فنجان قهوة

(91) إنِ استطعتَ أنْ تُجهِّزَ قهوتَك بنفسِك، فافعل، ولا توكلْ ذلك لغيرِك حتى وإنْ كانَ يُتقِنُ صنعَها. وهكذا هي واجباتُك؛ انجزْها أنت في حياتك، ولا توصِ بها غيرك وتتكلْ عليه بإنجازها لك بعد مماتك... فأنتَ ستُنجزها بحُبٍّ ورغبةٍ في الثواب. وأمّا غيرُك فإنْ أدّى الوصيةَ فسيكونُ مُجرّدَ أداءِ واجبٍ، وشتّانَ ما بينَ الاثنين..

اخرى
منذ أسبوع
60

التقرُّبُ إلى اللهِ (تعالى)

التقرُّبُ إلى اللهِ (تعالى) بقلم: ولاء جاسم من مِنّا لا يعرفُ اللهَ (سبحانه وتعالى) ووجودَه غير المرئي؟! وأيُّ قدرةٍ عظيمةٍ وهبَها اللهُ (تعالى) لنا، حتى يكونَ اتصالُنا به روحيًا بعد أنْ أرسلَ لنا الرسلَ والأنبياءَ (عليهم السلام)؛ ليُعرِّفونا الوحدانيةَ والعباداتِ؛ فسُبحانَ الله مدادَ كلماتِه على نعمه؛ تُكسَرُ القلوبُ فيجبرُها.. أنْ يكونَ الإنسانُ إنسانًا فهو ضعيفٌ، لكن أنْ يكونَ عبدًا للهِ (تعالى) فهو قوي، هُنا تأثيرُ الإيمان. فالشخصُ الذي يعيشُ في كنفِ أسرةٍ ضعيفةٍ أو قاسيةٍ، أو ربما من دونِ أسرةٍ حتى غالبًا ما يكونُ أساسُه هشًّا؛ لأنّنا بطبيعتِنا البشريةِ نحتاجُ إلى سندٍ يمدُّنا بالقوة. وهذا الإحساسُ _الحاجةُ إلى الأمان والثقة_ موجودٌ فينا مُنذُ ولادتِنا، لكن عندما نقتربُ إلى الله (تعالى) نشعرُ بالأمان، بالسكينة، بالقوة، بالنصر، بكُلِّ شعورٍ إيجابي، سنعيشُ الراحةَ الحقيقيةَ؛ لأنّه هو القويُّ العظيم، ولا يتصلُ به ضعيفٌ إلا استمدّ منه القوة، هنا نشعرُ بالخجلِ والندمِ على كُلِّ لحظةِ ضعفٍ عشناها.

اخرى
منذ أسبوع
67

دمعة ياسمين -٦-

دمعةُ ياسمين(6) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن فاطمة.. بعدَ عودتِنا من بيتِ اللهِ (تعالى) وطوالَ الطريقِ كانَ يُهيّئني لأمرٍ عظيم، تسارعتْ نبضاتي، احتضنني وكأنّه يودِّعُني الوداعَ الأخيرَ واغرورقتْ عيناه بالدموعِ وهو يُقبِّلُ جبيني ويعتذر: - اعتذرُ منكِ، لقد حاولتُ بشتّى الطُرُقِ أنْ لا أنقلَ لكِ العدوى لأنّي أحببتُكِ. فعلًا أنتِ امرأةٌ جعلتني أخرجُ من عُمقِ الظلام، أطفأتِ نيرانَ هفواتي العاتيةِ بلمسةٍ حانية، يا ليتني لم أرَكِ.. يا ليتني مُت.. يا ليتني لم أشعرْ بحُرقةِ العشقِ ووخزِ الضمير، لقد انصهرتُ في روحكِ الصافية! - ما بكَ يا نورَ عيني؟ يبدو أنّك تُهلوِسُ فحرارتُك مرتفعة.. صرخَ مُزمجرًا: - ابتعدي عنّي.. اهربي.. لعلّكِ تنجين من فخٍّ نصبتُه لكِ أنا وأمّي، لقد اغتصبتُ عمرَكِ قهرًا، وبعتُكِ بثمنِ أهوائي، لكن أقسِمُ لكِ أنّي أحببتُكِ ولم أستطعِ التنازلَ عنك.. ارتعشتُ من الخوف، ظننتُ أنّه ضجرَ من كثرةِ إلحاحي بأنْ يكونَ لي طفلٌ فكانَ يُمانعُ بإصرار، وأنا أستغربُ وأتساءل: - لماذا؟ حتى قال: -أنا.. أنا.. مُصابٌ بمرضِ السيدا (الإيدز)! هوى على قدميَّ يُقبِّلها ويطلبُ السماحَ والغفران، تجمّدتْ أوصالي، لم أكنْ أفقهُ ما يقولُ وكأنّي هويتُ من شاهق، جسدي يرتعش، لُجَجُ النيرانِ اشتعلتْ في جوانحي، سادَ السكون.. أمطري يا دموعي، واقرعي طبولَ الحزنِ مع أمواجِ الدجون، خيّمَ على وجهي المساء، هل ذُبِحتُ وفي قلبي طفلٌ وليد، انهارَ قصري وتحوّلَ إلى لحدٍ ينتظرُ أنْ يلقى مثواه.. صرختُ: - عبد الرحمن.. حبيبي! لم يتنفس، لن يعودَ عبدُ الرحمن؛ فهو راقدٌ بلا حراك! هذه أنا! من حسدتها كُلُّ الفتيات، ومن كُنتُ أظنُّ أنَّ السعادةَ قد بَنَتْ لي أوطانا.. هل أُصِبتُ؟! هل أصيبَ والدي؟ هل هي لعنةُ الأقدار أم صاعقةٌ نزلتْ عليّ من السماء؟ آهٍ.. ما هذا الابتلاء؟ ..… وقفَ المُخرجُ وكُلُّ منْ كانَ يُشاهدُ التحضيرَ الأخيرَ لتسجيلِ القصة، وهم مبهورون يُصفّقون، يشهقون بالبُكاء، ويصرخون. قال المخرج: - أبهرتموني! لم نشعرْ بمرور الوقت، جعلتموني أفكِّرُ في أنْ أصوِّرَ فيلمًا بدلَ أنْ أسجّلَه في الإذاعة. أخرجَ منديلًا من جيبه وأعطاه لي كي أمسحَ دموعي.. أنا المُعلِّقةُ الصوتيةُ... ياسمين. تمّتْ بحمدِ الله. ____ بعضُ المعلوماتِ عن مرضِ الإيدز: س/ كم تستغرقُ الفترةُ الفاصلةُ بينَ إصابةِ المرءِ بفيروس العوزِ المناعي البشري وظهورِ أعراضِ مرض الإيدز عليه؟ ج/ تختلفُ هذه الفترةُ اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخر، وتظهرُ على مُعظمِ حاملي الفيروس _إذا ما بقوا من دون علاج_ أعراضٌ مرضيةٌ لها علاقةٌ بالفيروسِ في غضونِ خمسةِ إلى عشرةِ أعوامٍ، ومن المُمكنِ أنْ تكونَ أقلَّ من ذلك. غيرَ أنّ الفترةَ الفاصلةَ بينَ اكتسابِ الفيروس وتشخيصِ المرض قد تستغرقُ فترةً تتراوحُ بينَ عشرة أعوامٍ وخمسة عشر عامًا أو أكثر أحيانًا. وبإمكانِ المُعالجةِ بالأدويةِ المُضادةِ للفيروسات القهقرية إبطاءُ تطوّرِ المرضِ بتخفيفِ تضاعُفِ الفيروس، وبذلك تقلّ عددُ الفيروساتِ في دمِ حاملي الفيروس والذي يُعرَفُ أيضًا بــ(الحِمل الفيروسي). ولمزيدٍ من التفاصيل عن الفيروس ادخل على الرابطِ: https://www.who.int/features/qa/71/ar/

