حديث نبوي: أساس وركائز أربعة في النظر للدنيا بوعي

من سمات الإنسان إنه يُعادي ما يَجهله، فكيف إذا كان جهله لعالم يعيش به؟! لذا كلما كان الإنسان اكثر معرفة بالدنيا وأحوالها وحقيقتها كان أكثر راحة واستقامة وبصيرة في إدارة وفَهِم كيف يَسير بها ويُسَيرها. وهذه المعرفة إنما تُستَحصل ممن هم أصحاب العلم الراسخ الكامل، فمَّا بلغنا عن النبي الأعظم(صلى الله عليه واله)، إنه قال: [الدنيا دول: فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه، ومن رضي بما قسمه الله قرت عينه](١). أساس لبناء معرفتنا بالدنيا تمحور حديث نبينا الأكرم في وصفه للدنيا بأنها [دول] اي إنها ذات طبيعة دوارة، متقلبة، غير مستقرة الحال لكل من يعيش بها، ففي راحتها وتعبها، يسرها وعسرها، ضيقها وفرجها هناك اختبار وامتحان. لذا فأول قاعدة معرفية تأسيسية نبني عليها فهمنا للدنيا أن ما نبلغه [منها] و[بها] علينا أن لا نتوقع دوامه، سواء كان خيراً او شراً، وأن ما نملكه إنما هو [ملكية استخلاف]، فإن كان اليوم بيدنا شيء منها، قد نفقده غداً، وليس بالضرورة الفقد يكون أمر سلبي! بل قد نُعطى ما هو أكثر وأنفع، إذا ما كنا ممن هو شاكراً لما حضي منها، عاملاً بما أعطي من نِعمها وآلائها. الركيزة الأولى:[فما كان لك أتاك على ضعفك] بعض الأحيان الإنسان عندما يكسب شيء من متاع الدنيا، ولا يكون مدرك لحقيقة إنه مستخلف لا مالك، هو يُقيم ذاته وفق ما بلغ منها، فإن مَلك- مجازا- مالا، جاها، منصبا، سلطانا، نظر لذاته وفق لهذه الأمور التي توحي له بأنها مصدر قوته، وقدرته، فيَستكبر او يَطغى بها، بينما الذي يُدرك إن هذه الامور ليست هي ذاته،  يبقى محافظ على توازنه النفسي، كما يعلمنا إمامنا السجاد(عليه السلام) في دعاء مكارم الاخلاق: [ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها](٢). الركيزة الثانية:[وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك] إن طبيعة الإنسان الفطرية إنه عندما تشتد عليه الدنيا يستشعر الضعف وقلة الحيلة، فيكون بحالة التجاء لمن [لا حول ولا قوة له إلا به] لرفع ما وقع فيه، لكن هنا يربينا النبي الأعظم لأمر أدق وأخفى وهو أن نلتفت لما [يدفعه] تعالى عنا قبل وقوعه، لا ما [يرفعه] بعد وقوعه.  فالإنسان قد يَغتر بقوته، وتخطيطه وحذره، فيعتقد أن ما لم يصبه من فتن الدنيا ومصائبها إنما لقوته وتدبيره هو! بينما المطلوب أن يكون تركيزه وتوجهه لله تعالى في كل الأحوال ليكون من أهل التوحيد صدقاً، سواءً طلباً للرفع، او شكراً للدفع. الركيزة الثالثة:[من انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه] إن سلامة وراحة البدن تتحقق بعدم تعلق القلب بشيء من الدنيا، ولأن الإنسان قد ثبت في وعيه أساس أن [الدنيا دول] فإن هذا يفتح أمامه قابلية جعل قلبه غير متعلق سواء كان لشيء [فيها] يريد بلوغه، او بشيء [منها] حصله، بل يجعل أمامه دائماً هناك مساحة لتقبل ما تجريه عليه الأقدار. هو يوازن بين السعي والتخطيط، والتوكل على من بيده تقسيم العطايا والارزاق، فلا ينظر لحياته من زاوية واحدة بل يعيش برجاء أن ما مُنِع عنه شيء إلا لخير مدخور له، ولفرصة أمامه عليه أن يَنظر لها هي أنفع وأصلح لمستقبله الدنيوي والاخروي. الركيزة الرابعة:[من رضي بما قسمه الله قرت عينه] قرة العين من معانيها أن ينظر الإنسان الى كل ما وصل اليه، وما يعيشه بالقناعة مع عدم التوقف عن السعي؛ فعلامة بلوغهما(اي القناعة ومواصلة السعي) يتحقق إن رضى الإنسان بتقدير الله تعالى له سواء بلغ ما سعى له ام لا، رأى ثمار جهده أم لا؟ لأنه إنسان ذو قلب مستقر في علاقته مع خالقه، وذو نفس عارفة بربها الذي لا تنفذ خزائنه، ولا يضيع عنده أجر من أحسن عمله،  لذا أن تنظر لألطاف الله تعالى الخفية في منعه قبل عطاءه هذا من اجلى مصاديق قرة العين الراضية عن مدبر شؤونها الحكيم العليم سبحانه. ------ (١) تحف العقول:ص٣٣. (٢) الصحيفة السجادية: ص١١٠.  

