشأ عادة من ضعف الإرادة فعندما تضعف أعصاب الإنسان أو يتعرض للمصاعب، أو يرى مصيبة كبيرة، يصاب من الناحية الروحية بالوسوسة الفكرية، وهي على مراتب فتارة تكون بمستوى الشك والشبهة فقط. واُخرى تشتد وترتفع خصوصا عندما يتعرض ذوي الايمان الضعيف لبلاءات و مصائب فتصل ـ والعياذ بالله ـ موضعاً يسيء فيه القول على الله ويعتقد ان أفعال الله ظالمة وإنه ليس عادلا وما الى ذلك . ومن الوسوسة الفكرية الشك بالقرآن وبخصوص تلك الايات التي تتحدث عن العدل و إنتفاء الظلم عنه (جل و علا) و عندما تشتد الوسوسة يصل الانسان إلى درجة يشتم فيه (في قلبه) الله (سبحانه و تعالى) والنبي (صلى الله عليه و آله) والأئمة (عليهم السلام) والمقدسات، وتوجد أنواع أخرى من الوسوسة الفكرية التي ترتبط بدنيا الإنسان وأعماله أو بعلاقته مع الآخرين كسوء الظن مثلاً، وعلاج هذا النوع من الوسوسة سهل جداً، وهو ان يصرف الانسان نفسه كلما أتاه ذلك الشك، هذا إذا كان الأمر في بدايته، أما إذا أطاع الشيطان، فكلما أطاعه أكثر يترسخ في قلبه أكثر حتى يترسخ في قلبه الشك وهكذا. وعلى هذا يجب على الانسان بالاضافة الى عدم إهتمامه بهذه الوسوسة أن يبادر الى العلاج بأمور دعت اليها الايات والروايات سنذكرها. ولكن عليه أن يعلم بأن العلاج يحتاج إلى صبر وسعة صدر، شهراً أو شهرين أو عدة شهور فسوف يتحسن ويتمكن من اقتلاع أصل هذه الرذيلة. ومن الناحية الجسمية فيجب أن ينظم نومه ويقوي أعصابه، وان لا يتشنج، ولا تتعرض أحاسيسه لصدمات، كل ذلك لازم ومؤثر جداً للتخلص من الوسوسة الفكرية. *علاج الوسوسة الفكرية و علاجها كما جاء في الايات الكريمة و الروايات الشريفة يكمن في : 1 . قال (تعالى): " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) " (10). فالدخول في عبودية الله (عز وجل ) حصن من الشيطان الرجيم فإذا وقف الإنسان تحت راية الله كان في حمايته و يخشى الشيطان حينئذ من الاقتراب اليه، فيقوى ارتباطه بالله، ويقيم الصلاة لوقتها ويؤدي الواجبات وخاصة الحجاب بالنسبة للنساء، وان ينتهي عن المحرمات كالاستماع الى الغناء والنظر المحرم وغيرهما، بل ويهتم بالمستحبات فيصلي صلاة الليل، ويقرأ القرآن، يدعو الله ويتوسل له، ويساعد الناس، ويعين الزوج زوجته، وتساعد الزوجة زوجها وخدمة المسلمين، فان عمل بكل ذلك فإن الوسوسة الفكرية ستزول شيئاً فشيئاً بل وقد وعد القرآن بأن الملائكة يبعدون الشياطين عمن عزز ارتباطه بالله لقوله (تعالى): " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله "(11) 3 . قول ( لا اله الا الله) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ــ وقد سئل عن الوسوسة وإن كثرت - : " لاشئ فيها ، تقول: لا إله إلا الله " (12).وعنه (عليه السلام) أيضا قل : " لا إله إلا الله، قال جميل: فكلما وقع في قلبي شئ قلت: لا إله إلا الله فيذهب عني " (13). 4 . لو ذكر النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله ) بسوء، والأئمة الطاهرين (عليهم السلام ) فليذكرهم و يصل عليهم . فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب " (14). 5 . لو خطر بقلبه ان الله ظالم وليس بعادل. فعليه أن لا يهتم ولا يؤذي نفسه ويقرأ قليلاً من القرآن . 6 . روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال - لرجل ابتلي الوسوسة وهو معيل مدين محوج -: " كرر هذه الكلمات " توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " فلم يلبث الرجل أن عاد إليه فقال: يا رسول الله أذهب الله عني وسوسة صدري، وقضى ديني ووسع رزقي " (15). 