تصـنيف شخصيات النساء

قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ}(1). إنّ المرأة هي المدرسة الأولى في الحياة، وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية، وهي نقطة لانطلاق تلك المجموعة ، ولولاها لـما استمرت البشرية على وجه الأرض. ولهذا نجد أنّ الإِسلام يلقي الضوء في شريعته وأحكامه على المرأة ومكانتها في المجتمع والحياة، ويرتفع بها إلى مصاف الرجل، لها ما له وعليها ما عليه، بعد أن كانت المرأة مهضومة الحق في جميع الأنظمة الدولية التي وجدت قبل الإسلام. فالإِسلام هو الدِّين الوحيد الذي جاء لكي يعطي الصنفين الذكر والأنثى حقه في الحياة، وهو الدِّين الوحيد الذي أصلح عقلية الصنفين وبعث في الأذهان فكرة إعطاء حقوق المرأة وحفظ كرامتها. ومن ناحية أخرى فتح أمامها أبواب العلم والمعرفة، لكي تشعر المرأة المسلمة بمسؤوليتها في المجتمع ولكي يشعر المجتمع بوجودها وباعتبارها عضواً أساسياً في حياته، ولكي لا تُستغل إمكانياتها العاطفية والتكوينية استغلالاً ظالماً . ومن المؤسف أن نجد منظوراً مشابهاً لذلك، حيث إنّ هناك نظرة خاطئة لدى البعض عن الـمرأة، فـفئةٌ تريد أن تمنع عن المرأة حتى الضوء والهواء!. واخرى تريد أن تطلق لها العنان وتفتح لها الأبواب على مصراعَيها بزعم الحريّة!. ومما يؤسف أنّ بعض نسائنا تنتابها حالة من اليأس والشعور بعدم أهمية وقيمة دورها المناط بها شرعياً واجتماعياً مما يجعلها منطوية على نفسها، معتزلة لمجتمعها، وهذا أمر لا تُحمد عقباه، حيث نهت الروايات عن عدم الاهتمام بمجريات الامور في المجتمع حيث روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): مَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"(2). ومعنى [لا يهتم بأُمور المسلمين] عدم الاهتمام بأُمور المسلمين وعدم مطالعتها، وإن تمت مطالعتها فتترك بلا معالجة إن كانت سلبية أو عدم التركيز عليها وتنميتها إن كانت إيجابية. ومعنى [فليس بمسلم] هو عدم التسليم بالنهج الذي سار عليها السلف من القادة الهداة ومصداقه العزلة المنهي عنها التي توجب الأنانية وتمني الخير للنفس دون المجتمع. فعلى ذلك الأساس تصنف شخصيات النساء إلى التصنيف التالي: 1- امرأةٌ ساذجــة تعيش لتأكل وتشرب فقط، لا تبالي سوى الموضات والطبخات، تاركة الالتفات لعظيم المسؤوليات. 2- امرأةٌ متعلّــمة استطاعت أن تبتعد عن السذاجة بذاتها، فتعلّمت شيئاً من الحياة لكنها لم تتعلم ما هي الحياة وما فنّها. 3- امرأةٌ تعلّـمت من الحياة لكنها لم تتعلم ما هو الدِّين بشتى تفاصيله، وما إن تعلّمت جزءً منه فهي تعلمته لإنقاذ نفسها فقط أو للتباهي والرئاسة. 4- امرأةٌ متديّــنة لكنها لم تجعل خدمة الدِّين هدفها الأسمى ولم تتفاعل معه، فأصبحت متدينة روتينية فكان تعلّمها مجرد سد وقت فراغ كانت تعاني منه. 5- امرأةٌ مبدعة استطاعت أن تغوص في بحر علوم الدِّين وتطوعت لخدمة عياله الغافلين، لكنها غفلت عن اتخاذ القدوة فتارة تصيب واخرى تخطئ فأهلكها الغرور الكبرياء وعدم اليقين. 6- امرأةٌ فاطمية الأزل زينبية الحال مهدوية العهد والمستقبل، سارت في طريق الانتظار بكل توفيق، وهي تنهل من العلوم كل رحيق، فأصبحت امرأة فاعلة في بيتها بهدوءٍ وحكمة، وفي خارجه نبراساً ورحمة، تخاطب النساء بلغة العصر وبعذوبة الإيمان، تتعامل مع الواقع بقوة العقيدة وتزرع فيهنّ فن التأسي والسلوك القويم. فانظري يا رعاكِ الله مِن أيّ صنفٍ أنتِ؟ وهلمي للأكمل منها. _______________________ (1) آل عمران: 195. (2) الكافي: ج2، باب الاهتمام بأُمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم، ح1. علوية الحسيني

اخرى
منذ 4 سنوات
4137

بـوراق التوحيد الجلي عند الحسين بن علي (3) " وخسرَت صفقةُ عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيبا"