اخرى
منذ 4 أيام
8

ضيف الليل

ضيف الليل دق الباب برفق...ليس من عادته الاستئذان ...سمع صوت خلف الباب ارجع ...فجبين الشمس يتصبب عرقا...ويلتحف السماء ...الرياح الصفراء تهب حول داره. فتكسرت اشجار الزيتون..وحمائم الحرم تتعلق بطرف بردته اليمانية ..لتودع انفاسه العازمة على الرحيل.. دق الباب برفق ...يا اهل الدار ...ضيف في ليل سرمدي .سيخلد على صفحات الايام ..حاملا اهات واحزان، وآلم الحاجة والهجران ،وطور سينين ...لم يعد هذا البلد امين اختفى اليتم خلف الجدران ليسمع صوت انينه ،وبدا خائفا يترقب ،فقيثارة الحزن تعزف بين ازقة المدينة خطبة الوداع ،تقطعت اوتارها على ارصفة يثرب ،فحروف كلمات الخطبة مكسورة ... دق الباب برفق ...فقد اشتاق للقاء ،وتزينت الجنة لقدومه منذ سنين ..قم ايها المدثر...ورتل سورة محمد، وفي حضن القرأن استقر ،وسلم على الحبيب . ..فما انزلناه عليك لتشقى ، ولكن لتشد به ازرك ،ولتقر عينك ولاتحزن ،ولتصنع على عيني..قارب نجاة الراغبين .. عقارب الساعة تدور في كل اتجاه .تجلس امامه الثواني تنتظر ..فالحسام توشح بسم الثعبان. الصلاة تتدثر الفرائض ...ووجهه قبلة العاشقين .انتظر عند السجود ...ليشطر عبد الشيطان هامة القرأن ...لتتشظى اياته المحكمة لقد حان الوقت القوم تحت السقيفة ..وقد غلبه الوجع اتركوه ...انه يهجر!!!! فغدونا للحزن مدينة ،ورقد في محاجرنا البكاء ،وحفر الدمع فينا اخاديد البلاء ..فمضى الدهر علينا يوما، ويوم علينا ، فكانت كربلاء . سلمى عبدالرضا