اخرى
منذ أسبوع
69

دمعة ياسمين -٥-

دمعةُ ياسمين(5) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن فاطمة... أشعرُ أنّي خائرةُ القوى، كُلُّ أمنيتي أنْ يكونَ لي طفلٌ يؤنِسُ وحدتي... آهٍ.. ساعدني يا رب.. وبينما كُنتُ أصارعُ هواجسي رنَّ هاتفي، وإذا به عبد الرحمن.. - فاطمة، أينَ أنتِ؟ والدُكِ يسألُ عنك؟ - ماذا حصلَ لوالدي؟ أخبرني بسرعة... - ما بالُ صوتِك؟ هل أنتِ مريضة؟ هل أصابكِ مكروه؟ هل آتي لأخذك؟ أين أنتِ؟.. أجيبي - لا بأس، كُلُّ شيءٍ على ما يُرام لا تقلق، أنا في سيارتي، أينَ أنتَ؟ وماذا حدثَ لأبي؟ - أنا في المُستشفى القريبةِ من بيتِ والدك.. لقد تعبَ واتصلتْ بي والدتك. - حسنًا سآتي أنا في الطريقِ إليكم. احتسبت أمري لله تعالى، ودعوته أنْ لا يحرمني من نعمةِ وجود والدي، لعلّ اللهَ يُحدِثُ لي أمرًا، فصبرٌ جميلٌ يا قلبي الهش .. ....... عبد الرحمن... أصيبَ والدُ زوجتي بوعكةٍ صحية، فاتصلتْ بي أمُّها مُرتعبةً وقلقةً عليه؛ لأقدِّمَ لها يدَ المساعدة، اتصلنا بإسعافِ المُستشفى الخصوصي الذي نتعاملُ معهم فأتتْ على عجل، أخذوا السيدَ وعملوا معه الفحوصات اللازمة، حاولتُ الاتصالَ بفاطمة مرارًا ولكن دونَ جدوى.. خرجَ الطبيبُ من غرفةِ الفحوصات ليخبرني بضرورةِ إجراءِ عمليةٍ قسطرة لعروقِ قلبه بسببِ خللٍ في الدورةِ الدموية به أدّى إلى تلك الفاجعة، شحبَ وجهُ السيدة، ولم تعرفْ كيفَ تُجيبُ؛ لأنّها لا تملكُ مالًا يُساعدها على تعجيلِ العمليةِ لزوجها، هدّأتُها وأخبرتُها بأنّي سأدفعُ جميعَ تكاليفِ العملية، وقلتُ في نفسي: -لعلّي أردُّ لهما بعضَ المعروف، وأُكفِّرُ عن أخطائي بحقِّهم.. عاودتُ الاتصالَ بزوجتي فأجابتني بتوتُر، أخبرتُها بضرورةِ الحضورِ للمُستشفى للاطمئنانِ على والدها. أصرّتْ عليّ فاطمةُ ألّا أُكلِّفَ نفسي دفعَ مصاريفِ العملية، وأنّها ستقومُ بذلك، لكنّني امتنعتُ وأمرتُها بالاحتفاظِ بمُجوهراتِها وبما تدخره لما تُخبّئه الأيام، عندما لا أكونُ موجودًا، قُلتُ مواسيًا: - والدُكِ هو والدي، لا فرقَ في ذلك، لا يُهِمُّني شيءٌ سوى أنْ تكونوا بخيرٍ جميعًا، لن يمسّكم أذى ما حييت. خرجَ الطبيبُ وبشّرَنا بنجاحِ العملية، وقالَ: - إنَّ حالتَه ستتحسّنُ قريبًا إنْ شاءَ اللهُ (تعالى). أحببتُ فاطمةَ لدرجةِ الأنانية، أصبحتْ جوهرتي الثمينةَ التي لا أستطيعُ الاستغناءَ عنها مهما حدث، كُنتُ أطفِئُ شمعةَ الأملِ في عينيها كُلّما رفضتُ أنْ تُصبِحَ أُمًّا.. أنا أيضًا أحِبُّ الأطفالَ، وأحلمُ أنْ أكونَ أبًا، لكن ذلك السِرَّ اللعينَ الذي عكّرَ عليّ صفوَ عيشي، ودكَّ أوتادَه في صحراءِ مشاعري يقفُ كجدارٍ أمامَ حلمِ الأبوة، وضميري الذي لا زلتُ أُسمّيه ضميرًا يمنعني من أذيةِ المزيدِ من الأشخاص، خصوصًا أقربهم إلى القلب فلذة الكبد. لم أجدْ أفضلَ من زوجتي سندًا في ضعفي، ساءتْ حالتي الصحيةُ لدرجةِ أنّني أصبحتُ مُقعدًا لا حولَ لي ولا قوة، لم تنفعني ثروتي لشراءِ صحتي، لم أتركْ طبيبًا معروفًا إلا زُرتُه ليُشخِّصَ حالتي من دونِ فائدة.. بعدَ تعبٍ شديدٍ قرّرتُ أنْ نزورَ بيتَ اللهِ (تعالى) لعلّه يكونُ السببَ في تحسُّني. ...... فاطمة.. اقترحَ عليّ عبدُ الرحمن أنْ نذهبَ للعُمرةِ المفردة بسببِ تدهورِ حالتِه الصحيةِ في تلك الفترة، ذهبنا ودعوتُ اللهُ (تعالى) كثيرًا أنْ يشفيه ويهديه ليستجيبَ لمطلبي. بدأتْ تراتيلُ السعادةِ بالعدِّ التنازُلي؛ إذ بدأتْ حالةُ عبدِ الرحمن الصحية تسوء؛ فقدان الوزن، ارتفاع درجة حرارة الجسم (حمّى)، سعال، ضيق تنفس.. يتبع...