ما المراد من الخسران في هذه الكلمة ؟ هل هو خسرانٌ مادي أم معنوي؟ وأي نوعٍ من التجارة تلك حتى يشير إليها الإمام بلفظة صفقة ؟ وما وجه ارتباط خسران الصفقة بحب الله تعالى؟ نقول: إنّ المراد من الخسران المشار إليه هو خسرانٌ معنوي حتماً؛ إذ إنّ الإمام في إطار الوصول إلى الكمالات الروحية أثناء مناجاته مع الله تعالى، ولم يلتفت للجانب المادي ومتعلقاته -وإن كان يجوز التقرّب إلى المولى بالأمور المادية- . وسوف نجد ما يؤيد معنوية ذلك الخسران بين طيّات هذا المقطع الدعائي. أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أنّ الشيء محل الخسارة هو صفقة، مما يدل على أنّ هناك تجارة بين العبد وربّه، وبدمج لفظتي (خسِرَت) و (صفقة عبدٍ) -بعد معرفة أنّ الخسران معنوي- يتضح لنا أنّ الخسارة في الجانب العبادي، إذ هنا يصح اطلاق لفظ التجارة على العبادة لعلاقة المشابهة، بل وورد بيان أقسام العبادات على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما قال: "إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَار"(1). إذاً مَن يعبد الله تعالى فيمتثل لأوامره ويجتنب عن نواهيه لأنـه يرغب دخول الجنة والفرار من النار فذلك متاجرٌ معه سبحانه، وكأنّه يقول له: خُذ عبادتي وأشتري منك الجنة. وهذا النوع من العبادة حسن إلاّ أنّه ليس الكمال العبادي. لكن ممكن أن يرتقي العابد إلى عبادة الأحرار، وهي عبادة الله سبحانه لأنّه أهل للعبادة، باكتسائها ببارقة حب الله ومعرفته، ثم أداء شكره لأنّه سبحانه أهل للشكر، فيمتثل لأوامر ربّه بالجذبة الإلهيّة والنفحات القدسية. لكن ما سبب تلك الخسارة؟ هذا ما يجيب عنه الدعاء نفسه بقوله (لــم يجعل له من حبك نصيبا) فإنّ علامة صدق المحبّة هو اختيار ما يريده المحبوب، واجتناب منابع الشهوات التي تبعد عن ساحة قدسه، والإعراض عن الكسل في أداء الواجبات، والمواظبة على الطاعات، فكلّما اشتدّت الطاعة اشتدّ القرب من المحبوب سبحانه. فالقلب الذي لم ينشدّ إلى خالقه في انفعالاته وحبّه، من الطبيعي أن ينشدّ إلى معاني الجاه، والمال، ويرجو الناس، ويخافهم، ويكون عبداً للدنيا وملذاتها، ويكون قلبه كريشة في مهب الريح، تتذبذب، وتتقلب، وتتحرك، متأثرة بأبسط التغيرات التي تحدث في عالم المعاني الدنيوية. ومن هنا جاء في الآثار عن حديث قدسي : "لأقطعنَّ أمل كل مؤمل من الناس غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس"(2) فهذا ما يشير إلى وجوب العلقة بين العبد وربّه والانصياع لقضائه وقدره، ومحاولة فهم أن كلّ ما هو من الجميل جميلُ، عند ذلك تترسخ المحبة الإلهية في الأفئدة. وللمحبة الالهية آثار، بيان بعضها في ما أوحـى اللّه تـعـالـى إلـى بـعـض الـصـديقين : "أن لي عباداً من عبادي يحبوني واحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم ... أقل ما أعطيهم ثلاثاً: الاول: أقذف من نوري فـي قـلوبهم فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم. والثاني: لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في مـوازيـنـهم لاستقللتها لهم. الثالث: أقبل بوجهي عليهم[أي أشملهم برحمةٍ خاصة وجيهة]، أ فترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما اريد أن اعطيه ؟!" (3). وروي عن رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: قال اللّه عز وجل لداود (عليه السلام): أحببني وحببني إلى خلقي . قال : يا رب نـعـم أنـا احـبـك، فـكـيـف احـبـبك إلى خلقك؟ قال : اذكر أياديّ عندهم[أي نعمي عليهم]، فإنّك إذا ذكرت لهم ذلك أحبوني"(4). وبعد تلك الآثار الروحية أنّى لعبدٍ لم يجعل في صفقته نصيباً من حب الله جلّ جلاله؟!. ______________________ (1) نهج البلاغة: 234. (2) الكافي: ج2، ح7. (3) ميزان الحكمة: 3161. (4)المصدر نفسه، 3169. اللّهم يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني إلى قربك. علوية الحسيني

اخرى
منذ 4 سنوات
4862

ماذا يتمنى الأموات يا ترى؟

الدنيا دار غرور بل هي دار اختبار والإنسان يعيش معها صراعاً دائماً مع عناصر ثلاث: هي الشيطان والنفس والهوى، وجميعهم يمثلون معسكر تحدٍّ للإنسان في هذا العالم... عالم العبور... العبور إلى عالم أخر... عالم الخلود... عالم الرحمة... عالم الجزاء... ورغم انتقال الأرواح إلى ذلك العالم تبقى تستمد العون من هذا العالم الذي تركته ولها فيه أعمال وهذه الاعمال تمدها بالعطاء... عطاء يتلاءم مع ذلك العالم القدسي. الإنسان ما دام في الحياة الدنيا ينشغل بكثير من الامور الحياتية ويترك أو يهمل الاستعداد لعالم الآخرة. ولكن ما أن يتحول الى عالم الآخرة، وتتقطع كل خطوط الاتصال بالدنيا، فيثقل لسانه وتأخذه الهيبة والفزع وتصبح هذه اللحظات عنده من الرهبة...فيندم على أنه كيف امضى حياته غافلا عن هذه الساعة الرهيبة ... قال تعالى :{حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: 99-100] فيندم على ما فاته ويطلب فرصة أخرى في العودة إلى الحياة ليعمل صالحاً ويكفّر عن ذنوبه وأخطائه، ولكن هذا الادّعاء قد يكون كاذباً ، لأنه لو عاد البعض إلى الحياة لعاود سيرته الأولى ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) سورة الانعام (الآية ٢٨). هذه الفئة التي لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، فهم ممن أصبحوا رهائن ذنوب لا يطلقون قيودهم والأغلال التي طوقوا انفسهم بها ، فالذي كان بعيدا عن الله في حياته يرى نفسه فجأة أمام الموت، فينظر إلى ما قدّم في حياته فيرى أنه كان حريصاً على المال والدنيا ، مسرفا على نفسه، تاركاً الواجبات، مرتكباً الذنوب والمحرمات ، لذلك يتمنى لو يتركه ملك الموت حتى يرجع إلى الدنيا ، ولكن أنى له ذلك، فهو لن يفلت من قبضة ملك الموت، قال تعالى :( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) سورة الواقعة الآية ٨٥. لذلك يتمنى لو يعود لعالم الدنيا، لماذا يتمنى ذلك ؟ وماهي الاعمال التي يتمناها؟ -العمل الصالح : {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.سورة المؤمنون الاية 100 - بر الوالدين وصلة الرحم: وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): (بر الوالدين وصلة الرحم يهونان الحساب، ثم تلا هذه الآية {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} (الرعد: 21) (١). عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: "مَن أحبَّ أن يخفِّف الله عزَّ وجلَّ عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وَصولاً، وبوالديه بارّاً، فإذا كان كذلك هوَّن الله عليه سكرات الموت ولم يصبه في حياته فقرٌ أبداً"(٢) . - ليتصدق : ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) - كسوة المؤمن: عن الإمام الصادق عليه السلام: "مَن كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقَّاً على الله أن يكسوه من ثياب الجنّة، وأن يهوّن عليه سكرات الموت وأن يوسع عليه في قبره"(٣) . - صلاة الليل: يتمنى الميت لو يرجع ليصلي ولو ركعتين في جوف الليل لما رأى من فضلها . فقد ُروِيَ عن الإمام الرضا عليه السلام أنَّه قال: "عليكم بصلاة الليل، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلّي ثمان ركعات، وركعتي الشفع، وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرّةً إلاّ أجير مِن عذاب القبر ومِن عذاب النار، ومُدَّ له في عمره، ووسّع عليه في معيشته"(٤) فغاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة أو اقل بكثير ، ليتداركوا فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح. هل في ذلك موعظة لمن هو موجود في هذه الحياة الدنيا ؟! أما نحن أهل الدنيا فمفرطون في أوقاتنا؛ بل في حياتنا، نبحث عما يقتل أوقاتنا، لتذهب أعمارنا سدى في مهبّ الريح في غير طاعة الله وطلب رضوانه ، ومنا من يقطعها بالمعاصي والذنوب والعياذ بالله ، ولا ندري ماذا تخبئ لنا قبورنا من جنة و نعيم أو مآس وجحيم ، نسمع المنادي ينادي إلى الصلاة، ولكن لا حياة لمن تنادي. أنتبه !!! تذكر أمنيات هؤلاء الأموات الذين من حولك، المرتهنين بأعمالهم، واغتنم فرصتك في الحياة، لتذكر الله كثيرا، لئلا تكون غدا مع الموتى، فتصبح تتمنى كما بعضهم يتمنى. قال تعالى : { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ{56} أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{57} أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{58} بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ{59} وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ{60} وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }[الزمر: 56-61]. لذلك أيها الانسان الحي لا تغرك الحياة الدنيا بغرورها واعمل ما دمت في هذه الحياة لعالم سوف تكون فيه لوحدك . لأنك لو علمت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، فاحذر زلّة قدمك، وخف طول ندمك، واغتنم وجودك قبل عدمك. إنها قد تكون لحظات، فما ترى نفسك إلا في عداد الأموات، فانهل يرحمك الله من الحسنات قبل الممات، وبادر إلى التوبة ما دمت في مرحلة الإمهال، قبل حلول ساعة لا تستطيع فيها التوبة إلى ربك، قبل أن يأتيك الموت بغتة فيحول بينك وبين العمل فتقول متحسرا : { يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }. ---------------------------------------- (١) -مشكاة الأنوار / 1 / 128. (٢)- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص318. (٣)- الكافي، ج2، ص204. (٤) -بحار الأنوار، ج 87، ص، 161. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
35713