اخرى
منذ 4 أيام
8

شباب اليوم بين الدين والمجتمع

من الامور الشائعه مؤخراً في المجتمع وللأسف ، هي ظن فئة من الشباب بأن الدين ورجاله يخلون بنظام وتنظيم المجتمع .. !! وهناك اسباب ودوافع وراء ذلك .. منها إن بعض الشخصيات المحسوبه على الدين شوهوا صورة الدين بعدم التزامهم وتطبيقهم للدين الحق ، ولهثهم وراء الشهوات والماديات ، هذا من جهه ، ومن جهة اخرى هناك من ضيق وشدد على الشباب من ناحية الدين والالتزام به بطريقه متعصبه ، حتى بات منبوذا لديهم ومقيداً لحرياتهم ، واصبح الدين يوصف بالتعقيد والحرمان ، اضافة الى الغزو الفكري المؤثر على الشباب واستغلاله لهذه الامور لتوسيع الفجوه بين الشباب والدين ، حيث يقدمون لهم البرامج اللهويه والهابطه والفاسده بأسم الحريه والديمقراطيه على طبق من ذهب مجاناً ، وايضاً ترسيخ مفهوم ان الدين له قيود زمانيه ومكانيه ، وإن نشاطاته تقتصر على المناسبات الدينيه ، او في اماكن معينه كالمساجد ، وان اكثر من يميل اليه كبار السن ، او انه يخص الحياة الاخره ، ولايناسب الشباب وميولهم ورغباتهم الدنيويه ، وايضا قلة التوعيه والمعرفه للدين وتعاليمه من قبل هذه الشريحه المهمه في المجتمع ، ادت الى خلط الامور ونسب كل منقصة او مفسدة من النواحي السياسيه والاداريه والاجتماعيه الى الدين ، مع الترويج لهذه الامور من قبل اصحاب المبادئ المنحرفه والمصالح الفاسده ؛ لأبعاد الشباب عن التفقه في الدين ومعرفة تعاليمه ، بما يتعارض مع مصالحهم الدنيويه والماديه . وسبب آخر هو عدم وجود احتضان ديني لفئة الشباب على ماهم عليه من افكار ومعتقدات لغرض تعليمهم وتوعيتهم وتثقيفهم ؛ لأن الاسلام دين السلام والسماحه ، فبدل زجرهم وانتقادهم بما يؤدي الى نفورهم ، يأخذوا بأيديهم وينصحونهم ليكونوا لهم الملاذ الآمن والمنقذ ، لما يحيط بهم من مغريات وفتن وهجمات مظلة فكرياً وعقائديا واخلاقياً ؛ لان الدين الاسلامي دستور متكامل للحياة الافضل في جميع الازمنه وبمختلف الظروف والاوضاع ، وفيه حلول لجميع مشاكل المجتمع اذا ما طبق بالشكل الصحيح وبالاساليب الناجحه المؤثره لتقويم اعوجاج المجتمع واصلاح افراده . ام حيدر الموسوي

اخرى
منذ 5 أيام
9

ندبه بين الخجل والوجل

بندبتك يا منتهى السبل يمتزج الالم بالأمل والانين بالحنين ياشفاء للعلل وياحياة للمقل يارحمة منذ الأزل اترانا نراك قبل أن يوافينا الأجل اتجضيب دعوة عبد يناديك خافتا بصوته من ذنوبه خجل .. مولاي العجل لايجد من دونك بدل ومنك يستمد النور والامل متى ياوعد الله تبسط في البلاد القسط والعدل وتزيل الظلم والجور والفساد والجهل وعلى كلمة الحق والايمان توحد الملل ام حيدر الموسوي

اخرى
منذ 5 أيام
9

مناجاة من سطور

مناجاة من سطور مجنونة انا وما همني ولاهم لي غيرك ابدا طلبتك في كل شيء ولم اجد حولي سواك احدا بعتك وجودي كله بل انت وجودي ان اردت وان لم ترد لاشيء وجدا مجنونة انا فلا انس لي ولا عمر لي ولا روح لي فانت ..انت .. ومن دونك لاشيء غدا الهي .. ان لم تقبل عذرا من تائها فاين يلجأ من لبابك لجا طرقت ابواب الخلائق كلها لم اجد غير بابك لي بدا الهي .. ان لم تكن لمن ضل دليلا ومن فقدك ما الذي وجدا؟ الهي ... من ذا الذي ذاق حلاوة حبك فرام منك بدلا؟ سلمى عبدالرضا