اخرى
منذ أسبوع
62

دمعة ياسمين-٤-

دمعةُ ياسمين(4) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن كانَ الجميعُ مُستمتعًا والأناشيد تتلوّنُ بينَ أهازيجَ شعبيةٍ عراقيةٍ وأهازيجَ شعبيةٍ مغربية، وأشكالُ الطعامِ المغربي والعراقي تُزيّنُ الموائد، أما القاعةُ فرغمَ تواضُعِها كانتْ أنيقةً باللمساتِ التي أضافَ إليها المُنسق، وجعلتْ جوَّ الفرحِ دافئًا وممتعًا، فكانتْ فاطمتي تكتفي بابتسامةٍ خجولةٍ في وجهِ الجميع... فاطمة... أما اليومُ فهو اليومُ الذي جعلَ نياطَ قلبي تقفزُ وجلًا... سوفَ أرحلُ إلى المجهول.. إما السعادة أو الشقاء، طريقُ الذهابِ بلا عودة؛ فمن تخرجْ من بيتِ والدِها بفستانِ الزفاف الأبيض يجبْ أنْ لا تخرجَ من بيتِ زوجِها إلا بالكفنِ الأبيض! هذا ما ألزمتنا به كُتُبُ العرف. عندما كُنتُ جالسةً في قاعةِ الاحتفالِ شعرتُ بأنّي أميرةٌ عراقيةٌ تُزفُّ لملكٍ مغربي، صوتُ الزغاريدِ ارتفعتْ تُعلِنُ عن قدومِ العريس، وقفتُ في لحظةِ قلق، الجميعُ يبحلقُ فيّ، مع همزٍ ولمز: - ما الذي أعجبَه بها؟ - ما هذا الحظّ؟! إنّه ليس مثل حظّنا العاثر.. هذا ما كانَ يطرقُ مسامعي من بعضِ النسوة، عقدتُ أصابعي ثم بدأتُ أحرّكها بتوتُرٍ وأنا أهيّئُ نفسي، اجتاحتني رهبةٌ غريبةٌ أولَ مرّةٍ أحسُّ بها. دخلَ زوجي الذي لم أكنْ أحلمُ حتى أنْ أقترنَ به، سحرني جمالُه وأناقتُه.. كانَ يرتدي جلبابًا أبيضَ طويلًا يمتدُّ من فوقِ المنكب إلى حذوِ الكعبين، فضفاضَ يُغطّي كاملَ جسمه، مُتصلٌ في أعلاه بغطاءٍ للرأس يُسمّى "القب" حسب ما أخبرني به عبدُ الرحمن، ذا أكمامٍ طويلة، تصلُ إلى معصمِ اليد. يرتدي فوقه ما يُسمّى بـ"السلهام"، لونُه أحمرُ أنيقٌ طويل، يلي الجلبابَ إلا أنّه ليس له أكمامٌ مثل العباءة فهو جزءٌ واحدٌ بغطاءٍ للرأس يُسمّى (قب)، متواصلٌ مع بقيتِه، مصنوعٌ من صوفِ الأغنام، ومفتوحٌ تمامًا من الأمام. كانَ يرتدي في قدميه ما يُسمّى (البلغة)، هي نعلٌ تقليدي جلدي مغربي، لونُها أبيضُ تصميمُه بسيطٌ، تمّ تطريزه بشكلٍ خفيفٍ ومقدمتُه حادة. كانتْ أجواءُ العرسِ مُمتعةً جدًا، لحظةُ ارتداءِ الخاتمِ والفستانِ الأبيضِ جعلتْ نياطَ قلبي تتراقصُ فرحًا على عزفِ سمفونيةِ عشقٍ أبدي، ما أجملَ الحبّ حينَ يكونُ حلالًا! …… عبد الرحمن... رغمَ الابتسامةِ التي كانَ يُحاولانِ أنْ يرسمَها أبو فاطمة وأمّها عندَ رحيلِنا لم يستطيعا أنْ يخفيا حرقةَ فراقهما لابنتهما، ودّعاها والدموعُ ترقرق في عينيهما، شعرتُ أنّها هي سببُ وجودهما وصبرهما على كُلِّ تعرُّجاتِ الحياةِ من البؤسِ والفقر، وعلمتُ أنّي اقتطفتُ زهرةَ ربيعهما، فلنْ أجعلَها تذبلُ لفراقِ والديها وأنا أسمعُ صوتَ بكائها الذي قطّعَ نياطَ قلبي.. قبّلتُ يدَ عمّي، وأخبرتُه أنّي سأجهِّزُ لهما بيتًا بقربِ بيتِنا، حتى يلحقا بنا قريبًا، أشرقتْ أساريرُ وجهِه وأمسكتْ فاطمةُ بيدي وهي تُبدي شكرَها وامتنانَها لما قلتُه.. ...... فاطمة.. أمضيتُ أجملَ أيامٍ في حياتي مع عبد الرحمن، كانَ يُحقِّقُ كُلَّ مُتطلّباتي المادية، ساعدني أنا وعائلتي، كانَ رجلًا طيبًا جدًا، يخافُ عليّ أكثر من نفسه، لكنّ الغريبَ في الأمرِ أنّ عبدَ الرحمن لم يكُنْ يُحِبُّ الأطفال، في مرّةٍ سألتُه: -متى يكونُ لنا طفلٌ؟ فهو يجعلُ لوجودِنا معنى.. ما شاءَ اللهُ نحنُ لدينا نِعَمٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى.. احمرّتْ عيناه من الغضب وقال: -احذري.. إنْ حدثَ هذا الأمرُ فلن تلومي إلا نفسك! في ذلك اليومِ ضاقتْ بي الدنيا، قد يحينُ الوقتُ المُناسبُ لذلك الأمل في أنْ أكونَ أُمًّا، كُنتُ مُتوترةً جدًا فخطرَ في بالي أنْ أتحدّثَ مع عمّتي أمّ عبدِ الرحمن وأخبرها لعلّها تُقنِعُ ابنَها أكثرَ منّي؛ فهي بالتأكيدِ تتمنّى أنْ تكونَ جدّة. كانتْ تجلسُ في غرفةِ الصالون، وتُشاهدُ برنامجها المُفضل، صنعتُ العصيرَ وقدّمته إليها وجلستُ بقُربها، فابتسمت قائلة: -سلُمَتْ يداكِ يا فاطمة. -عمّتي، أريدُ أنْ أُخبرَكِ بشيء، وأتمنّى أنْ تُساعديني... -تفضّلي.. - أنا...أنا ... - أنتِ ماذا؟ تحتاجين للمال؟ -لا...لا، في الحقيقةِ أنا أُريدُ أنْ يكونَ لي طفلٌ وعبدُ الرحمن... لم تصبرْ لأكملَ كلامي حتى تجهّمَ وجهُها، وانتفضتْ وكأنّ السماءَ أطبقتْ على الأرض، ثم سقطَ كأسُ العصير من يدِها وتكسّر، شعرتُ أنَّ قلبي أرادَ أنْ يخرجَ من بينِ أضلُعي حينَ رأيتُ تقاسيمَ وجهِها وهي تقولُ بنبرةِ غضب: -هل جُنِنتِ؟ وكيفَ تُفكّرين في مثلِ هكذا أمر؟ لقد أخذتُكِ لولدي ليستأنسَ بك، لا أنْ يكونَ لديه طفلٌ منك، أم نسيتِ من أينَ انتشلتُكِ؟.. من قعرِ الفقرِ والجوع.. فاحذري سيكونُ آخرَ يومٍ لك مع ولدي إنْ أصررتِ على فكرتك. ثم نظرتْ لي بازدراء وذهبتْ إلى غرفتها وأغلقتِ الباب بقوة.. من فرطِ الدهشةِ من ردّةِ فعلِها شعرتُ أنّي أصبحتُ بكماءَ، واغرورقتْ عيناي بالدموع، وجلستُ وأنا مُصابةٌ بالذهول، وقفتُ وهممتُ بالخروج وفي جعبتي الكثيرُ من الأسئلة، ركبتُ سيارتي الفارهةَ التي اشتراها لي عبدُ الرحمن في عيدِ ميلادي وبدأتُ بالقيادةِ بسرعة.. لم أعلمْ إلى أينَ أذهبُ! ربما إلى اللا شيء.. وفي الطريقِ راودتني الأفكار: -ترى ماذا تقصدُ عمّتي بأنّها أخذتني ليستأنسَ بي فقط؟! ولماذا أنا تحديدًا؟ فهناك الآلافُ من الجميلاتِ يتمنينَ الزواجَ بمثلِ زوجي؟! فما أنا إلا فقيرةٌ، مُتوسطةُ الجمال، لم أحصلْ على شهادةٍ جامعية، كُنتُ أعيشُ في قريةٍ مُنزويةٍ عن العالم.. لماذا أخذوني لعالمِهم الغريب؟ من سيُجيبُني عن كُلِّ هذه الأسئلة؟ يتبع .....