أطفالنا بين لَبْس الأحمر والأسود

بسم الله الرحمن الرحيم {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}(١) صدق الله العلي العظيم. جميعنا يعلم أنّ المسؤولية مهمة عظيمة في شتى المجالات، ومنها مجال التربية، فكلّ انسانٍ يولد على فطرة سليمة التي تشبّه بالأرض إن زرعت خيراً حصدت خيرا، وإن شراً فشرا... فتلك الفطرة سليمة أصالةً ملوثة عرضاً، بدليل قول الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(٢). ومحل شاهدنا هو تعمد بعض الوالدين تلويث فطرة أطفالهم بكلّ ما يخالف الشرع، أو يوجب زرع بذور تسبّب لهم مزالق فكرية وانحرافات أخلاقية في المستقبل. فاليوم نراهم في شهر محرم الحرام يزرعون في نفوس أطفالهم مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، فغالباً ما نجد بيتاً يخلو من أطفالٍ يرتدون السواد، ويظهر من تصرفهم الحداد، بل ويجسّد لنا تأسي الأطفال بعيال الحسين (عليه وعليهم السلام) حينما نرى مشاركة الأطفال في الزيارة الأربعينية مشياً وحبواً. فإن دلّ ذلك على شيء فإنّه يدلّ على سرعة تلقّي الطفل لما يتعلّمه، وتأثره ببيئته وكيفيّة تربيته، وهذا ما يحمد عقباه؛ إذ تبقى تلك التصرفات مركوزة في جبلته، ولهذا قيل: مَن شبَّ على شيء شابَ عليه. وما أجمله من حال لو شابَ أطفالنا على هذه الحال . إلاّ إنّنا نرى بعض الاسر تحاول تلويث ذلك النقاء بمحو المنغرسات العاشورائية الزاكية التي هم زرعوها في نفوس أطفالهم، ويكأنّ كلاً منهم يقول لطفله: انتهى هذا الدور يا ولدي قم لتؤدي دوراً آخراً يواكب ما يقوم به بعض أطفال المجتمع ! وإذا بالأُسر تُلبس أطفالها الثياب الحمراء في أيام رأس السنة الميلادية تأسياً بما يسمى (سانتا كلوز أو بابا نؤيل) ذلك الرمز المشير إلى الفساد وسيرته معروفة لمن شاء المطالعة. البعض يدّعي من احتفاله مع النصارى انّه يطبّق مبدأ التعايش السلمي، لـــكنه حتى بهذا المبدأ جاهلٌ تمام الجهل؛ حيث انّ التعايش الذي يهدف إليه ديننا الحق هو (التعايش السلمي الأخلاقي مِن حيث احترام اصحاب الأديان دماً ومالاً وعرضاً إن لـــم يتعرّضوا لانتهاك ديننا) ، وليـــس التعايش الفكري الذي به كاد البعض أن يخرجوا مِن الإسلام. إذاً فالوالدان هما من يربيان الأطفال على الازدواجية في الشخصية، وقد روي عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه و آله) : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه "(٣) . وحتماً حينما يكبر الطفل ويصبح أباً فإنّه سيربي أطفاله على النهج الذي تربى عليه، وتتوارث هذه التربية المغلوطة، وتنطمس وحدة الشخصية الاسلامية في اطفالنا وشبابنا وكهولنا !. وقفوهم إنّهم مسؤولون. وللقارئ نماذج من استقراءٍ بين فئات الأطفال يبيّن تأثرهم بمبادئ القضية الحسينية أجرته احدى الشبكات: يقول الطفل حيدر : سابقاً كنت شخصية مشاكسة غير مبالية، أما اليوم فأنا أحس بتغير كبير، فقد أصبحت متعاوناً مسارعاً في تقديم الخدمات والمساعدة، بصراحة أحس أني خلقت من جديد وأصبحت بفضل الله وبركات الإمام الحسين(عليه السلام) رادوداً حسينياً وهي أحسن وأثمن الأشياء، واطلب من الله الأمن والأمان لعراقنا الحبيب. ويقول الطفل أكرم: أتيت كي أشارك في خدمة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) لا لشيء بل لأحصل على الشفاعة والثواب ونحن نقدم خدماتنا لزوار الكرام ومنذ أربعة أعوام اطلب من الله التوفيق ومواصلة هذه الخدمة. ويصرّح الطفل سيف قائلاً: لي الفخر أن أتشرف بخدمة زوار الامام الحسين(عليه السلام) أقدم ذلك لأجل إرضاء الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، التحقت بهيأة بتشجيع من الأهل ولدي موهبة وطموح أن أصبح رادوداً أخدم سيدي ومولاي الحسين(عليه السلام) نَمَتْ هذه الموهبة والتحقت بمدرسة الرواديد الناشئين وتمرّنت، وأنا اليوم وبفضل الله رادود وخادم في هذا الموكب أشارك اخوتي هذا الثواب وهذه الخدمة... ويسترسل سيف قائلا: أرجو من جميع الإخوة أن يلتفتوا الى دراستهم ويحضروا واجباتهم المدرسية لأنهم يسهمون من خلال تفوقهم بنصرة الامام الحسين(عليه السلام) وإعلاء راية العلم والمعرفة وسيكونون قادة فعلاً، والعلم نور يهدينا الى جادة الصواب. ولم أعثر على استقراءٍ لتصريحات الأطفال بشأن التأسي بشخصية (سانتا كلوز) كي تكتمل صورة المقال، إلاّ أنّه يمكن القول بأنّ الترويج للفكر المسيحي الباطل لا يجوز . فضلاً عن اعتياد الأطفال على أخذ دور الازدواجية في جميع تصرفاتهم. فانتقوا من التربية أكمل صورها، واصنعوا لنا دعاةً بالحق صادحين، وعن دين الله مدافعين، ولدولة القائم ممهدين، لا شباباً بالازدواجية متصفين، ولبدع الغرب محيين، ولسنن دينهم طامسين. ______________________ (١) الصافات: ٢٤. (٢) الروم: ٣٠. (٣) بحار الانوار: ج٤، ص٢٨١. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 4 سنوات
5647

