يفرحُ ويبتهجُ

يفرحُ ويبتهجُ فريقُ كرةِ القدمِ بأكملِه إذا سجّلَ هدفًا أحدُ لاعبيه؛ لأنّهم يلعبون بروحِ الفريقِ الواحد وأسمى هدفٍ للآمرِ بالمعروفِ والناهي عن المنكر هو: إصلاحُ الأمّة فهل تشعرُ بانشراحِ القلبِ وبهجةِ الفوزِ إذا تحقّقَ الهدفُ على يدِ غيرِك؟!

اخرى
منذ 20 دقيقة
13

ماذا لو؟(26)

التقصيرُ في التعقيبات بقلم: وفاء لدماء الشهداء ماذا لو سألكَ الإمامُ (عجّل الله فرجه): لماذا تقومُ بعدَ صلاتِك أسرع من نبلةٍ عن قوسِها؟! هل سبّحتَ تسبيحَ الزهراء (عليها السلام) عقبَ صلاتِك؟ ....................... لحظاتٌ ميمونةٌ يلتفتُ إليها الأذكياء، ويغتنمُ بركاتِها السُعداء، ويُحرَمُ خيرها الغافلون المُعرضون عن التزوِّدِ من فيضِ العطاء، للعلا قائدة، وللاستزادةِ من كُلِّ خيرٍ وكمالٍ هاديةٌ راشدة، لا تُطيقُ استثمارَها إلا الأرواحُ العابدة، التي تطمحُ في رضوانِ اللهِ (تعالى) وإلى رحابِه مهما كانتِ الظروفُ تبقى مُنشدّةً عائدة، تعمِّرُ هذه اللحظاتِ بمُستحبّاتٍ مؤكّدة، نصَّ عليها أئمتُنا الطيبون الطاهرون (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وأكّدوا لنا أنّها قوتُ الأنفُسِ التوّاقةُ للعروجِ والقُربِ من ربِّ العالمين... إنّها لحظاتُ ما بعدَ الصلاة، وما يُسمّى عندَنا بوقتِ التعقيبات. دقائقُ معدوداتٌ نجلسُ فيها عقبَ الصلاة؛ لنُعبِّرَ عن فقرِنا ونقصِنا وحاجتِنا لربِّ الأرضِ والسماوات، ونشكره إذ فتحَ لنا أبوابَ الدعاء والمُناجاة، وبسطَ الإجابةَ لمن أمَّ ساحتَه الفيّاضةَ بالعطايا والهبات، وقد وعدَ اللهُ (تعالى) بإجابةِ الدعواتِ في هذه الأوقات، رويَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من أدّى لله تعالى مكتوبة فله في أثرِها دعوةٌ مستجابة"(1). فهل يُعقلُ أنْ نهملَ هذا العرضَ الأمثل، ولا نُسارع لنكونَ في الصفِّ الأول، فنمدّ يدَ السؤالِ للواهبِ (عز وجل)؟! ثم ألا تُعدُّ سُرعتُنا في صلاتِنا، والتعجيلُ في قيامِنا من مِحرابِنا بعدَ تمامِ فريضتِنا، نوعًا من الإعراضِ والاستغناء، وكأنّه ليس الغني المُقتدر وكأنّنا لسنا الفقراءَ الضعفاء؟! رويَ عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا فرغَ العبدُ من الصَّلاةِ ولم يسألِ اللهَ حاجتَه، يقولُ اللهُ (تعالى) لملائكته: انظروا إلى عبدي فقد أدّى فريضتي ولم يسألْ حاجتَه منّي، كأنّه قد استغنى عنّي، خذوا صلاتَه فاضربوا بها وجهَه"(2). تُرى ما الذي يُمكنُنا فعلُه في تلك الثواني والدقائق، حتى أسرعنا في القيامِ من مِحرابِ عبادتِنا وجعلنا بيننا وبين عطاياه ألفَ حاجبٍ وعائق؟! لا شيء والله، وإنّه لمن سوءِ التدبير وقِلّةِ التفكير في العواقب... فتعالوا نُعاهد المولى (عز وجل) أنْ نبدأ رحلةً جديدةً نحو رياضِ قُدرتِه، نخرجُ فيها من حولِنا وقوتِنا إلى حولِه وقوتِه، ونطرقُ فيها أبوابَ عِزّهِ وسلطنتِه، نسألُه سؤالَ المُفتقرين إلى ألطافِ رحمتِه، ونتلو بحُبٍّ وخشوعٍ ما أرشدنا إليه ساداتُ بريته، من جميلِ الأذكارِ والمُستحبات، الموجبة للسعادةِ والخيرات، والأرزاقِ والبركات، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): "التَّعقيبُ بعدَ الصَّلاة، أبلغُ في طلبِ الرزقِ من الضربِ في البلاد"(3). ولا بُدّ أنْ نعلمَ أنّ من أفضلِ المُستحباتِ في تعقيبِ الصلواتِ: تسبيحَ الزهراء (عليها أجمل السلام وأزكى الثناء والتحيات)، قال أبو عبد الله (عليه السّلام): «مَنْ سَبَّحَ تَسْبِيحَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْه مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ غَفَرَ اللهُ لَه...»