اخرى
منذ أسبوع
58

دمعة ياسمين -٢-

دمعةُ ياسمين(2) بقلم: نرجسة الزمان الموسوي والكاتبة المغربية إيمان مصطفى الحسن جفاني النوم، لبستُ معطفي مُقرِّرًا اللحاقَ بوالدتي لعلّي أطمئنُ عليها، فإذا برقمٍ غريبٍ يتصلُ بي. أجبتُ على عجلةٍ من أمري فإذا هو صوتُ أُمّي المُرتجفِ يخترقُ سماعةَ الهاتف: - السلامُ عليكم عبد الرحمن، أنا أُمّك يا عزيزي.. فأجبتُ مؤيّدًا: - آه يا أُمّي.. قلقتُ عليك، هل أنت بخير؟ أين أنت؟ فأردفتْ مُهدِّئة: - لا تقلقْ يا بُني أنا بخير، سيارتي تعطّلتْ بسببِ المطر، وجدتُ أناسًا كُرَماء ساعدوني، أتصلُ من هاتفِهم؛ لأنّ الشبكةَ عندي ضعيفة. - سآتي حالًا عندكِ يا أُمّي، فلا تقلقي.. - لا، الجو خطرٌ عليك، لا تخرجْ، سأتدبّرُ أمري.. - لا، مستحيل.. سألحقُ بك، أخبريني أينَ أنتِ؟ - قبلَ ضيعتنا بعشرين كيلومترٍ تقريبًا، عندما تصلُ اتصلْ بي على هذا الرقم.. انطلقتُ بسيارتي، وذلك المطرُ ينهمرُ بسخطٍ كأنّه يُعاقِبُني ويُزيلُ خطاياي، كُنتُ أقودُ السيارةَ بصعوبةٍ بسببِ وعورةِ الطريقِ المؤدّيةِ للقريةِ، وانعدامِ الإضاءةِ فيها، ودماغي يُفكِّرُ في حالِ أُمّي عندَ أُناسٍ غرباءَ لا نعرفهم، لقد حاربتْ تلك المسكينةُ للحفاظِ على شملِ العائلة ولكن من دون فائدة.. بعد مرورِ ساعةٍ في الطريقِ اتصلتُ بوالدتي فأرشدتني إلى طريقِ ذلك المنزل.. وما إنْ وصلتُ حتى رحّبوا بي بحفاوة، وأصرّوا علينا أنا وأُمّي أنْ نتناولَ معهم وجبةَ العشاء، قبلتُ دعوتهم وشكرتُ لهم.. أدخلونا غرفةَ الضيوف أو ما يُسمّى بـ(المضيف) في العراق، كانتْ غرفةً مُتواضعةً جدًا، الجُدرانُ مطليةٌ بطلاءٍ أبيض رخيصٍ جدًا، على الأرضيةِ سجادٌ أحمر (بساط شعبي عراقي) مُهترئ، وجدتُ أُمّي مُغطاةً بوشاحٍ أخضرَ صوفي لم أرَها من قبلُ ترتديه، فسألتُها بصوتٍ خافت: - هلِ اشتريتِ هذا الوشاحَ مؤخّرًا؟ لم أرَكِ تلبسينه من قبل. فأجابتْ أُمّي مُبتسمةً: - إنّه لفاطمة، كُنتُ أرتجفُ من البرد فغطّتني به، أنتَ تعرفُ أنَّ الجوَّ اليومَ باردٌ جدًا، وأنَّ الليلةَ مُمطرة، لعلّ هذه الأمطارَ تكونُ أمطارَ خير، وتدخل علينا بفرحك يا بُني.. - إنْ شاءَ اللهُ يا أُمّي، باركَ الرحمنُ فيها.. ابتسمتْ أمّي قائلةً: فاطمةُ فتاةٌ رزينةٌ وجميلة، تضعُ البيضةَ في فمِها فتنضج! لا يخرجُ من لسانها إلا الشهد، أعجبتني كثيرًا، حافظةٌ للقرآن الكريم.. طوال حياتي كُنتُ أتمنّى لك امرأةً صالحةً تصونك، لا أظنُّ أنّك ستجدُ أجملَ من فاطمة زوجةً لك، ستراها واحكمْ بنفسك.. فلا تتعجّلْ في اتخادِ أيّ قرارٍ.. خُذْ وقتك.. غمزتْ لي وهي تؤكِّد: - لن أقبلَ لك بغيرها.. أنتَ تحتاجُ لزوجةٍ وهي بحاجةٍ لتحسينِ وضعها المادي ولزوجٍ يصونها. نظرتُ باستحياءٍ لأُمّي ثم قلت: - و لكن.. ضغطتْ على يدي وهي تُخفِتُ صوتَها