7 . الصوم كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): " صوم ثلاثة أيام من كل شهر - أربعاء بين خميسين، وصوم شعبان - يذهب بوسواس الصدر، وبلابل القلب " (16). وعنه (عليه السلام): " صيام شهر الصبر وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن ببلابل الصدر " (17) . ثانيا : الوسوسة العملية: و تتباين هذه الوسوسة بتباين الأفراد، ولكن بصورة عامة يمكن تقسيها الى قسمين : الأول : ما لا ترتبط في مجال العبادات : تكون الوسوسة في اختيار الملابس، فلا يعجبه مثلاً ان يلبس هذه الملابس لأن لونها لا يناسبه، ولا تلك لأن قماشها لايعجبه، ولا الثالثة لأن طريقة خياطته ليست كما يرغب بها، ونحن إذ نعترف إن من حق الانسان أن يحسن إختيار ما يلبسه وما يلائم دينه وثقافته وغير خارج عن العرف السليم، كما إننا نعترف بقلة ما يتصف بهذه المواصفات من الملابس في الاسواق اليوم إلا إنه يجب أن لا يخرج التردد في الاختيار عن الحد المألوف فيصبح وسوسة، وهذا النوع من الوسوسة العملية تلاحظ بكثرة في أوساط النساء. و قد تكون الوسوسة في مجال النظافة، فتجد بعض الناس أهتمامهم بالتنظيف يستنزف جُل وقتهم، فيكثرون من أعمال الكنس والتنظيف و الغسل، وكلما نظّفوا شكوا في حصولهم على المطلوب فيعيدون عملية التنظيف وهكذا حتى يصابوا أخيراً بوسواس النظافة. و قد تجد بعضهم مصاب بالوسوسة من الميكروب، فإذا مست يده ثيابه، طهرها بالكحول، و إذا صافحه أحدهم أسرع لتعقيم يديه، بل والبعض يعتذر عن المصافحة أساسا، وقبل الأكل يغسل يديه مائة مرة، وقد يصل به الأمر ان يقطع الخُبز بالسكين لأنه لا زال يشك في يديه. ثانيا : ما يرتبط في مجال العبادات: ما ترتبط في مجال العبادات فقد تكون الوسوسة في التطهير من النجاسات بصورة عامة، وتبتلى بمثل هذه الوسوسة عادةً النساء. فتجد المرأة تطهر الثياب وارض المنزل وغيرها بأكثر مما أوجبه الشرع بل وبعضهن تعلم بذلك وتصرح لأنها تريد الوصول الى الاطمئنان القلبي ومع تكرار هذه العملية تترسخ الوسوسة لديها فتهدر الماء وتضيع رأسمالها في الحياة وهو الوقت وهي قبل كل ذلك تطيع الشيطان وتغضب الرحمن . و قد تكون الوسوسة في عبادة معينة كالغسل أو الوضوء مما تؤثر على وقت أدائه للصلاة فغالبا ما يصليها بعد وقت فضيلتها ليس لشيء سوى لإنشغاله في الوضوء او الغسل لوقت طويل قد يصل بالبعض الى ساعة أو أكثر. ومنها أيضا الوسوسة في الصلاة والشك بين الركعات والشك في إتيان أجزاء الصلاة بشكل صحيح، ومن العجيب إن بعضهم لا يؤمن بحالات العلاج للصلاة التي يمكن علاج الشك فيها، بل يبطل صلاته ويأتي بغيرها، وهؤلاء علاوة على إغضابهم للرحمن وإطاعتهم للشيطان فإنهم وبمرور الزمن يكرهون العبادة نفسها وبالتالي يتركوها. و قد يوسوس الشيطان للإنسان بإنه في مورد رياء وإن عليه أن يخفي عبادته ولا يظهرها أمام الناس. ومع إن إخفاء العبادة وكل عمل خير يصدر من المؤمن عدا الموارد التي أباح الشرع إظهار العمل فيها أو أمر بإظهاره فيها للناس قولاً أو عملاً، محثوث عليه من قبل الشارع، حفظاً لنفس العامل عن عروض بعض الرذائل عليها كالعجب والرئاء والتكبر وحب الجاه ونحوها فقد ورد : إن أعظم العبادة أجراً أخفاها (18). وإن العمل الصالح إذا كتمه العبد أبى الله إلا أن يظهره ليزين الفاعل به مع ما يدخر له من الثواب (19) .وإن المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة (20). و لكن أحيانا يكون إظهار العمل لا بد منه كما في الصلوات الواجبة خاصة مع الجماعة، وفي إخراج الوجوه الواجبة من الزكاة والخمس ومنذور التصدق به وغيره، وذلك لأن تشيع عبادة الله وطاعته في الناس ويرغب إليها الغافلون، ويكون نوعاً من الأمر بالمعروف، وسبباً لزوال التهمة عن العامل لو كان مورداً للتهمة، إلا إن الوسواس الخناس يوسوس في صدور بعض الناس في هذه الموارد بأن الإظهار يكون رئاء فيخفيه لذلك، فإن إستجاب له مرارا ترسخت الوسوسة لديه و قد يقلع عن تلك العبادات رأسا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) معجم الفروق اللغوية للعسكري ج1 ص369 (2) ميزان الحكمة ج11 ص138 (3) الزخرف 36 (4) الانعام 137 (5) فاطر 8 (6) الناس 1 ــ 6 (7) الفضائل و الرذائل ج11 ص5 (8) آل عمران 135 (9) بحار الانوار ج60 ص197 (10) الاسراء 65 (11) الرعد 12 (12) ــ(17)ميزان الحكمة ج11 ص138 (18)و(19) بحار الأنوار، ج70 ، ص251 (20) ثواب الأعمال ، ص213