(4) . تسبيحٌ لا يأخذُ من الوقتِ إلا بضعَ ثوان، يُعادِلُ القيامَ به ألفَ ركعةٍ بل هو أحبُّ من غيرِه إلى الربِّ المنّان، وإلى هذا يُشيرُ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) فيقول: "تسبيحُ فاطمةَ (عليها السلام) في كُلِّ يومٍ في دُبرِ كُلّ صلاةٍ أحبُّ إليّ من صلاةِ ألف ركعةٍ في كُلِّ يوم"(5) ولا شكَّ أنّ المرادَ منّا ليس ترديدَه فحسب، بل التأمُّل في مضامينه، والعيش مع حروفه، والانفتاح على اللهِ (تعالى) من خلالِه، فيشتركُ هُنا القلبُ والعقلُ واللسان، للتأمُّلِ في عطاءِ الملكِ الديّان، لسيّدةِ النساءِ على مرِّ العصورِ والأزمان، ثم نتخذ من التأمُّلِ فيه وسيلةً للوفودِ على الرحمن، وسبيلًا لزيادةِ الإيمانِ وسلوكِ طريقِ التوحيدِ الحقيقي الموجبِ للسعادةِ والاطمئنان. فعندما نُكبِّرُ اللهَ (جل وعلا) فإنّما نُقِرُّ ونعترفُ بأنّه أكبرُ وأجلُّ من أنْ يوصف، فتتهاوى أمامَنا كُلُّ المخاوف، فإنّما نحنُ به نستعين، وهو القويُّ المتينُ (تبارك وتعالى) ربُّ العالمين. وعندما نقولُ: (الحمدُ لله)، فإنّما نحمدُه على ألطافِه ونعمِه، ونُقِرُّ بذلك أنّه الواهبُ المُنعم، الذي لا يزالُ يُتابعُ علينا إحسانَه ويغمرنا بكثير النعم، وكُلّ الحمدِ والثناء عاجزٌ عن أداءِ حقِّه والوفاءِ له والقيامِ بحقيقةِ شُكرِه. وعندما نقولُ: (سُبحانَ اللهِ)، فإنّنا نُنزهُه عن كُلِّ قبيحٍ ومذموم، ونُعظِّمُه فهو الربُّ الحيّ القيوم، الذي حارتْ فيه العقول والأفهام، وقصُرَتْ عن إدراكِ كُنهِه الأفكارُ والأوهام، سبحانه سبحانه تبارك وتعالى، هو الملكُ العلّام ذو الجلالِ والإكرامِ والفضلِ والإنعام. ومع تكرارِ هذا التسبيحِ بعدَ كُلِّ صلاةٍ والتأمُّلِ فيه، وتحريكِ القلبِ لتلامسَ شغافه دقيقُ معانيه، حينَها سينقلبُ الحال، وتذوبُ الروحُ في محضرِ الجمالِ والجلال، فتتعلّقُ باللهِ (تعالى) وتسعى للتزوّدِ من الفضلِ والكمال، فتنتهي إلى خيرِ نهايةٍ وتنقلب إلى أروعِ مآل. ولا شكَّ أنّ في ذلك سرورَ إمامِ العصرِ (سلام الله عليه)، خاصة إذا اتبعنا تسبيحَ جدّته بالدُعاءِ له بحقِّه عليها وحقّها عليه، وسألنا اللهَ (تعالى) بما لهما عندَه تعجيلَ فرجِ ولدِها وتيسيرِ ظهورِه؛ لإعلاءِ رايةِ الحقّ في أرضِه، ونشرِ العدلِ بينَ بريتِه، ورفعِ لواءِ (لا إله إلا الله) فوقَ كُلِّ أصقاعِ مملكتِه، التي ستُشرِقُ بأنوارِه، وتستضيءُ بهديه، ويُجتثُّ فيها الظلمُ والظالمون، ويُكتبُ فيها العزُّ للمُستضعفين المؤمنين، وتتعطّرُ أرجاؤها بضياءِ الحقِّ المُبين، ولو بعدَ حين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أمالي الطوسي ١: ٢٩٥ ، نقلًا عن: وسائل الشيعة، ج6، ص431 (2) بحار الأنوار، ج85، ص325 (3) عوالي اللئالي، ج1، ص332 (4) الكافي، ج3، ص342، ح6 (5) الكافي، ج3، ص343، ح15