أكثر وتقولُ بضجر: - لا، ولكن ولا شيء، اسكتْ أنت، طوالَ حياتك سأظلُّ أُعلِّمُك كيفَ تستثمرُ الفُرص..؟! أحرجتني كلماتُها وأشعرتني بالاختناق، استأذنتُ بالذهابِ للحمام، فسمعتُ والدَ فاطمة يُنادي عليها: - فاطمة، يا فاطمة! جاءتْ مُهرولةً إليه على استحياء، نظرتْ لي فتلوّنَ وجهُها بكُلِّ ألوانِ الخجل فزادَها ذلك جمالًا وفتنة.. - جهّزي لضيفِنا الحمام.. أسرعتْ فاطمةُ إلى داخلِ المنزل؛ لأنّ المضيفَ يقعُ خارجَه، وجهّزتْ لي الحمام وعادتْ تُعطيني إذنًا بالدخول. بعد تناولِ وجبةِ العشاءِ مع عائلةِ السيدِ سعيد شكرناهم لحُسنِ ضيافتهم وتكلُّفِهم رغمَ فقرهم، واتفقتْ أُمّي مع أُمِّ فاطمة على زيارةٍ ثانيةٍ في المُستقبلِ في ظروفٍ أجمل من هذه، فرحّبتِ السيدةُ بالفكرةِ بكُلِّ فرح. في الطريقِ نفختْ والدتي رأسي بحديثِها عن إعجابِها بفاطمة وبجمالها العراقي القروي الأصيل وبتفنُّنِها في تجهيزِ مائدةِ العشاء.. وأمّا أنا فلم تُفارقْ عيني نظرتُها الخجولةُ الفاتنة، فبقيتُ سارحًا في الطريقِ أُفكِّر، لا أدري ما كانَ ذلك الشعورُ أهو ضعفٌ أم حُبٌّ أم إعجابٌ أم ماذا..؟ لم أستطِعْ أنْ أتنازلَ لأحصلَ على تلك الجوهرةِ الثمينة، نسيتُ كُلَّ ما بي وتخلّيتُ عن كُلِّ عائقٍ سيجعلُ زواجي بها مُستحيلًا. ............ بعدَ أيامٍ قلائل، جاءتِ المرأةُ مع ولدها وطلبتْ من أهلي أنْ يوافقوا على أنْ أكونَ زوجةً لابنها، وأخبرتهم بأنّها سوف تجعلُني أعيشُ حياةً رغيدة. ولأنّني لا أملكُ القرارَ في اختيارِ البعل، خاصةً في المناطقِ البعيدةِ عن المدن، فيكونُ القبولُ والرفضُ من وليّ الأمر، أي الأب.. ما إنْ خرجَ الخاطبُ وأمه حتى شرع والداي بالحديثِ عن الموضوع، استرقتُ السمعَ وإذا بي أسمعُ والدي يقولُ لوالدتي: - سأوافقُ لعلّ في هذا الزواجِ خيراً لابنتنا، وقد يُنجيها من الحرمان الذي تعيشه.. ثم ارتجفتْ نبرةُ صوتِه وأردفَ في شجن: - لقد كبرنا وقريبًا قد نرحل، فلا أريدُها أنْ تبقى وحيدة، سنتوكّلُ على اللهِ (تعالى) وسنصبرُ على فراقها.. ......... سبحانَ الله! من دهاليزِ الفقرِ جمعتْنا الأقدارُ الإلهية بلا موعد، خلقتْ هذه السيدةُ الأجواءَ لتربطَ خيوطَ اللقاء، لنشمَّ المفرقعاتِ النارية وهي تُطلقُ لإعلانِ اقتراني بولدِها الوحيدِ عبد الرحمن، ذلك الشاب الثلاثيني ذو الوجهِ الملائكي، الذي قدِمَ وكأنّه قد احتضنني وقال لي: - تعالي يا فراشةَ عمري، لن تبكي بعدَ اليوم، سأسقيكِ من زهورِ الترفِ قطرةً قطرة، وأُقرِّبُكِ للسماءِ لتُلملمي النجومَ وأصنعها لك قلادةً تضعينها على جيدكِ اللجين.. وعلى السحابِ سنعزفُ سمفونيةُ العِشقِ لتملأَ ضحكاتُك أرجاءَ العالم، فقد أضاءتْ عيناكِ ظلمةَ ليلي المُعتم، لقد فتحتْ لي الدُنيا أوسعَ أبوابِها وتزيّنتْ وتعطّرتْ وتجمّلتْ.. يتبع..