اخرى
منذ أسبوع
14

الحج في زمن الكورونا

الحج في زمن الكورونا اعدت ترتيب حقائبي اكثر من مرة للسفر الى الحج ،انها رحلة الى الله فليس من السهل علي ان احزم جميع امتعتي، فربما نسيت شيئا ،واخيرا رن جرس هاتفي ،ليبلغني متعهد القافلة ان موعد سفري ليلة الجمعة . لم تغمض عيني لحظة مذ عرفت الموعد. ها قد حلقت بنا المركبة لتقترب من الشمس .بعد ان ربطنا جميعا الاحزمة. ولكن فجأت ارتفع صوت قائد المركبة .لقد اغلقت جميع المطارات مدارجها، وسدت جميع البلدان مداخلها، اجتاح الكرة الارضية كائن صغير ،لاتستطيع العين رؤيته ، هو كائن لاحياة فيه ،لكنه ارعب الجميع ،ادى الى موت الكثير من الناس بعد ما ارقدهم المستشفى .استغربت كثيرا ،فكيف بكائن لاحياة فيه يسلب الحياة ! اليس الحياة تعني ماله فعل وادراك ؟ فكيف بمن لافعل له ان يفعل كل هذا؟ وكيف بمن لايدرك الاشياء ان يدرك مواقع تاثيره ليكون له كل هذا التاثير؟ تصفحت كتب علماء الاحياء المخزونة في هاتفي ،فوجدت انهم يصنفون هذا النوع من الكائنات بالفايروسات ،حلقة الوصل بين الكائنات الحية وغير الحية ،فهي خارج الجسم مواد لاحياة فيها، وداخل الجسم كائنات حية. وان الكائن الحي هو من له صفات الحياة من حركة ونمو وتكاثر ،فتبقى اسئلة معلقة في ذهني كتعلقي في المركبة هل تحولت هذه الفايروسات الى كائنات حية لتستغل كل وجود الانسان وتتكاثر وتدمر وتنتشر بهذه السرعة؟ ،فهل هي كانت ميتة حقا؟ استمر قائد المركبة بالبحث عن ارض تفتح لنا ابوابها للهبوط بسلام ،ولكن دون جدوى ،فقد منع الحج والعمرة ،واغلقت ابواب الاضرحة و المساجد والحسينيات .وتعطلت المدارس والجامعات.،لمنع انتشار الكائن الميت.بدا اليأس يتخلل الى اعماق الركاب والتعب الممزوج بالخوف يفرض هيمنته في النفوس ، واخذ قسم من الركاب بالصراخ ،واستسلم قسم اخر للنهاية ولجأ قسم منهم الى الدعاء والتضرع الى الله ،وهم في ماهم فيه، ارتفع صوت قائد المركبة ،وجدت الطريق .وجدته، سوف نهبط بسلام،تزاحم الجميع قرب شبابيك المركبة ليشاهدوا الطريق الذي تم فتحه، واي ارض تخالف قواعد العلم حتى تجازف بدخولنا .وماكان الا لحظات حتى بدا الطريق يتضح شيئا فشيئا ،فقد بدا كانه خط اسود ممتد على طول اقل من ربع الكرة الارضية بقليل وكلما هبطت المركبة اتضحت الرؤيا ،حتى بانت جيدا،،لقد امتلا الطريق بنساء ورجال شيوخا واطفال،ملبين النداء ، رجالا وركبانا يسيرون باتجاه واحد لهم وجهة واحدة كانها قبلتهم ،يطعمون الطعام على طول الطريق لايثنيهم عن السير حر ولابرد ولا ليل ولا نهار، ولا شيطان ليرجموه ،يحملون بعضهم البعض،كانهم ملائكة خصهم الله لهذا المكان وفي هذا الزمان ،يطوفون حول ضريحهم المقدس ،صلاتهم في الخيام ،يسعون بين المقامين ،عندها صرخ كل من في المركبة ، يا الله اليوم هو يوم الاربعين انها ارض كربلاء ،انه طريق الحسين . وهذا هو حج الحسين. فغيروا معنى الحياة ياعلماء الحياة! سلمى عبدالرضا عباس

اخرى
منذ أسبوع
16

شمس فوق الاعواد

شمس فوق الاعواد الشعاع الثاني نزل من منبره وقد انفرطت سلاسل قيوده التي تحولت الى سلاسل ذهبية بعد ان احتضنت جسده الطاهر  .. فقد حاول طاغية عصره احكام حلقاتها ، متصورا انه قادرا على تقييد العقيدة .وسبي الدين ..ولطم الايمان..وهتك العفة.. بدات تنتشر حلقات قيوده الى كل روح مست شغاف قلبه لتعبر الزمان والتاريخ وقوانين المنطق وقواعد الفلسفة والعقل   ..سار عبر الزمن،فتسارعت الطرقات امامه، ليصل يوم الاربعين موكبه مع بنات الرسالة ،تظله سماء بلون الليل، تحمل غيوم الدماء، تسيرها رياح النبوة، اينماحلت..لتمطر  الحزن  على البلد الطيب ،ليخرج نباته بأذن ربه ، كل القراب مذبوحة تفترش الطرقات ،فقد اراقت مائها خجلا، منذ ان منع عن خيامهم الماء ، يتقدم بخطى ثقيلة تحمل فوقها رؤؤس مقطوعة ، واطفال مرعوبة ،ونساء ثكلى، اعترض طريقه صوت طفلين بثياب سوداء،رسم اليتم لوحته على محياهما ،يقفان امام خيمة صغيرة ،متوشحة بالفقر،وعليها صورة رجل كانما  تجسدت على جبينه صلاة الخاشعين،ومن ثغره تنفست مناجاة الراغبين ، حاملين التمر واللبن ،(تفضل يازائر) ،  مد يده لاخذ واحده ، وقال، - لمن هذه الصورة  -ابي الشهيد ،استشهد اثناء تحرير الموصل   اسرعت طفله صغيرة تبلغ من العمر ثلاث سنوات حاملة قدحا من الماءاليه ،سلب العوز والفقر والحرمان اقراطها، وترك اذنيها تنزفان دما منذ استشهاد والدها ،نظر صوب الفرات معاتبا ،امازلت تلملم جرفك عن العطاشى، وتتلثم مبتعدا عنهم  ،اما زلت يافرات تابى ان تهدر ماءك للمحتاجين ،منذ ان ارقت ماء وجهك للحسين عليه السلام . يا اهل العالم ان ابي الحسين عليه السلام ،خرج لطلب الاصلاح في امة جده، فهل ترك الايتام للحرمان اصلاحا للدين ،فأين الاصلاح الذي قتل من اجله الحسين عليه السلام؟ سلمى عبدالرضا