اخرى
منذ 6 ساعات
27

هاجِسُ فتاة

بقلم: والفجر عَجِبتُ يَومًا حِينَمَا دَلفتْ عَليَّ فتاةٌ تَشكُو لي مُعضِلَةً ألَمَّتْ بِها، وَفاجَأتني أكثَر حِينما أفصَحَتْ عَمّا في مكنونِ فؤادِها، وطَيَّاتِ خُلدِها واسترسَلتْ تَقولُ: - إنَّ الإسلامَ مُجحِفٌ جائِرٌ عَلى المرَأة، وَإنَّ أبسَطَ صُورِ ذلك تَقدُّمُ الرَجلِ عَلى المرَأة في إبانِ الصَلاة! بَعدَ تَهوينٍ وتسكين، وبعدَ أنْ خَبتْ أنفاسُها، وسكنتْ نَزوَةُ الشَيطانِ في فؤادِها وَضّحتُ لَها: - أنَّ تَقدُّمَ الرَجلِ عَلى المرَأةِ في الصَلاة لا لانتِقاصِ المرأةِ وَاحتِقْارِها، بَل لِحِفظِ حقوقِ الجِنسَين الرَجل والمَرأة. سألتني وقد ارتسمت الحيرَةُ على في صَفحاتِ وَجهِها وَكدّرَتْ صفوَةَ ثِقتِها التي ابتدرتِ المَوضوع فيها: - كَيف؟ أجبتُها بِبَسمَةٍ عريضةٍ خَططتُها عَلى وَجنَتيّ، وَأجّجَتُ بِها وَهجَ النُورِ في عَينيّ: - يا حَبيبة، إنّ المرأةَ في فِطرتِها جميلةٌ فاتِنٌ حَسناء، تَجذُبُ الناظِر، وَتُعجِبُ العابِر... ثم همستُ لَها: - لَو تَقدَّمتِ النِساءُ عَلى الرِجال في الصَلاة لَنَزحوا عَن الصلاةِ وَجلسوا يتأمّلونَ النساءَ وَهُنَّ يَنحنينَ رُكوعًا وَسُجودًا! أ هَذا من الصواب؟ لَمحتُها وَقد بَدأتْ تَنشدُّ لِمَسالِكِ الحَديثِ قَلِيلًا، فَأكمَلتُ: - وَفي هَذا سَلبٌ لِحقِّ المرأةِ في صيانَةِ جسمِها من أعيُنِ الرِجال الذينَ يَفترِسُونها نَظرًا من خلفِها، وسلبًا لطُمأنينتِها وَراحَتِها.. ومن ناحيَةٍ أُخرَى، في هَذا سَلبٌ لحقوقِ الرجلِ أيضًا! زَوتِ الفتاةُ ما بَينَ عَينَيها عُبوسًا ثم قالتْ: - كَيف؟! أجبتُ: - الرجلُ في فِطرته يَنجذبُ للمرأة، فَهذه غَريزَةٌ أودعَها ﷲُ (تعالى) في تركيبةِ كُلّ رجلٍ؛ لكي يَمتازَ الصالحُ مِنَ الطالح. وَنرى العديدَ من الشُبَّان يُكابدون شَهواتِهم ويغضّون أبصارَهم بِجهدٍ جهيدٍ لكيلا يَقعوا في مَعصيةٍ وقارعةٍ يَذهبُ بها بَهاؤهم.. فَهل من العدلِ أنْ تَزيدي عَليهم من حِدَةِ الامتحان؛ بأنْ تتزيّني وَتتعطّري وَتتقدّمي عليهم في الصلاةِ، وتنحنينَ وَتسجدين أمامهم؟ إلا يَزيدُ هَذا من حِدَةِ الجُرفِ الذي قَد يَهوي به الكَثيرُ من الشُبَّان؟ أليسَ هَذا سلباً لحقوق الرَجل؟! فيا حَبيبة، إنَّ الإسلامَ يسعى جاهِدًا لِتَنالَ المرأةُ حَقَّها وَتكونَ في مَسرّةٍ وغبطَةٍ وابتهاجٍ.. وكُلُّ ما زَيّنَهُ الغربُ في عَينيكِ تحتَ عنوان (حُرية المرأة) فهو في حقيقته قبيح، فأعطى المرأةَ حَقَّ التَسابُقِ مَعَ الرجالِ في المَيادين، وأنْ تَعملَ في الأسواقِ وَالشَركاتِ كَرجلٍ في عَقدِه الخامس بَدلًا من أنْ تَقبعَ مُترفَةً مُنعّمَةً في دارِها، -ولا أقصدُ في كلامي توجيه الذمّ إلى المُدرِّساتِ وَالمُوظَفات،- وأعطى المرَأةَ إذنَ التَعرّي وَالتَكشُّفَ فأصابَ بِسِهامِ سُمومِه كرامتَها وَعفتها وَنقاوَتَها، فدنَّسَها وزيَّنَ لَها القَبيحُ الشائِن، وَقَبَّحَ لَها البَهيُ الأحسَن...