اخرى
منذ أسبوع
61

دمعة ياسمين -٣-

دمعةُ ياسمين(3) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن كانتْ مراسيمُ الخطوبةِ عراقيةً بامتياز (يومَ الشربت) أو كما يُعرف بـ(المشيَة)، كُنتُ جالسةً بقُربِ النافذةِ المُطلّةِ على البُستانِ وقد جاءَ عبدُ الرحمنِ مع أقاربه وأصدقائه مشيًا إلى منزلي لذلك نسمّيه بـ(المشية). قامَ والدي باستقبالِ الوافدين، وبعدَ جلوسِ الضيوفِ من الطرفين إلى بعضِهما تمّتْ مراسمُ الخطوبةِ الرسميّةِ بطلبٍ من عمِّ العريسِ للموافقةِ على اقتراني بابن أخيه، وأجابَ والدي بالموافقة، فَعَلَتْ أصواتُ الهلاهل، وقدّموا العصائرَ استبشارًا بهذه الخطوة، وتمَّ الاتفاقُ على المهرِ ومُستلزمات الزواج الأخرى كافة. حانَ يومُ عقدِ القِرانِ في بيتِ والدي، أتى عبدُ الرحمن ولفيفٌ من أقاربه مع عاقدِ القِرانِ المُعتمدِ من قِبل الدولة، ارتديتُ الثوبَ التقليديّ الأبيضَ، ثم جلستُ على كُرسيٍّ وضعتُ قدمي في وعاءٍ يحتوي على الماءِ ونبتةِ الياسِ، وأمسكتُ في يدي حبّاتٍ من الهيل، ووضعوا إلى جانبي صينيةَ العطّارِ المُحتويةِ على الشموعِ والحلوياتِ والعطورِ وأكوابِ السكر، ووضعوا القرآنَ الكريمَ بين يدي ومرآةً أمامي لجلبِ الحظ.. بعدَ انتهاءِ عقدِ القِرانِ أصبحتُ زوجتَه شرعًا، قامتْ فتاتان غيرُ مُتزوجتين من الأقاربِ بوضعِ قطعةٍ من القماشِ الأبيض على رأسي وتغطيةِ وجهي به ثم دخلَ العريسُ ورفعَ ذلك الخمارَ عن وجهي، اشتعلَ وجهي بحُمرةِ الخجل، ألبسني الذهبَ الذي قامَ بشرائه مُسبقاً. وبعدَ انتهاءِ العقدِ أدخلوني أنا وهو إلى غرفةِ المضيفِ في طريقتِنا للتعارُفِ قبلَ يومِ الزفاف.. جلستُ على استحياء، اقتربَ عبدُ الرحمن وأمسكَ يديَّ بحنانٍ، قرّبْهما إلى وجهه وهو ينظرُ إليّ بكُلِّ لهفة، اقشعرَّ بدني فأطرقتُ بوجهي إلى الأرضِ حياءً، شعرتُ أنَّ قلبي ينبضُ بغرابة، وكادَ أنْ يُقلِعَ من مكانه، اقتربَ أكثر فابتعدتُ عنه قليلًا، جذبني إليه بقوّةٍ قائلًا: - أنتِ زوجتي على سُنّةِ اللهِ ورسوله (صلى الله عليه وآله).. ابتسمتُ ونيرانُ الخجلِ تتقاذفُ من وجهي، وقلت: - نعم، ولكن لكُلِّ وقتٍ أوان، فلن أسمحَ لك بلمسي حتى يحينَ اليوم.... ثم لم أستطعْ إكمالَ حديثي، ورأيتُ في عينه ذهولًا وهو يقول: - هل حقًّا هذا؟! ما أروعَ ما أسمعه! جعلتني أُبهَرُ بكِ أكثر.. فلقد عشقتُ خجلك وبراءتك.. لكن هل تسمحين لي بلمسِ خُصيلاتِ شعركِ التي سرقتْ ناظري؟ أمسكَ شعري بكُلِّ رقّة، وكانتْ أصابعُه تُراقِصُ خصيلاتِ شعري، وسرقَ قبلةً طبعها على جبيني، وغرّدتْ سمفونيةُ العشقِ الحلال.. مرّتِ الأيامُ بسُرعةِ البرق حتى حانَ يومُ الفرشة، حيثُ توجّه أهلي إلى منزلِ الزوجيّة حاملين معهم الأغراضَ والأثاثَ الخاصّ بي، قاموا بترتيبها واختاروا غطاءَ سريرٍ أبيض، ووضعوا عليه النقودَ والورودَ ودُميةَ طفلٍ من أجلِ جلبِ الفألِ الطيّبِ لهذا الزواجِ بالمالِ والبنين. ........ عبد الرحمن.. نعم، كانتِ الخطوبةُ عراقيةً استمتعنا جميعًا، قرّرتُ أنْ أتكلّفَ بالعرس، وأنْ نُقيمَ عرسًا مغربيًا بلمسةٍ عراقية.. جهّزتُ لكُلِّ شيء، واشتريتُ لها جميعَ الهدايا التي ستحتاجها من حريرٍ وحناءٍ وملابس، كما اشتريتُ لها فستانَ العروسِ التقليدي المغربي، ويُسمّى "القفطان" مصنوعٌ من الحريرِ والشيفونِ بأكمامٍ طويلة، ومُطرّزٌ بالخرز، وله حزامٌ على الخصر، ألوانُه بينَ الأخضر والذهبي، سترتديه عندَ (القعدة)، أي عندما تجلسُ بجانبي يومَ الزفاف. وضعناهم في ما يُسمّى "الطيافر" وهي صناديقُ تقليديةٌ مغربيةٌ كبيرةٌ فاخرةٌ على شكلٍ هرمي مُغلّفةٍ بثوبٍ أخضرِ اللون ومُطرّزةٌ بنقوشٍ ورودٍ بخيوطٍ حريريةٍ ذهبيةٍ جميلة.. حجزتُ قاعةَ حفلاتٍ مُتواضعةٍ حسبَ طلبِ فاطمة، وكلّفتُ مُنسِّقَ حفلاتٍ بكُلِّ أمورها من طعامٍ وغيرِ ذلك.. ............ فاطمة.. حلَّ يومُ الحناء، وهو اليومُ الذي يسبقُ يومَ الزفاف، وفيه ارتديتُ أكثرَ من ثوبٍ بألوانٍ مُتعدّدةٍ، وسطَ أناشيدِ النساء الشعبيّة المتوارثة، وفي آخرِ الحفل وُضِعَتِ الحناءُ على يديّ وقدميّ من قِبلِ إحدى قريباتي الكبيراتِ في السِّن. عبد الرحمن.. في ليلةِ العرسِ حضرتُ مع عائلتي حاملين الطيافر المملوءةَ بكُلِّ الهدايا التي اشتريتُها، غير ذلك القفطان الملكي فقد أصرّتْ فاطمةُ على ارتدائه اليوم، وبين يدي باقةُ وردٍ كبيرة، برفقةِ فرقةِ الدقّةِ المراكشيةِ المغربيةِ الشعبية الذين طلبتُ مجيئهم ليأتوا من المغربِ خصيصًا لأجلِ هذه المناسبة.. من أجلِ تقديمِ عرضٍ هائل يُناسبُ فخرَ تقديمِ الهدية للعروس، لأتذكّرَ البلادَ؛ فكُلّي حنينٌ إلى وطني ولتتعرَّفَ عائلةَ فاطمة على عاداتنا، عبرتُ البساطَ الأحمر وكُلّي شوقٌ لرؤيةِ أميرتي، استقبلنا النادلُ بالتمرِ والحليب عندَ بابِ القاعة، كانتْ زوجتي في كاملِ زينتِها، وقد زادَها القفطانُ الأخضرُ جمالًا، حورية من الجنة أشرقتْ في دنياي، كانتْ جالسةً في العمارية تنتظرني، رفعتُ الغطاءَ عن وجهِها وإذا بها كالبدرِ في ليلةِ كماله، رفعتْ عينيها تنظرُ إليّ باستحياءٍ وتلك الابتسامةُ اللطيفةُ تُداعبُ وجنتيها، وبريقُ عينيها يكادُ يُذيبني من شدّةِ جمالهما.. والعماريةُ عبارةٌ عن كُرسي خشبي ومُزيّن وعالٍ يحملُه أربعةُ شبابٍ على أكتافهم يتبع...