الحساسية الزائدة في فهم الكلام ...عذاب وخراب

يعاني بعض الناس من حساسية مبالغ بها تجاه كل ما يتكلم به الآخرون معه، فيحمله على أسوأ محمل، ويعيش حالة التأهب الدائم للرد على أي كلمة موجهة ضده وكأنه في حالة حرب. والعادة أن كثيراً من كلام الناس ليس دقيقاً كالكلام العلمي والمنطقي فتصدر من الناس كلمات كثيرة فيها عدة احتمالات، فإذا كنت تحملها على أسوأ المحامل فهذا يعني أن كل كلام الناس معك سيتحول إلى جرح وأذى وغيظ. وأنت لست مجبراً على معايشة أناس تراهم أعداءً بهذا الشكل، فاختر لك مجتمعاً تحسن الظن به، إن لم تتعلم حسن الظن. مع أن الحلم والصبر والمداراة والرفق بالناس لتحويلهم إلى أصدقاء من صفات المؤمن [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت:34- 35). بل هناك تكتيك أقوى للرد وهو التجاهل والحلم إن أردت الرد المناسب ضد من تظنه يريد أن يؤذيك، فإن كان فعلاً يريد إغاظتك فإن تمثيل دور من لم يفهم القصد سيغيظه أكثر، والحلم فدام السفيه وهو يرفع قدرك فوق الأذى، وإن كان لم يقصد أذيتك فتكون قد احتطت لدينك بالتجاهل فلم يصدر منك ظلم في حقه. والحساسية الزائدة والرد بعنف يجعل الناس تتقي لسانك وتتكلف في التعامل معك وقد ينقبض الصديق عنك، وفي كل ذلك ضرر لك، لأن شرّ الناس من أكرمه الناس اتقاء شره، وشر الإخوان من تُكُلِّف له، وشر الناس من لا يقيل العثرة ولا يقبل العذر. وهذه الحالة تنشأ من التكبر، وتؤدي إلى تقطع العلاقات الاجتماعية والظلم في العلانية والتوتر والغضب في السرّ، والأفضل للمؤمن التواضع وحسن الظن والحلم فإنه أهدأ للبال ويطيل العمر ويوطّد سبل التواصل مع الأرحام ومع جميع الناس، وهو جنة حاضرة والتكبر عذاب واصب. وأخطر ما في الأمر إنْ علّمْنا أطفالنا على ذلك المنهج في الحساسية المفرطة فنبهناهم على المحامل السيئة في نوايا الآخرين، والأطفال ليسوا مثل الكبار يقدرون على تمثيل الابتسامة أو السيطرة على الموقف والصبر بل ستصدر منهم الكلمات النابية ضد الآخرين مما يجرح شعورهم ويجعلهم يتوقعون التثقيف المعادي الذي يقوم بستره الكبار عنهم وتلقينه للأطفال. هدى الحسيني

اخرى
منذ 4 سنوات
14448

وأن الراحل اليك لقريب المسافة

بعد أن امتزجت دماء الآل بأديم كربلاء ووضعت المعركة أوزارها، نبّ صوت من رحم تلك الفاجعة، فملأ صداه الافق لتسمعه الأمم والاجيال المتعاقبة (أَلا من ناصر ينصرنا)... النداء الذي اطلقه الحسين عليه السلام في العاشر من محرم الحرام، كان بمثابة استنهاض للعقول التي تأخرت عن نصرته والتي لم تسمع به إلا بعد فوات الاوان.. هو نداء العزة لمن استجاب له. والاستجابة قد تكون بالحضور الجسدي، أو الروحي أو حتى بالاكتفاء بالزيارة عن بعد... وقد تمت ترجمة هذا الحضور بعد واقعة الطف على أشكال متنوعة تطورت ضمن كبرى إحياء الشعائر وتلونت بألوان عديدة، ومنها ما كان من هرولة من مركز تجمّع المعزين وصولاً الى مرقده الشريف باكين لاطمي الرؤوس، وهم يهتفون: لبيك يا حسين! وبتعاقب الازمنة صارت هذه الهرولة أشبه بالشعيرة المهمة -أو قل: عادة للناس- في اليوم العاشر بعد صلاة الظهر حيث عرفت هذه الهرولة أو الركضة بركضة طويريج .... أصل (ركضة طويريج) كما نُقل يرجع لسنة ١٨٨٥م، وذلك عندما كان الناس يستمعون الى قراءة المقتل الحسيني في الدار الكبيرة للعلامة السيد صالح القزويني، ومع نهاية المقتل ضجَّ الناس بالبكاء والعويل والنحيب بشكل لا إرادي، حيث فقدوا مشاعرهم لهذه الفاجعة واخذوا يلطمون على رؤوسهم. ولشدة المصيبة فقد طلبوا من السيد صالح القزويني الذهاب ركضاً الى المرقد المقدس لسيد الشهداء لتقديم العزاء لإمامهم المظلوم (عليه السلام) و فعلاً استجاب السيد لطلب الناس، حيث اركبوا السيد على ظهر الفرس، ثم تقدمهم بالمسير وهم يسيرون خلفه، وفي الطريق انضمت إليهم جموع من المعزين وهم يصيحون: وا إماماه، وأصبح الموكب هذا أشهر المواكب الحسينية على الإطلاق، إذ يمتاز بالركضة، ولأن غرضه التعبير عن الاستجابة لقول الامام الحسين (عليه السلام): الا من ناصر ينصرني… وسميت هذه الركضة بهذا الاسم وفق ثلاث تصورات الاول طويريج هو تحريف محلي لعبارة two way reach الانكليزية على اساس ان البلدة كانت المحطة الوحيدة الموصلة بين الطريقين الرئيسيين المتجهين الى الحلة شرقا لأحدهما والى كربلاء غربا للثاني، زاعمين ان تلك العبارة وضعت كعلامة مرور نصبتها القوات البريطانية المحتلة على مدخلي المدينة ومكثت فترة طويلة بعد انسحابها منها ثم تطورت التسمية مع الزمن فأصبحت "تويريج" ثم طويريج لصعوبة نطقها بالنسبة لمعظم الناس تلك الايام، الا ان هذا التفسير ضعيف ، اذ ليس هناك وقائع او وثائق تثبت وجود علامة مرور كتلك، كما أنه قيل: إن المس بيل التي زارت المدينة في 1917 واخذت لها صورا عديدة كتبت اسم طويريج هكذا: Tuwairij وليس كـ "two-way-reach" في عدة رسائل مهمة لها احداها في الاقل الى هنري دوبس المندوب السامي البريطاني في العراق تزف له نبأ احتلال طويريج التصور الثاني في كتاب "تاريخ المدن العراقية"، يذكر المؤرخ العراقي عبدالرزاق الحسني أن مدينة طويريج كانت في بدايتها تسمى "طريق المبتغى" الى كربلاء اذ انها في رأيه كانت الطريق الاقرب للوصول الى كربلاء لزيارة الامام الحسين (عليه السلام) ثم صغرت هذه الكلمة فقالوا على غير القياس (طويريق) ثم جرى عليها تصحيف آخر فأبدلت القاف جيما فصارت: طويريج. ثمة تصور ثالث لا يستبعد الاصل البدوي المحض لاسم طويريج بعد ان تأكد لدينا وجوده لدى القبائل العربية اذ يحمله عدد من الزعماء او الامراء منهم مثلا الامير طويريج بن هدل التميمي من شيوخ الشريفات في منطقة حفر الباطن. بيد أنه يعتقد البعض ان الاسم بابلي الاصول من ناحية المعنى في الاقل، وان الاسم البابلي مشابه للاسم الحالي على صعيد اللفظ ايضا ويعني الطريق الأقصر. وبالتالي فإن معنى طويريق كان لدى البابليين "طريق المبتغى" لزيارة كربلاء التي وقبل ان تصبح طريقا لزيارة الامام الحسين (عليه السلام) كانت مزارا مقدسا وينبغي التنبيه على أنه قد يكون لمناسبة أو شعيرة ما سلبيات معينة، ولكن بالتالي من الممكن معالجتها وتطويرها بما يواكب زمان ومكان ذلك الحدث. ففي التدافع وعدم الانتظام في الانسياب مثلا تأثير على الزيارة المخصوصة لسيد الشهداء في نهار العاشر، ولكن يمكن معالجة هذه الامور بتخصيص لجنة لمتابعة هذه الركضة وتنظيمها بشكل انسيابي، والاخذ على عاتقها بتحضير خطاب لكل سنة يذاع مع الركضة على المستوى الثقافي والديني، متضمناً أحكاماً شرعية، وكذلك حتى على المستوى العسكري من قبيل تعبئة المعزين وتثقيفهم ورفع همتهم عقائدياً، وبث فيهم روح التضحية من اجل المقدسات والدين. وهو ما نراه بمستوى جيد هذه الأيام من خلال إحياء ركضة طويريج بشكل انسيابي قدر الإمكان. رجاء الأنصاري