اخرى
منذ 13 ساعة
30

ماذا لو أخبرتُك أنّي لستُ بخير؟!

هل ستسقيني بقطرةٍ من بحرِ خيرك! هل ستقتطعُ جزءًا من سعادتِك وتُطفئُ بها جمرَ حزني! دعني أُخبِرْك الحقيقةَ، أنت لا يهمُّك إنْ كنتُ بخيرٍ أو لا.. لن تستطيعَ أنْ تمحوَ حزني ولن تستطيعَ تحقيقَ حُلُمي ولن تخُطَّ لي دربًا مُطرّزًا بالأمل...

اخرى
منذ يوم
70

مُجاهداتٌ

بقلم: حوراء الساعدي رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): جِهادُ المرأةِ حُسنُ التبعُل. لم يهب الله (تعالىٰ) المرأةَ لقبَ المُجاهدةِ عبثًا؛ فـحُسنُ التبَعُلِ يعني إرضاءَ الزوج، والحفاظَ على علاقةٍ طيّبةٍ مع أهله، وتحمُّلَ الكلامِ الجارحِ وردّه بإحسان، والقيامَ بعملِ المنزل والحمل والطلق وتعب الولادة، وسهرُ الليالي لأجلِ الطفلِ الجديد، وتعبَ التربية، كُلُّها أمورٌ أعطتْ للمرأةِ رتبةَ الجهادِ فهنيئًا للمُجاهداتِ الحافظاتِ، الطيّبات الطاهرات، المُناضلات، الحامداتِ غير المشتكيات هذا اللقب.

اخرى
منذ يوم
41

ماذا لو؟(25)