اخرى
منذ أسبوع
58

دمعة ياسمين1

دمعةُ ياسمين(1) بقلم: نرجسة الزمان الموسوي والكاتبة المغربية إيمان مصطفى الحسن أتقنَ الرّدى قبضتَه، تسابقتْ نبضاتُ قلبي وأصدرتْ حفيفًا مع أنفاسي، القشعريرةُ سَرَتْ بجوارحي حينَ هَوَتْ روحي تلهثُ من شاهقٍ كالبرقِ لتتحدَ مع جسدي.. انتشلني صوتُ أُمّي من الوَجَلِ الذي انتابني بسبب الكابوس الغامض.. - فاطمة.. فاطمة.. هيّا انهضي حانَ وقتُ صلاةِ الفجر، وكأنّ الملائكةَ ستدنو منكِ لتسحرينا بصوتكِ الشجيّ، وتروّينا بآياتِ القرآن. - سمعًا وطاعةً يا أُمّي. - تقبّلَ اللهُ (تعالى) بُنيتي، سوفَ أجمعُ الحطبَ لأسجرَ التنورَ حتى تُعِدّي الخبز، وسأذهبُ لأحلبَ البقرةَ، ونُعِدَّ الفطورَ ليذهبَ أبوك إلى عمله في البستان. - حاضر، سألحقُ بكِ بعد قليل. دنوتُ من تلك المرآةِ التي كانتْ تقطنُ في ذلك الدولابِ الذي أكلَ الزمنُ منه وشرب، تكسّرتْ صورةُ الزمنِ وأنا أرى لونَ عيني الذي سلبته من غابةِ النخيل، مشطتُ ضفائرَ الليلِ بلمعانِ النجوم، تلبّدتِ السُحُبُ في وجهي الذي تلاطمتْ عليه أمواجُ الديجور، استنفرتني رعشةُ الشتاءِ القارص، كُنتُ بينَ ألفِ طيفٍ أضمِّدُ حلمي الذي أحرقته أُمّي بسببِ الفقر، شممتُ شواءَ كُتُبي المدرسية، إذ لم نملكِ المالَ لعلاجِ أخي ذي الستةِ أشهر وعانقتْ روحُه السماء، قطعت أشجارَ عمري ثلاثون عامًا.. مرّتْ فلا أعلمُ هل سأتذوّقُ الربيعَ أم سيُمزِّقُ الخريفُ زهوري؟! ففي ليلةٍ من الليالي كأنّ السماءَ صبّتْ لعنتَها على الأرض، والظلامُ يثأرُ عنِ الكونِ والشمسُ انطفأت، الرياحُ تولولُ من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ ولا نسمعُ سوى زئيرها المُخيف، الأمطارُ تهطلُ بغزارة، المياهُ تتسابقُ في السواقي.. على حين غفلةٍ توالتْ طرقاتٌ مُتواليةٌ على الباب، تحرّكَ والدي مُتثاقلًا بعدَ أنْ أنهكَه العملُ في البستان، فتحَ البابَ، وإذا بامرأةٍ في العقدِ الخامسِ من العمر ترتعشُ كغصنٍ خاوٍ، عيناها العسليتان كادتا أنْ تفرَّا هربًا من زمهريرِ البرد، من معطفِها الفرو لاحتْ عليها بوادرُ الثراء، صوتُها ياسرُ السامعَ إلى عُمقِ روحها الهادئة. علمتُ من طريقةِ حديثِها أنّها ليستْ من العراق، أو من محافظةٍ أخرى، فلهجتُنا تختلفُ من مكانٍ لآخر، أصابنا الذهولُ؛ لأننا لم نفقهْ ما تقول. ولأني تعلّمتُ القرآنَ الكريمَ في مسجدٍ بعيدٍ عن بيتنا فأنا أُتقِنُ اللغةَ العربية الفصحى. - وعليكم السلام.. لُطفا سيّدتي تفضّلي إلى الداخل، تحدّثي رجاءً بالفُصحى لكي نتمكّنَ من فهمك، لعلّنا نستطيعُ أنْ نخدمَك بشيء.. - آسفةٌ بُنيّتي، أنا مغربيةٌ مُستقرةٌ في العراق مُنذُ عشرين سنة، زوجي (رحمه الله) كانَ رجلَ أعمالٍ يعملُ في هذا البلد، وتركَ لي ضيعةً هُنا في القرية، آتي إليها لأستمتعَ بهدوءِ الطبيعة، لكنَّ الشتاءَ والظلامَ غلباني، وعلقتْ سيارتي في الوحل، أحتاجُ المُساعدةَ منكم؛ لأنّني لم أستطِعِ الاتصالَ بولدي لانعدامِ الشبكة.. ردَّ أبي مُتفهِّمًا ومواسيًا.. - أُختي لن نستطيعَ فعلَ شيءٍ الآن، عندما يتوقّفُ المطرُ سنكونُ بخدمتك، أنتِ ضيفةٌ عندنا اليوم، لديَّ هاتفٌ نقّالٌ صغيرٌ اتصلي بولدك منه.. نظرَ إلى والدتي.. - تعالي يا أختي، سنقدِّمُ لكِ ثيابًا، فثيابُكِ مُبتلةٌ وقد تمرضين... قدمنا لها بعضَ الخبزِ والثمر، كانَ السرورُ يفيضُ من عيونِها امتنانًا لنا. ............. عبد الرحمن.. لطالما حلمتُ أنْ أكونَ رجلَ أعمالٍ مُهم، وهذا ما حدثَ بالفعل، فقد عشتُ حياةَ الغِنى والترفِ بكُلِّ ما تحمِلُ هذه الكلمةُ من معنى.. لقد بالغتْ أُمّي في تدليلي؛ لكوني الأصغرَ بينَ أولادِها، سافرتُ إلى الخارجِ لأكمِلَ دراستي، وتعرّفتُ على أصدقاءِ سوء، أصبحتْ حياتي كُلُّها سهراتٍ وعلاقاتٍ غيرِ شرعيةٍ مع النساء، وكُلُّ ما يخطرُ على البال.. كُنتُ شابًّا طائشًا.. لا أُنكِرُ ذلك، ماتَ والدي بعد تخرُّجي مباشرة، ذلك الرجلُ المُكافحُ الذي تشهدُ على صلابته الصخور.. ذلك العصامي الفذّ الذي كانَ يُقاتلُ ليجعلَ منّي رجلًا يُعتَمَدُ عليه.. لقد نجحتُ في حياتي ماديًّا، وصرتُ من أغنى الأغنياءِ في البلد، لكن لم أستطعْ أنْ أصيرَ سعيدًا، فأنا يتيمُ السعادة.. في ليلةٍ من ليالي الشتاءِ الباردةِ عُدتُ مُتأخِّرًا كعادتي للبيت، توجّهتُ للمطبخِ وإذا بي أجدُ رسالةً من أمّي على الثلاجة، مكتوبًا فيها: "السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته يا بُني، لقد ذهبتُ للضيعة، اهتمّ بنفسك.." عقدتُ حاجبي بضيق، ورميتُ باستنكارٍ الورقةَ في سلّةِ المُهملات.. أُمّي تُحِبُّ تلك الضيعة، ذكرياتٌ مُخلّدةٌ زرعتها مع والدي هناك، كُنّا عائلةً سعيدةً لا ينقصُها شيء، لكن ما لبثَ أنْ تشتّتنا بعد موتِ والدي، وهاجرَ كُلُّ إخوتي بعدَ حصولِهم على الميراث، ونسوا الأمَّ الأرملةَ تحيكُ ثوبَ الحدادِ قهرًا ووحدة.. صعدتُ لغُرفتي، وبينما أنا أمامَ المرآةِ أتأمّلُ هالاتِ عيني البُندقيتين وسارحٌ أتلمّسُ شعري المُجعّد، وحينما كُنتُ أُغيّرُ ملابسي، وضعتُ ساعتي الغاليةَ الثمن فوقَ المنضدة، فإذا بضربةِ رعدٍ زلزلتِ المكان، فقُطِعَ التيارُ الكهربائي على مضض، جلستُ على الأريكةِ المركونةِ بزاويةِ الغرفةِ قُربَ النافذةِ وبقيتُ أُردِّدُ: "سبحانَ الذي يُسبِّحُ الرعدُ بحمده والملائكةُ من خيفته". تذكّرتُ أُمّي المسافرةَ في مثلِ هذا الجو المكهرب، وقلقتُ عليها، حاولتُ الاتصالَ بها مرارًا وتكرارًا ولكن دون جدوى، بقيتُ أراقبُ قطراتِ المطرِ تنهمرُ بسخاءٍ على زجاجِ نافذتي وتحملُ مع كُلِّ قطرةٍ ذكرى، ومع كُلِّ غيمةٍ قطوفَ حياة.. يتبع..

اخرى
منذ أسبوع
49

لديك رسالة جديدة ١٠١

لديكَ رسالةٌ جديدةٌ(١٠١) بقلم: علوية الحسيني "إنّ الإنسانَ لم يكُنْ شيئًا موجودًا" هذه الحقيقةُ هي جرسُ تنبيهٍ لنا لكسرِ كُلِّ غطرسة؛ لنتذكّر أنَّ أصلَ الوجودِ من اللهِ الوهّاب، ولا زلنا به ومنه وإليه، وهذه هي حقيقةُ الفقر، وباستشعارِها جوهرُ العبودية. قال (تعالى): "هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا".

الخواطر
منذ أسبوع
129

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
144336

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
130031

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
85379

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
79116

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77747

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
72990