اخرى
منذ أسبوع
17

تائهةٌ في وطن الحسين

مضى زمنُ المعجزاتِ،  وقدْ أسدلَ العقلُ ستارهُ عليها؛ ولكنّها كربلاء تلكَ الأرضُ التي أعادتْ عصرَ المعجزاتِ. كيفَ لا! فلقدْ حقَّ لها ذلك ، فالحسينُ (عليه السلام) فيها ، فكانتْ أُولى المعاجزِ في زمنٍ ما عادَ يؤمنُ أكثرُهمْ بالمعجزاتِ ، إنَّ الحسينَ وطنُ الجميعِ . وكغيري مِنْ العاشقين جئتُ قاصدةً زيارةً الحسينِ في الأربعين ، غريبةٌ عَنْ كربلاءَ، وجاءَ بيَ الشوقُ والعشقُ مِنْ إيران لزيارةِ الحسين(عليه السلام) في ذكرى الأربعين. أسمعُ كثيراً عَنْ العراقِ وأهلَ العراقِ؛ ولكنْ لمْ أرَ شيئاً حتّى حللتُ بها ،فطيلةُ إقامتي في كربلاء ، رأيتُ العُجبَ ، أبوابٌ مشرعةٌ للجميعِ وكأنَّهم أسقطوا أسوارَ المنازلِ وجعلوا أرضَ كربلاء ساحةً مفتوحةً للجميعِ ، نتصرفُ على هوانا،وكيفَ نشاء. مرّتْ أيامٌ وأنا أزورُ ضريحَ الحسينِ وأخيهِ ابي الفضلِ (عليهما السلام ) وأعودُ لمحلِّ إقامتي الذي تعددَ ،فلمْ أكنْ اتخذُ محلاً واحداً، كما أخبرتُكمْ لمْ أشعرْ بوجودِ أسواراً،  فأينما ما رغبتُ بالاستراحةِ ،وجدتُ مَن يقول لي: - تفضلْ يا زائر ، اهلاً بضيوف الحسين(عليه السلام) وصوتُ مسجّل المذياعِ  يعلو بقصائدٍ تصدحُ بالترحابِ لزوارِ الحسين (عليه السلام) مِنْ فرقٍ بين قوميّةٍ وأخرى. لمْ أكنْ بمفردي، فلقدْ كانتْ معي أخواتي ووالدتي الكبيرةُ في السنِّ ، والتي لا تجيدُ اللغةَ العربيةَ إطلاقاً ، وكثيرةُ النسيانِ، فكنتُ أمسكُ بيدها وأسيرُ معها بخطواتٍ هادئةٍ؛ لكي تتمكّنُ مِنَ الزيارةِ . مضتْ أيامٌ،  وقربتُ أيامُ الأربعين ، وعددُ الزائرين في تزايدٍ عجيبٍ ، لدرجةِ إنّي أنذهلُ وأتساءلُ كيفَ يُمكنُ توفيرَ الطعامِ والشرابِ لكلِّ هذهِ الجموعِ؟ ! وكأنَّ أهلَ العراقِ مِنْ كافةِ المحافظاتِ قدْ أسقطوا الجوعَ والعطشَ مِنْ قاموسِ كربلاء ، فالطعامُ والشرابُ مجاناً ، وفي كلِّ مكانٍ ، بلْ إنّكَ تجدُ مَنْ يأخذُكَ مِنْ يديكَ،ويتوسّلُكَ حتّى تأكلُ مِنْ طعامهِ. كرمٌ وضيافةٌ عجيبةْ. كنتُ اتصورُ إنّي ساتخذُ مِنُ الليلِ فرصةً لزيارةِ الحسين(عليه السلام) باعتقادِ إنَّ الليلَ أهدأ لأأخذَ والدتي معي حتّى تحظى بالزيارةِ هيَ الأخرى ، ولكنْ يبدو إنّني واهمةٌ. فلقدْ أقامَ الليلُ موكباً لخدمةِ ضيوفَ الحسين(عليه السلام) ليكونَ سباتهُ معاشاً. ولكنْ لا مِنْ سبيلٍ ، فلابدَّ أنْ أأخذَ والدتي للزيارةِ ومعي اخواتي  ، ووسطُ جموعِ الزائرين وذلكَ الزحامُ العجيب ، وإذا بنا نفقد والدتي. نظرنا يميناً وشمالاً وسطَ انذهالنا وصرخاتنا بلغتنا الفارسية التي جذبتْ الكثيرُ مِنْ أصحابِ المواكبِ مِنٌ حولنا، ليستفهموا منّا عمّا جرى ، وبعدَ أنْ فهموا منّا إنّا أضعنا والدتنا وإذا بصوتِ أحدهم - الحسينُ وطنٌ ، ولا يضيعْ في وطنِ الحسينِ أحدٌ. رغمَ رسالةَ الاطمئنانِ التي كانتْ تنبعثُ رائحتها مِنْ كلامهِ ،لمْ تتمالكني دموعي، وكذلكَ اخواتي،  فشعورُ الاغترابِ قاتلٌ ، ومعَ الفقدِ يزدادُ الألمَ ،فتذكّرتُ مولاتي زينب (عليها السلام) ، التي لمْ تجدْ سوى رسائلَ الشماتةِ ممّنْ حولها بعدَ مقتلِ إخوتها. تُرى أيُّ شعورٍ ذلكَ الذي كانتْ تشعرُ بهِ مولاتنا زينب؟ وأيُّ ألمٍ انتابها؟ آه يا زينب ساعديني مولاتي ثمَّ خجلتّ مِنْ سؤالي لها - فقلتُ : سيّدتي سامحيني جئتُ أواسيكي،  وإذا بي أطلبُ منكِ البحث معي أيُّ قساوةٍ أحملٌ أنا ؟! ألمْ يكفِ ما أصابَها وأنا أُضيفُ إلى جِراحِها جُرحي أيضاً؟ آه يا زينب وسطَ عويلي وتأوّهي وبكائي الذي اختلطَ بينَ حزني على مولاتي وحزني على والدتي . وإذاْ بذلكَ الرجلَ صاحبُ رسالةَ الاطمئنانِ، وقدْ كانَ يجيدُ بعضَ الكلماتِ الفارسيةِ ويقولُ : - أختي (باللغة الفارسية ) ، تفضّلوا في بيتنا المتواضع ، وإنْ شاءَ الله ستجدينَ والدتكِ عنْ قريبٍ ، فما إنْ يقلُّ الزحامُ ستجدينها فلا أظنُّ إنّها بعيدةٌ عنْ هذا المكان. ما كانَ مِنْ سبيلٍ سوى تنفيذُ ما قالهُ الرجلُ ، فالزحامُ الشديدِ لمْ يتركْ لنا فرصةً للبحثِ ، دخلنا بيتَ ذلكَ الكريم ،وإذا ببيتهِ مليءٌ بالزائراتِ وكإنّهُ تنازلَ هوَ وعائلتهُ عنْ منزلهِ للزوارِ. ولكنْ بكائنا أنا واخواتي لمْ ينقطعْ ،لدرجةِ لفتَ انتباهَ الجميعُ،  وفي هذهِ الاثناء اقتربتْ إحدى الزائراتُ العراقياتُ وهيَ كبيرةٌ في السنِّ عليها سيماءُ الصالحات ،وكإنّها مبعوثُ الحسينِ (عليه السلام) إلينا لتسألنا - ما خطبكُمْ ، ولمَ هذا البكاء؟ - فأجبتها بلغتي العربيةِ الركيكة ، لقدْ فقدنا والدتنا في الزحامِ الشديدِ ، ونحنُ أغرابٌ وليسَ لدينا أحدٌ هنا كيفَ نعودُ لإيران مِنْ دونِ والدتي ؟ فلقدْ جئنا بها وهيَ كبيرةٌ في السنِّ وكثيرةُ النسيانِ لتزورَ الإمام الحسين (عليه السلام) في الأربعين . - وإذا بها تقولٌ لنا ، سنقيمٌ بعدَ قليلٍ مجلساً حسينياً ، أخبروا خادمةَ الحسينِ بما جرى لكمْ، تعالوا معي لقدْ جاءتْ ذهبنا برفقتها معَ بكاءنا المستمرُ لتجلسنا إلى جانبِ خادمةِ الحسين (عليه السلام) وتقولُ لنا : -أخبروها بما