التقصير في العبادة ليلةَ الزفاف بقلم: وفاء لدماء الشهداء ماذا لو حانتْ ليلةُ زفافك المُنتظَرة وزُفّتْ لك عروسُك، ونسيتَ صلاتَك أنتَ وزوجتك ليلتَها، كيفَ ستُجيبُ الإمامَ (عجّل الله فرجه) عن فِعلك هذا؟ وكيف ستُعالجُ تقصيرَك هذا؟ ............................... يومٌ يختلفُ عن غيرِه من الأيام، يحفُّ به السرورُ ويغلبُ عليه الفرحُ والانسجام، تُبذَلُ فيه الجهودُ من الجميع باهتمام، وتبقى ذكراه عالقةً في الأذهان تغمرُ الأرواحَ بالبِشرِ والسلام، يُسمّى بيوم العمر؛ لأنّه لن يتكرّر على الدوام، إنّه يومُ الزفافِ الذي أرادَ مُباركته دينُ الإسلام. لا شكَّ أنّ لهذا اليومِ وقعاً خاصاً على نفسِ الزوجين، وصدى يبقى خالدًا في سجلِ ذكرياتِهما مهما امتدتْ بحياتِهما المُشتركة السنون، يسترجعانه فيبتسمان، ويتذكّران تفاصيلَه فيُسعدان، فهو اليومُ الفعلي الذي قُدِّرَ فيه الاجتماعُ لهما، فشكّلَ مُنعطفًا جديدًا في حياتهما، وبدايةً لنواةِ أسرتهما، فهنيئًا لمن كانتْ بداياتُه موفقة، وبضياءِ تعاليمِ الإسلامِ ووصايا الأطهارِ (عليهم السلام) مُشرقة. فأنْ نفرحَ ونبتهجَ ونجعلَ ذلك اليومَ يومَ سعدٍ وسرورٍ ليس في الأمرِ أيّ محذور، فدينُنا العظيمُ سهّلَ لنا سُبُلَ الفرحِ بهذا اليوم بشكلٍ صحيحٍ وسليم، فهو من دعا إلى الفرحِ والاحتفال، وإقامةِ الوليمةِ شكرًا للربِّ الكريم المتعال، وهو من سمحَ بفعل ما يُريده الناسُ شريطةَ أنْ لا يكونَ فيه معصيةٌ لله تعالى، توجبُ السخطَ الإلهي وتؤسسُ لبدايةِ حياةٍ زوجيةٍ يبتعدُ فيها كُلُّ منهما عن ربِّه ومولاه، ويبدأ حياتَه بعصيانِه وجرأتِه على من رزقَه وأعطاه. لا شكَّ أنَّ البداياتِ التي تؤسَّسُ على المعاصي والسيئات، لا يُتوقُّعُ منها خيرٌ، ولا يُنتظَرُ منها الألطافُ والبركات، ولا يؤمن فيه من النكبات، فالغناءُ والصخبُ وإيذاءُ الناسِ والإسرافُ والتبذيرُ والزينةُ أمامَ الأجانبِ وغيرها الكثيرُ، كُلُّ ذلك ممّا يؤدّي إلى سخطِ الربِّ القدير، والاقترابِ من حرِّ السعير، وتأسيسِ حياةٍ لن تؤتيَ من ثمارها إلا النزر اليسير، بعد أنْ كان مُمكنًا أنْ تفيضَ بالخيرِ والبركةِ والعطاءِ الوفير! تعالوا نُطالعُ تعاليمَ الدينِ القويم، ونرى كيفَ أسّسَ لزواجٍ مُباركٍ وبيتٍ مُباركٍ سليم، يفرحُ فيه الجميعُ ويستعدّون لاستقبالِ فيضِ الربِّ الكريم. تعالوا نتأمّلُ في زواجِ النورين، الزهراء وأمير المؤمنين (عليهما السلام)، لنرى بأُمِّ العين، أنّ من أسّسَ للبهجةِ والسرورِ والفرحِ الطيّبِ في هذا اليوم هو الدين، ومن نفّذَ خطواتِه هو سيّدُ المُرسلين، ليقول لنا: افرحوا بلا معصية.. أنفقوا بلا إسراف.. تزيّنوا بلا تهتُك.. اطعموا بلا تبذير... وإلى جانبِ ذلك كُلّه اهتموا بالدُعاء والمُستحبات، وإيّاكم وتضييع الصلاة؛ فهي مفتاحُ البركات، وسرُّ النجاة، فلا تُضيّعوها بالإهمال، ولا تستهينوا بأمرها تحتَ عنوانِ الانشغال، فمهما كانَ الحالُ ينبغي المُبادرةُ إليها حينَ حلولِ وقتِها، ولا شكَّ أنّ ذلك ينبغي أنْ يُسبَقَ باهتمامِ كِلا الزوجين بالمُحافظةِ على الوضوء، فعن أميرِ المؤمنين علي (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزالُ الشيطانُ هائبًا ذعرًا من المؤمنِ ما حافظَ على الصلواتِ الخمس، فإذا ضيّعهن تجرّأ عليه فألقاهُ في العظائم"(1). فالموفّقُ حقًّا من يوصي رفيقَ حياتِه بذلك قبلَ حلولِ يومِ الزفاف لتبدأ الحياةُ المُشتركةُ بالمُحافظةِ على الواجباتِ الشرعية، وامتثالِ الأوامرِ الإلهية، الموجبةِ للخيرِ والنماءِ والفيضِ والعطاءِ من قبل الله (تعالى) على حياتِهما الزوجية، فهي واللهِ أساسُ كُلِّ خيرٍ وأصلُ كُلِّ صلاحٍ واستقامة، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "الصلاةُ عمودُ الدينِ مثلُها كمثلِ عمودِ الفسطاط إذا ثبتَ العمودُ ثبتَ الأوتادُ والأطنابُ وإذا مالَ العمودُ وانكسرَ لم يثبتْ وتدٌ ولا طنب"(2). وإنْ فاتتكما الصلاةُ فافزعا إلى اللهِ (تعالى) بندمٍ واعترافٍ واعتذار، ولتتأسَّفا بين يديه وليبِنْ على حالِكما الألمُ والانكسار، واطلبا منه أنْ يتجاوزَ عنكما ولا يحرمَكما عطاياه فهو المُنعمُ الوهّابُ الغفّار. وليكُنْ ذلك درسًا لكما ما حييتما في تعاهُدِ وقتِ الصلاة، والاهتمام بساعةِ اللقاء والمُناجاة، فهي والله سِرُّ الهناءِ والصفاء، وبوابةُ الظَفَرِ والارتقاء. واعلما أنّكما إنْ بدأتُما بداياتٍ صحيحةً بمُقدِّماتٍ سليمةٍ ناجحة، فإنّ ورقةَ حياتِكما المُشتركةِ في كُلِّ الأحوالِ بإذنِ اللهِ (تعالى) رابحة، ومن سينمو في كنَفِكما سيتشرّبُ ذلك منكما فينمو وكُلُّ همّه رضا ربِّه، والمحافظةُ على دوامِ حُبِّه، والتفنُنُ في سلوكِ طريقِ رضاه وقُربِه، والثباتُ مهما كانتِ الظروفُ على دربِ الصادقين الصالحين، الذين يُحِبُّهم ربُّ العالمين. إنّ التزامَكما بالصلاةِ في هذه الساعات، دليلٌ على تجذُّرِ الحُبِّ لربِّ السماوات، وإيثارِ مُرادِه على كُلِّ الرغبات، وتقديمِ محبوبِه على المحبوبات، ومن كانَ كذلك فهو أهلٌ للعطاءِ والهبات، والمِنَحِ والرحمات، التي تفتحُ أمامَ عينيه آفاقَ الحياة، وتُسدِّدُ خطواته على طريقِ القُربِ من اللهِ (تعالى) ورسولِه وآله سادةِ السادات، فيُدخِلُ السرورَ على قلبِ أوليائه، ويُقدِّمُ رضاهم على رضا نفسِه وأحبائه، آملًا في نظرةِ رعايةٍ من إمامِ زمانِه يرمقُه بها من عليائه، يسعدُ بها إلى الأبد، وينالُ من خلالِها مرضاةَ الواحدِ الأحد، فيكون بحُسنِ التزامِه وطاعةِ ربِّه وسرورِ قلبِ إمامه هو الأسعد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تيسير المطالب: 220، نقلًا عن: مسند الإمام السجاد أبي محمد علي بن الحسين(عليه السلام)، ج2، ص192 (2) المحاسن : 1/116/117 نقلًا عن: ميزان الحكمة ، ج6، ص276