اخرى
منذ 4 سنوات
5233

مسيرة الاربعين .... رسالة سلام ومحبة وإنسانية الى العالم أجمع

كثيرة و متعددة هي الغايات والفوائد التي تترتب على زيارة الحسين (عليه السلام) مشياً على الأقدام .. فمن هذه الفوائد والآثار ما يلي : ١ - تـحصيل الأجر والثواب ، مهما كان منشأ السير وسببه ما دام مشروعاً وفي سبيل الله عز وجل. ٢ - التحلي بالقوة والشجاعة ؛ فإن السير لمسافات طويلة في ظروف خطرة وغير آمنة ؛ يؤدي بالتأكيد الى تحصيل القوة والشجاعة أو زيادتهما. ٣ - تفعيل قابلية الصبر وقـوة التحمل ، فإن الزائر الـماشي يتعرض لتعب وجوع وعطش ، ويتعرض لضغوط نفسية كثيرة من هذا القبيل تواجهه في الطريق ، فإذا تغلب عليها وسيطر على أحاسيسه ومشاعره ، فهذه نعمة عظيمة , بفضل زيارة الحسين (عليه السلام). ٤ - الإحساس بروح الكرامة والعزة ، وتذوق طعم الـمجاهدة في سبيل الله عز وجل ، فإن مثل هذه الاحاسيس تظهر بوضوح عند الزائر الذي يقطع الفيافي والـمسافات الطويلة مشياً على أقدامه ، فإنه يحس فعلاً انه في وسط المعركة بين الحق والباطل ، ويتذكر كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) حينما كان يقول : (ألا وإن الدعيّ بن الدعي قد ركزَ بين اثنتين ؛ بين السلَّةِ والذِلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والـمؤمنون ، وحجورٌ طابت ونفوس أبية ، من أن نؤثرَ طاعة اللئام على مصارع الكرام).. وكذلك يتذكر قوله (عليه السلام) : (صبرا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وهؤلاء أعداؤكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب أليم: إن أبي حدثني عن رسول الله: إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت)(١). وفي زيارة الحسين (عليه السلام) : ( لا ذليل والله مُعزّك , ولا مغلوب والله ناصرك )(٢) . ٥ - المشي لزيارة الحسين (عليه السلام) يرافقه في بعض الأحيان والظروف خوف وحذر نتيجة وجود بعض المخاطر ، ولو في بعض الأماكن التي يوجد فيها من لا يؤمن شره و لا تُؤمَن بوائقه ، أو حتى لوجود عوارض بيئية كشدة المطر أو البرد أو الحر .. وقد ورد في عدة أحاديث أن من زار الحسين (عليه السلام) خائفاً حذراً (يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر ، وتلقاه الملائكة بالبشارة ، ويقال له لا تـخف ولا تـحزن هذا يومك الذي فيه فوزك )(٣). وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (من خاف لـخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان يـحدثه الحسين(عليه السلام) تحت العرش ، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة)(٤). ٦ - من فوائد الزيارة الراجلة ، خصوصاً إذا كانت الـحشود كبيرة ، أنها تظهر قوة الشيعة الذين هم أهل الحق ، وصلابتهم وهيبتهم ، فهي مظاهرة إعلامية ذات تأثير واسع وفعال بإذن الله عز وجل . ولذلك نقول في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) : (أشهد أنك قُتلت ولم تـمت , بل برجاء حياتك حـيـيت قلوب شيعتك , وبضياء نورك اهتدى الطالبـون إليك )(٥) . ٧ - تعتبر هذه الـمسيرة السائرة مشياً على الأقدام نحو كربلاء ، رسالة سلام ومحبة و إنسانية الى العالم أجمع .. فهؤلاء الزوار يمثلون عدالة السماء ، حيث ينتصر المظلوم على الظالم ، وتأتي هذه الـحشود رجالاً ونساء وأطفالاً لتقول : أننا مع الـمظلوم ، وأننا ضد الظالم ، وأيدينا تصافح كل من أراد السير على هذه الـمبادئ والقيم المقدسة. وهكذا فإن الغايات كثيرة ، والآثار متعددة ، من قبيل تحصيل صفة التضحية والفداء ؛ وتحصيل روح التلاحم والأخوة في هذا الطريق الـحسيني، والتعرف الى وجوه صالـحة جديدة ، وغير ذلك مما لا يخطر في البال . ولنختم كلامنا بهذا الحديث الشريف ، فقد روي بأسناد معتبر عن الثقة الجليل معاوية بن وهب البجلي الكوفي انه قال (دخلت على الصادق صلوات الله وسلامه عليه وهو في مصلاه فجلستُ حتى قضى صلاته فسمعته يناجي ربه ويقول : يا من خصّنا بالكرامة ، وخصنا بالوصية ، ووعدنا الشفاعة ، وأعطانا علم ما مضى و ما بقي ، وجعل أفئدةً من الناس تهوي إلينا ، اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر ابي الحسين صلوات الله عليه الذين أنفقوا أموالهم ، وأشخصوا أبدانهم ، رغبة في بِرّنا ، ورجاءً لما عندك في صلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله ، وإجابةً منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدونا ، أرادوا بذلك رضاك ، فكافئهم عنا بالرضوان ، واكلأهم بالليل والنهار ، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلّفوا بأحسن الخلف ، واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد ، وكل ضعيف من خلقك أو شديد ، وشر شياطين الجن والإنس ، وأعطهم أفضل ما أمّلوا منك في غربتهم عن أوطانهم ، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم .. اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا ، خلافاً منهم على من خالفنا .. فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبدالله (عليه السلام) ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم الصرخـــة التي كانت لنا ، اللهم إني أستودعك تلك الأنــفس ، وتلك الأبدان ، حتى توافيهم على الـحوض يوم العطش)(٦). _______________________________ (١) عقائد الشيعة الإمامية، للشيخ الصدوق. (٢) زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في النّصف من شعبان. (٣) كامل الزيارات، لابن قولويه. (٤) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ووسائل الشيعة للحر العاملي. (٥) زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في النّصف من شعبان. (٦) كامل الزيارات لابن قولويه. بقلم: علي جابر