أخبرتموني ففعلنا ذلكَ ، وإذا بخادمةِ الحسين (عليه السلام) ، تقولُ: - لا عليكما ، ستجدونها إنْ شاءَ الله ، إسمعوا منّي سوفَ اقرأ لمولاتي فاطمةُ الزهراء ومولاتي أم البنين (عليهما السلام) ، فهما صاحبتا العزاء ومَنْ يستجيرُ بهما ويتوسّلهما بالحسينِ والعباسِ (عليهما السلام) لا يردّانِ طلبهم،  فاستجيروا بها ، وإنْ شاءَ اللهُ خيرٌ. قلتُ في نفسي، لمْ ينتهِ زمنَ المعجزاتِ، لأطرقَ بابَ مولاتي ، أتوسّلُهمْ بحقِّ الحسينِ ومصابهِ وغربتهِ ونحنُ غرباءٌ أيضاً أنْ تستجيبا لنا ونجدُ والدتنا . بدأَ المجلسُ ، وعلا صوتُ البكاءِ ما إنْ ذُكرتْ فاطمةُ الزهراءِ (عليها السلام) وأمِّ البنين ، وجميعُ النساءِ قدْ وضعنَ العباءةَ على رؤوسهنَ حياءاً مِنَ الزهراء وفعلنا مِثلهم ، وفي تلكَ اللحظات كنتُ أتخيلُ مولاتي الزهراء وكأنّي اقولُ لها - أيُرضيكِ أنْ يشمتَ بنا الأعداء؟ أيُرضيكِ أنْ تضيعَ أمّي عندَ زيارةِ عزيزُ قلبكِ الحسين ؟ أيُرضيكِ أنْ يقولوا لنا  لينفعكُم الحسين ها قدْ فقدتُمْ والدتكم؟ أيُرضيكِ أنْ تعودَ مأساةَ ابنتكِ زينب في فقدها الأعزة ؟ وما زلتُ مستمرةً بقول أيرضيكِ .......في ظلِّ بكاءٍ وعويل عالٍ جداً والعباءة على رأسي،  حتّى انهتْ الخادمة مجلسها الخاص بالنعي ،ورفعَ الجميعُ رأسهُ ، وبينما أرفعٌ عباءتي مِنْ على رأسي وإذا بي أرى أمّي تجلسُ بالجانبِ الآخر مِنَ المجلسِ فصرختُ بصوتٍ عالٍ - أمّي (باللغة الفارسية  ) فالتفتَ الجميعُ لي ، وقالتْ تلكَ العجوز - ماذا بكِ - فقلتُ لها ، تلكَ الجالسةُ في الجانبِ الآخر أمّي - فعلى صوتُ خادمةِ الحسين اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وهي تنادي - كيفَ لمنْ يتوسلُ بسيدةِ النساء وبأمّ البنين أنّ يتصورَ عدمُ الإجابة ؟! وإذا بتلكَ العجوز تقولُ - ألمْ أقلْ لكما ستجدونها،  الحمدُ للهِ على كلِّ حال. إنتهى المجلسُ وخرجنا مِنْ ذلكَ المنزلِ ونحنُ برفقةِ والدتي بعدَ أنْ دخلنا مِنْ دونها وإذا بالرجلِ صاحبِ المنزلِ يقولُ لنا : - لماذا خرجتُمْ ؟ ومَنْ هذهِ المرأة التي معكم ؟ - فقلتٌ لهُ : هذهِ أمّي ، وسردتُ له ما جرى داخلَ منزلهِ وإذا بابتسامتهُ التي اختلطتْ بالبكاء وهو يقولُ: - اللهم صل على محمد وآل محمد ألمْ اقلْ لكما ؟ الحسينُ وطنٌ ، ولا يضيعْ أحدٌ في وطنِ الحسين عدتُ إلى إيران ، وأنا أحدّثُ الناسَ عن وطنٍ اسمهُ الحسين ، يسكنهُ الكرماء مِنْ العراقيين، ويزورهُ الناسَ مِنْ كلِّ البلادِ ، لا يتيهُ فيهِ أحدٌ.