اخرى
منذ يوم
38

# ترانيم الانتظار

بقلم: نورا كاصد العبودي بعد أنْ جرّدوا قلبَك من كُلِّ ودٍّ وحُب... امتلأَ قسوةً وخُذلانًا وحسراتٍ متناثرةً على جُدارنه، أصبحتَ وأنتَ تمقتُ جميعَ البشر! لا تخفْ... سيجرِفُ ما زرعوه بقلبك ويرويه من ماءٍ معين... حُبُّ المُنتظر... وسيعودُ الربيعُ لأركانِ قلبك.. # ترانيم الانتظار

اخرى
منذ يوم
39

كوني مُمهِّدةً للظهورِ المُقدَّس

باحترامكِ لوالديكِ وخدمتهما وطاعتهما والبِرّ بهما، فإن ذلك طاعةٌ له (سبحانه وتعالى)؛ لأنّ طاعتهما مقرونةٌ بطاعتِه قال (تعالى): "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا"(1). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-الاسراء: آية 23.

اخرى
منذ يوم
41

#ترانيم الانتظار

بقلم: نورا كاصد العبودي ولأنّك ابنُ الآل وحفيدُ الكرّار.. لانتظارِك نكهةٌ لا يعرفُها سوى الدُعاة بالنُدبة! بينهم وبينك ميثاقٌ يدعون أنْ يُنفذوه على أديمِ الوجودِ يومًا.. #ترانيم الانتظار

اخرى
منذ يوم
26

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
82491

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
78885

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
45471

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
42379

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
40007

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
39449