اخرى
منذ 4 سنوات
2912

شبهة معارضة الامام السجاد (عليه السلام) للجهاد

نقل بعض الكتاب أن الامام السجاد (عليه السلام) لم يكن له حظ من الجهاد و أنه قد اعتزله عن قصد بل ونسب اليه البعض معارضته للجهاد بالسيف لما رأى ما حصل لأبيه عند مقارعته الحكام الظالمين من قتل ولعياله من سبي في واقعة الطف الأليمة، حتى قال أحدهم: " كانت فاجعة مقتل أبيه التي شاهدها ببصره أقسى من أن تتركه يطلب بعد ذلك شيئاً من إمارة الدنيا، أو يثق في الناس، أو يشارك في شأن من شؤون السياسة، اعتكف على العبادة..." (1) وفي الحقيقة إن هذا الرأي هو عين الخطأ وبعيد عن الصواب ويمكن رده من وجوه عديدة : أولاً: السياسة من مسؤولية الامام .. الإمام وكما عرفه فخر المحقّقين: هو الذي له الرئاسة العامّة في اُمور الدين والدنيا ، نيابةً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وإذا كان منصب الإمامة بهذه السعة في شمول نفوذه فلا يمكن أن يُتصور انفكاك الامامة عن الجانب السياسي فضلا عن أن يكون للإمام نفسه التخلّي عنها أو اعتزالها، لا سيما إنها منصب لا بد من أن يجتبي الله (تعالى) له من يراه جديرا به، باعتبار أنّ ذلك لا يمكن أن يعلم به سوى عالم الغيب والمطّلع على السرائر وليس هو إلا الله تعالى. ولهذا فقد اختصّت الإمامة عند الشيعة بهالة من القدسية، جعلتها تضاهي منزلة النبوة إلا أن النبوّة تمتاز بالوحي المباشر من الله (تعالى)، بدليل قول الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَ بعدي ..."(3) . فإذا اتضحت منزلة الامامة فمن الواضح جدا أيضا أن تكون السياسة من صميم شؤونها لأنها من صميم شؤون النبوَة، ومسؤوليات النبيّ (صلى الله عليه وآله)المهمة وذلك واضح لكل لمن ينتمي إلى الإسلام ولمن لا ينتمي له ولا يفتقر لأي دليل .. وبما إن الامام زين العابدين (عليه السلام) قد اجتباه الله (تعالى) لمنصب الامامة فلا يمكن إذن أن يهمل الجانب السياسي لأنها جزء من مهامه كإمام. نعم، قد تضطره الظروف الموضوعية إلى عدم إعلان الجهاد، أو إلى تأخير القيام، وهذا بحث آخر، المهم أن نعرف أن الإمام له شأنية القيادة السياسية إذا ما أتيحت له الظروف المناسبة. (كما سيتضح هذا الأمر أكثر في: ثانياً) ومن هنا نرى أن الامام السجاد (عليه السلام) يرى الفضل بإشهار السيف، فقد سئل الامام زين العابدين (عليه السلام)عن تفسير قوله (تعالى):"ثُمَ أوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِد وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ بإذنِ اللهِ ذْلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبيرُ"(3) . قال (عليه السلام):نزلت والله فينا أهل البيت ثلاث مرات. قال الراوي: أخبرنا: مَنْ فيكم الظالم لنفسه? قال عليه السلام: الذي استوت حسناته و سيئا ته، وهو في الجنة . قال الراوي: والمقتصد? قال عليه السلام: العابد لله في بيته حتّى يأتيَهُ اليقين. قال الراوي: فقلت: السابق والخيرات? قال عليه السلام: مَنْ شهر سيفه، ودعا إلى سبيل ربه.(4) إذن فاعتقاد الإمام السجاد (عليه السلام) أنّ الفضل والسبق يتحقّق بإشهار السيف، لا يتلاءم مع نسبة معارضته للجهاد بالسيف كما هو واضح. ثانياً: إن الخروج بالسيف مشروط بما يحقّق الأهداف المطلوبة منه، وهي لا تتحقّق بالخروج العشوائي بل يتطلب تأهب الخارج لها، وإعداد العدة اللازمة للأمر من قوّة وعُدّة. وإلا فإنّ الانفراد في الساحة بلا أنصار، أو بأنصار غير كفوئين، أو من غير تخطيط مسبق مدروس، أو في ظروف غير مناسبة لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة من الجهاد بل قد يزيد الاوضاع سوءً ولو كان القائد خارجاً بأقوى سيف .. وقد أوضح ذلك الامام السجاد (عليه السلام) نفسه عندما اعترض عليه معترض بترك الجهاد، والالتزام بالحجّ، بقوله: تركتَ الجهاد وصعوبته، وأقبلتَ على الحجّ ولينه، والله (عزّ و جلّ) يقول: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون إلى قوله وبشّر المؤمنين"(5) . فقال الإمام (عليه السلام): "إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ ".(6) وقد صرحت بذلك وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث قال:" يا أخي، عليك بالصبر، إلا أن تجد أعواناً وأنصاراً، فاشهر سيفك حينئذٍ، فإن لم تجد أعواناً وأنصاراً، فاحقن دمك، فإنّ القوم لم ينسوا قتل ساداتهم في مواقفك التي شرّفك الله تعالى بها في دينه" (7) نعم ، قد يضطرّ الواقع إلى الإقدام على الخروج المسلّح، وإن لم توجد شروطه المادية لحاجة الوضع إلى الإثارة والتيقن من تحقيق الهدف بهذه الاثارة كما حصل لسيد الشهداء إذ إنه أقدم على الجهاد المسلح رغم قلة الناصر وذلك عندما رأى الأمة تحتضر فكانت واقعة الطف الفجيعة بمنزلة صدمات أحيت هذه الأمة من رقادها وأفاقتها من سباتها .. ثالثاً: حضوره ودوره في كربلاء لقد حضر الإمام السجاد عليّ بن الحسين (عليه السلام) في معركة كربلاء، إلى جنب والده الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ما فتئ يلهج لسانه بالشهادة وأنه سيقتل ومن معه وأنه مصمم على الشهادة وهذا مؤشر على عدم معارضته للجهاد بالسيف. لاسيما إن الامام الحسين (عليه السلام) قد أذن لمن معه بالانصراف من ساحة المعركة ليلة العاشر من المحرم بقوله: "ألا، وإنّي قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذِمام، هذا الليل قد غشيكم فاتَخِذوه جَملاً "(8). وقد كانت الأخطار محدقة بكل من كان مع الامام الحسين (عليه السلام)، بل وعلم جميع مَنْ بقي مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، بأنّ ما يقوم به الإمام ليس إلا فداءً وتضحية، لحاجة الإسلام إلى إثارة، والثورة إلى فتيل ووقود. ومن البديهي