اخرى
منذ 3 سنوات
26093

*إقتحام العقبة سبيل الجنة

من الواضح إن السبيل الى الجنة محفوف بالمكاره والمصاعب على خلاف السبيل الى النار فإنه محفوف بالشهوات والملذات، وقد روي ذلك عن الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله): " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، واعلموا أنه مامن طاعة الله شئ إلا يأتي في كره ومامعصية الله شيء الا يأتي في شهوة فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه " (1). و لعل أهم ما يعترض سبيل الجنة هو العقبة كما ورد في قوله (عز من قائل) : " أَ لَمْ نجْعَل لّهُ عَيْنَينِ (8) وَ لِساناً وَ شفَتَينِ (9) وَ هَدَيْنَهُ النّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) " (2) ، و على الإنسان أن يتجاوز هذه العقبة. وقد فسر بعض علماء الأخلاق العقبة بأنها تمثّل صفة مترسّخة في نفس الإنسان، ألا وهي (الشحّ) و (البخل). و بما إننا في شهر تهطل علينا فيه البركات الإلهية، وتسوده الأجواء الروحانية، وتغل فيه الشياطين، وتُحسَر فيه الغرائز و الملذات، فنحن في فرصة ثمينة لا بد من إستثمارها في التخلص من الرذائل ولعل من أهمها الشح والبخل، أي علينا أن نتجاوز حصر همومنا بذواتنا، والإنطلاق في البعد الاجتماعيّ في أوسع آفاقه حيث التفكير بهموم الآخرين والجد في قضاء حوائجهم، والسعي في تحسين أحوالهم، لنكون مصداقاً لمن يقتحم العقبة و بذلك نسلك سبيل الجنة. كما إن من المعلوم أنّ الاقتحام بحاجة الى الشجاعة والبطولة وتركيز الإرادة وشحذ العزيمة، لأنّ الإنسان بإقتحام العقبة يريد أن يتحدّى شهواته، ويزكّي نفسه، ويطوّع شيطانه، ويروّض نفسه الأمّارة بالسوء، ولا نجد فرصة تتوفر لدى الانسان كل هذه الأجواء فيها كشهر الصوم فلا بد من إستثمارها خير إستثمار. *مصاديق اقتحام العقبة بعد إن ذكر الله (تعالى) إقتحام العقبة كسبيل للوصول الى الجنة بيَّنَ (عز وجل) لنا هذه العقبة في قوله: " وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ "(3) . و عليه فالعقبة هي: أولا : عملية إنقاذ الإنسان ، ولا يشترط فيه أن يكون من العبيد أو الأسرى، بل نجد اليوم إنّ أغلب البلدان المستضعفة كلّها مستعبدة، وعليه فإن هذا المفهوم (فك الرقبة) يتجسّد وبصورة جلية في الواقع العمليّ فيمكن أن تكون عبارة عن مساهمة في إنقاذ إنسان من أوضاع مأساوية، أو كفالة مدين حُبِس لعدم إمكانيته سداد دينه، وما شاكل ذلك. ثانيا: إعطاء مقدار من الطعام الى الفقير إن كان فائضاً عن حاجته، ولكنّ ما يريده الله (تعالى) من إقتحام العقبة لامجرد الإطعام وإنما أن يكون ذلك في أيام القحط والجوع، وبما إن القحط أمر عام فإن الله (تعالى) يبين الأولى بالإطعام إذ يقول (جل جلاله): " يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ " (4) فالأرحام أولا؛ لأن الأقربون أولى بالمعروف، "وأولو الأرحام بعضهم أولى من بعض" فاليتيم القريب الذي يحتاج الى مساعدة ورعاية، يجب تقديم له العون أوّلاً ثم التوجه الى الأضعف فالأضعف. وأما (المسكين ذي المتربة) فهو الشخص الذي أسكنه الفقر في داره، وقد وصل الى درجة من الفقر بحيث أنه لا يجد فراشاً يجلس عليه، بل يضطر الى الجلوس على التراب. و القادرون على اجتياز هذه العقبة هم المتحلون بالإيمان والمتواصون بالصبر والإستقامة على الطريق، ومتواصون بالرحمة والعطف لقوله (تعالى): " ثمّ كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة "(5). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج67 ص78 (2) البلد 8 ـ 11 (3) البلد 12-14 (4) البلد/15-16 (5) البلد 17

اخرى
منذ 3 سنوات
2507

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
95596

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
93430

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
49935

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49716

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49332

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
48876