اخرى
منذ أسبوع
18

اهمية المواظبه على زيارة الاربعين

خص الامام الحسين عليه السلام بخصائص ومزايا عديده لعظم المكانه التى احتلها عند الله تعالى والدرجات التي نالها بتضحيته وعطائه وصبره وفدائه لحفظ دين الإسلام والشريعة السمحاء ، ومن بينها زياراته ، ومن الملاحظ ان ايام السنة تستوعبها زيارت الحسين ع ، في جميع المناسبات الدينيه المفرحه والمحزنه ، مع تأكيد الأحاديث والروايات على فضل زيارته ، وذكر ثوابها العظيم ترغيباً بها وحثاً عليها ، ومن جملة ماذكر : عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: من زار الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان غفر الله له ما تقدم من ذنوبه وما تأخر، ومن زاره يوم عرفة كتب الله له ثواب ألف حجة متقبلة وألف عمرة مبرورة، ومن زاره يوم عاشورا فكأنما زار الله فوق عرشه (1). عن علي بن الحسين قالا: من أحب أن يصافحه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر قبر أبي عبد الله عليه السلام الحسين بن علي عليهما السلام في النصف من شعبان، فان أرواح النبيين عليهم السلام يستأذنون الله في زيارته فيؤذن لهم، منهم خمسة أولو العزم من الرسل . (2) مع إن كل الزيارات هي عمل ايماني ، الا ان لزيارة الاربعين خصوصيه وأهميه فقد عدت من علائم الايمان ، التي على المؤمن ان يتوسم بها ويواظب عليها ، وذلك لما لها من التأثير والأنفعال العاطفي في قلب الانسان ، وتهييجاً لمشاعره وأحزانه لديمومة الحرارة والحرقة في قلوب المؤمنين حزناً لمصاب سيد الشهداء ، وفيها تجسيد لموالاة اهل البيت عليهم السلام ، بأن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم ؛ لأنها من قلب الواقعه للمواقف والحوادث المفجعه لآلام ومآسي وأحزان آل النبى الكرام ، وهي ذكرى لمصيبة رد الرؤوس الى الاجساد في كربلاء بصحبة العقيلة زينب والامام السجاد (عليهم السلام) وقد اولى الائمه المعصومين عليهم السلام لهذه الشعيره المقدسه ( زيارة الاربعين ) عنايه فائقه واهميه خاصه ، روي عن أبي محمّد العسكري (ع)، أنّه قال: (علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم).(3) وعدت الزياره الاربعينيه من علامات المؤمن ؛ لانها ليست مجرد عمل عبادي للثواب فقط ، وانما هي اجواء ممتلئه بالدروس والعبر والوعظ والمعرفه والتغيير والاصلاح والبذل والكرم والتضحيه ، تتجدد في كل عام ، ولها الأثر الواضح لبقاء النهضه الحسينيه في النفوس والضمائر ، وترسيخ القيم والمبادئ في الاجيال بعد الاجيال ، ولهذا حوربت ومنعت من قبل الظالمين على مر السنين والقرون ، فمارسوا مع عشاق هذه الزياره القتل والتعذيب والتشريد وقطع الايدي والارجل ، لانها الشراره التي تنطلق منها شعار هيهات منا الذله ، لذا كانت ومازالت نوراً يتوقد في النفوس ، ويوقظ الضمائر من غفلتها ، ،وينطق الالسن من صمتها ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقوة رهيبه لرفض الذل ومواجهه الظالمين ، وقد حيرت العقول والالباب بشتى الصور والمواقف من قبل الخدم والزوار حيث يتوافد اليها الملايين من الزوار من مختلف بقاع العالم حباً وشوقاً لأبي الاحرار ، والخدم يسطرون اروع المواقف للضيافه من الخدمة والاطعام والبذل والعطاء ، فترى الفقير يطعم الغني ، والكبير يتواضع للصغير مقتدين بآل بيت النبي الذين ذكرهم الله ( تعالى) : ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ) الانسان آيه (9) . ~ (١) كامل الزيارات ص ١٨٢. (٢) كامل الزيارات ص ١٧٩ (3) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٨ - الصفحة ٣٢٩ ام حيدر الموسوي

اخرى
منذ أسبوعين
22

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
132581

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
123083

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
79694

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
73239

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
69056

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
58074