إن الامام السجاد (عليه السلام) هو الآخر كان عالما بذلك إذ لا يمكن أن تخفى مثل هذه الحقيقة عليه وهو الذي كان يومئذ في عمر الرجال، وقد بلغ ثلاثاً وعشرين سنة وكان ملازماً لأبيه الشهيد منذ البداية وحتّى النهاية. فكان حضوره مع أبيه (عليه السلام) وحده مؤشراً كافياً على روح النضال مع بطولة فذّة فضلا عن عدم معارضته للجهاد البتة... على أن هناك بعض النصوص التاريخية التي تدل على ان الامام السجاد قاتل في كربلاء ، وناضل إلى أن جُرِحَ، منها ما جاء في أقدم نص مأثور عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذكر أسماء مَنْ حضر مع الامام الحسين (عليه السلام)، وذلك في كتاب (تسمية مَنْ قُتِلَ مع الحسين عليه السلام من أهل بيته وإخوته وشيعته) الذي جمعه المحدّث الزيدي الفُضَيل بن الزُبير، الأسدي، الرسّان، الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) فقد ذكر ما نصّه: "وكان علي بن الحسين عليلاً، وارتُثَ يومئذٍ، وقد حَضَرَ بعض القتال، فدفع اللهُ عنه، وأخِذَ مع النساء"(9) وعلى الرغم من وضوح النصّ في قتال الإمام السجاد (عليه السلام) في كربلاء فإن كلمة (ارْتُثَ) تدل على ذلك أيضاً، لأنها تقال لمن حُمِلَ من المعركة بعد أنْ قاتل واُثخِنَ بالجراح، فاُخرج من أرض القتال وبه رَمَق، كما صرّح به اللغويون (10). بالإضافة الى أن حمل السلاح ودخولُ المعركة إن كان للأصحاء بطولة فهو للمريض الذي يقاتل إلى أن يُجرح ــ والمريض وبنص القرآن ليس عليه حرج أي ان الجهاد ليس واجباً عليه ــ بلا شك لهو أشد بطولةً.. رابعاً: للسياسة والجهاد صور أخرى .. يخطئ من يعتقد إن السياسة منحصرة في تسنم دكة الحكم أو أن الجهاد منحصر في حمل السلاح والولوج الى ساحة المعارك وإسالة الدماء وما الى ذلك، بل إن هناك صور كثيرة للجهاد التي يمكن من خلالها الدفاع عن الدين وصونه من الانحراف والتزييف، والمتتبع لسيرة الامام السجاد (عليه السلام) يلمس ذلك بوضوح فقد قام بأعمال سياسية تتناسب والوضع الذي كان يعيشه والتي حققت فيما بعد أهدافا كبيرة كالحفاظ على الفكر الاسلامي الصحيح ومحاربة العقائد الباطلة في مرحلة من حياة الامة الاسلامية حرجة وخطيرة. فهو (عليه السلام) وإن لم يستخدم السلاح الحديديّ إلاّ أنّه جاهد بكل الأسلحة الأخرى التي لا تقلّ أهميّة وخطورة كسلاح الكلمة من خلال الخطب والمواعظ، وسلاح العلم بالتثقيف والإرشاد، وسلاح الأخلاق بالتربية والتوجيه، وسلاح الاقتصاد بالإعانات والإنفاق، وسلاح العدالة بعتق الرقاب، وسلاح الحضارة بالعرفان. ولا يخفى على المطلع لواقعة الطف الدور البارز للإمام السجاد(عليه السلام) في توضيح الحقائق وإماطة اللثام عن وجه المجرم الحقيقي في تلك الواقعة الأليمة وذلك في سجاله مع ابن مرجانة اللعين... فقد روي أن عبيد الله بن زياد (عليه لعائن الله ) التفت إلى الامام علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟! فقال له علي: «قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين قتله الناس». فقال: بل الله قتله. فقال له علي: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) ». فقال ابن زياد: وبك جرأة على جوابي، اذهبوا به فاضربوا عنقه. فسمعت به عمته زينب، فقالت: يا بن زياد، إنك لم تبق منا أحداً، فان كنت عزمت على قتله فاقتلني معه. فقال علي لعمته: «اسكتي يا عمة حتى أكلمه». ثم أقبل إليه فقال: «أ بالقتل تهددني يا بن زياد، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة»(11). كما إنه (سلام الله عليه) قد مزق غطاء الشرعية الذي كان بنو أمية يتخفون به ليظهر حقيقتهم البشعة الى أهل الشام الذين كانوا يعتقدون بأن ركب السبايا من الخوارج، فخطب (عليه السلام) في مجلس يزيد معرفا بنفسه وأنه ليس من الخوارج كما ادعى يزيد (لعنه الله) بل هو الأحق بالخلافة منه لأنه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والنساء بنات الرسالة : " أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربه مكان قاب قوسين أو أدنى. فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذن: أذن، فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، جلس علي بن الحسين (عليهما السلام) على المنبر، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، بكى علي بن الحسين (عليهما السلام)، ثم التفت إلى يزيد فقال: يا يزيد هذا أبوك أم أبي؟ قال: بل أبوك " (12) وهل قول كلمة الحق في مجلس السلطان الجائر إلا الجهاد عينه؟ وبهذا كان سدّاً منيعاً في وجه أخطر عمليّة تحريف استهدفت إبادة الإسلام من جذوره، في الحكم الأمويّ الجاهليّ. بل ولم يقتصر دوره على الدفاع وإنما تعداه ليشنّ على الطغاة الحاكمين، وأمثالهم من الطامعين، حرباً شعواء، من خلال تدابير دقيقة وبمنتهى السريّة والذكاء، كانت باردة صامتةً بيضاء في البداية، إلا انها ما لبثت أن أثمرت ثورة صبغتها دماء طاهرة من شيعته.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نظرية الإمامة ص 349 ، وانظر ثورة زيد لناجي حسن ص 30 -31 (2) النكت الاعتقاديّة ص 53 جواب السؤال ( 91 ) (3) فاطر 32 (4) شواهد التنزيل للحسكاني ج2 ص 104 رقم ( 782 (5) التوبة 111 (6) الاحتجاج للطبرسي ص 315 (7) المقنع في الإمامة ص 99 (8) مثير الاحزان ج3 ص4 (9) تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، مجلة (تراثنا) العدد الثاني ص 150 ، نقلاً عن جهاد الامام السجاد ع ص365 (10) لاحظ مادة (رثث) من كتب اللغة، وقد صرحوا بأن الكلمة بالمجهول ، انظر لسان العرب ج2 ص 457 (1) (11) الملهوف على قتلى الطفوف ص203 (12) العوالم ج1 ص413 و432 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
13254

الطلاق حياة جديدة أم بداية ألم؟!

تشير اغلب الاحصائيات العالمية إلى أن نسبة الطلاق على مستوى العالم اكثر بكثير من نسبة الزواج، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على ان اغلب حالات الزواج لم تكن تستند على أسس قويمة بل إنها تفتقر الى المقومات الروحية والنفسية التي تجعل العلاقة الزوجية قوية. فإذا كان الزواج قائماً على أساس جمال المرأة أو كان قائماً على أساس غنى الرجل مادياً فسرعان ما تتلاشى مثل هكذا علاقات وتنتهي بسرعة تاركة وراءها انكسار نفسية الزوجين وتحطيم معنوياتهم. يجب أن يكون الزواج مبنياً على أسس متينة، كالتوافق الاجتماعي بين الزوجين والانسجام الفكري والصلاح الأخلاقي الذي يوظّب ويرتب الاختلافات الطبيعية التي تحدث بين الزوجين، فالأخلاق هي الأساس في استقرار الحياة الزوجية؛ لأنها الشعلة الروحية التي تضفي المحبة في قلب الزوجين. لا يمكن أن يكون هنالك انسجام فكري بنسبة 100% فهذا مستحيل، ولكن ممكن أن يكون الزوجان متفقين على الأمور المشتركة في إدارة الأسرة بما فيها تربية الأطفال ورعايتهم، وهذا ما يحقق نجاحاً في العلاقة الزوجية يقودها إلى بر الأمان ويبعث فيها السعادة، وهذا هو المطلوب. ماذا لو انقطعت لغة التواصل والتفاهم بين الزوجين، واصبحت حياتهما قائمة على أساس الكراهية وكيل التهم والشتائم والبحث عن عيوب الآخر، والنتيجة فقدان الرغبة في العيش سوياً، فلا احترام بينهما ولا حب ولا ودّ يذكر، بل قد تصل العلاقة إلى طريق مسدود. هنا يكون الطلاق هو المنقذ لعلاقة فاشلة استمرت لسنوات أو أيام، فعندما شرّع الله تعالى الطلاق أراده أن يكون بداية لحياة زوجية جديدة تختلف عن الأولى، فمن الممكن أن يختار الزوج زوجة أخرى يعيش بسعادة معها، ويستطيع أن ينسجم ويتفاعل معها أكثر، ومن الممكن أن تعيش المرأة بعد الطلاق مع شخص ينسجم مع افكارها وتوجهاتها أكثر، وبهذا يكون الطلاق حلاً يؤسس لحياة زوجية أخرى أفضل من بقاء الزوجين مع بعضهما البعض ولا حياة بينهما تذكر سوى البعد العاطفي والنفسي والذي يسبب مشاكل وعقد نفسية لكليهما. بعد أن تتم عملية الطلاق سترافق الزوجان المنفصلان مشاعر سلبية ويسيطر عليهما الحزن والاكتئاب والقلق والتوتر وهذا أمر طبيعي كناتج لإفرازات الطلاق وتلك الحياة التي عاشاها سوية، فاللحظات التعيسة التي قضوها معاً سيتم استرجاعها عن طريق مخيلتهما وهذا ما يسبب لهم آلاماً نفسية عديدة يمكن أن تدفع بهم إلى عدم التفكير بخوض تجربة الزواج مرة أخرى تجنباً للفشل، فتكون مشاعر الخوف مسيطرة عليهما لفترة من الزمن ويمكن أن تمتد إلى وقت طويل وخصوصا للمرأة، بسبب نظرة المجتمع السلبية اتجاه المرأة المطلقة، وتزداد آلام المرأة مع وجود طفل أو طفلين فتكون حريتها مقيدة ولا تستطيع الزواج بوجود هؤلاء الأطفال، وتبقى تكرس حياتها من أجل أولادها، أما بخصوص حاجاتها البيولوجية والنفسية والعاطفية فهي تقوم بسحقها والتضحية بها وهذا خلاف الطبيعة. فكبت حاجة النفس والبدن تسبب قصر العمر ولها سلبيات نفسية عديدة. ونقول هنا: إن اغلب الرجال الذين ينفصلون عن زوجاتهم يستطيعون أن يعيشوا تجربة زواج أخرى أسرع من المرأة بكثير بسبب ما ذكرناه من نظرة المجتمع للمرأة المطلقة، فالمجتمع ينظر للرجل باعتباره رجل ولا ينقصه شيء فله الحق في الزواج والطلاق متى شاء، أما المرأة فلا يحق لها الزواج مرة أخرى وخصوصاً في ظل وجود أطفال تخلى عنهم والدهم! ومن هنا نقول إنه يجب على الزوجين بعد الانفصال الاستفادة من الاخطاء التي أدت إلى فشل حياتهما الزوجية وأخذ العبرة منها ليتسنى لهما اختيار شريك جديد لحياتهما متناسباً وفق أسس معيارية قوية تكون كفيلة لبناء أسرة سعيدة. فلا يمكن أن يكون الطلاق دوماً بداية لمعاناة وألم، وخصوصاً في ظل وجود الأطفال، فيجب أن يتفقا ويحلا موضوع الأبناء ولا يتخذانه وسيلة للتشفي والضغط على الآخر بل يجب عليهما أن يبديا حياة جديدة ليعيشا بسلام وبوجه جديد وقلب جديد قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
11775

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
144337

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
130032

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
85381

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
79116

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77747

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
72991