أفضلُ العبادة

أفضلُ العبادة بقلم: مجتبى علاء رويَ عن الإمامِ علي (عليه السلام): "أفضلُ العبادةِ غلبةُ العادة" ذُكِرَ في إحدى الدراسات أنَّ ما يقربُ من ٤٣٪ من سلوكياتنا اليوميةِ يتمُّ إجراؤها على أساس العادة. ولو أردنا الكلامَ عن العادةِ لوحدها مُجرّدةً من كونِها من العاداتِ المُهلكةِ للإنسان أو المُنجيةِ له فيُمكِنُ القولُ: (إنّها روتينٌ سلوكيّ، يتكرّرُ بانتظام، ويميلُ إلى الحدوثِ دونَ وعي). والعادةُ تجرُّ الإنسانِ إلى ارتكابِ أمرٍ دون تأمُّلٍ وتدبُّرٍ في عواقبه أحيانًا، فإنْ كانت فعلًا صالحًا فلا بأس على الإنسانِ، بل هي تساعده في هذه الحال، على نقيض ما لو كانت فعلًا سيئًا؛ فإنّها تجعلُ من التخلُّصِ منها والتوقُّفِ عن ذلك الفعلِ السيّئ أمرًا عسيرًا، ولذا تجدُ الكثيرَ من المُذنبين عندما يلتفتُ إلى نفسه بعدَ ارتكابِ الذنبِ فإنّه يشعرُ مُباشرةً بالندمِ وبالكآبة الشديدة، وقد يكونُ هذا النادمُ من الذين تابوا قبل مدةٍ وعزمَ على تركِ هذا الذنب لكنّه يُلاحَظُ بأنّه مالَ له دون وعيٍ وتفكيرٍ لتجذُّرِه فيه. ولذا رويَ عن الإمام علي (عليه السلام): "للعادةِ على كُلِّ إنسانٍ سلطان"، و "العادةُ عدوٌّ مُتملك" فهذا العدو يُرافقُ الإنسانَ طوال يومه وهو غافلٌ عنه، وإن التفتَ إليه في بعض الأحيان فسيبقى مُتسلِّطًا عليه ومُتجذِّرًا فيه إلى درجة الظنّ بعدمِ المقدرةِ من التخلُّصِ منه لصعوبته. وهو ظنٌّ لا يغني عن الحقِّ شيئاً؛ إذ لو كانَ ذلك حقًّا لانتفتِ الفائدةُ من إرسالِ الرسل الذين يحملون تغييرَ العاداتِ السيئةِ في مُختلفِ جوانبِ الحياةِ على صعيدِ العبادةِ والأخلاقِ والمُعاملات رسالةً وهدفًا، ولا يكونُ هناك فائدةٌ من القرآنِ الكريم والأحاديثِ الشريفة؛ لأنّ المواعظَ والإرشاداتِ التي في هذه المصادر تكونُ غيرَ مؤثِّرةٍ ولا يُرجى منها نتيجةٌ، ولا تكونُ هناك فائدةٌ للدروسِ والكُتُبِ الأخلاقية، ولا لكلامنا هذا أيُّ فائدةٍ.. على حين إنَّ الأمر على خلافِ ذلك؛ فللإنسانِ القدرةُ على التغييرِ، بل ويبدأ التغييرُ منه، قال (تعالى): "إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم". فالقدرةُ على التغييرِ مُتوفّرةٌ في الإنسان، لكنّها مُتوقّفةٌ على عزمه وجهده. وقد رويَ عن مولى الموحدين (عليه السلام) ما يزيدُ الرغبةَ في نفوسِ أهلِ التغييرِ والارتقاءِ المعنوي والمادي قوله: "غالبوا أنفسَكم على تركِ العاداتِ تغلبوها، وجاهدوا أهواءكم تملكوها". فتغييرُ العاداتِ أمرٌ ممكنٌ رغم صعوبته إلا أنَّ الحكيمَ يختاره لا للنجاةِ من المهالك في الدنيا والآخرة فقط بل ولاكتساب الدرجاتِ العالية والمقاماتِ الراقية؛ رويَ عن الإمام علي (عليه السلام): "غيرُ مُدرك الدرجات من أطاعَ العادات"، وعنه أيضًا: "بغلبةِ العاداتِ الوصولُ إلى أشرفِ المقامات". وإنْ كانَ تغييرُ العاداتِ ممكنًا، فالوقايةُ منه كذلك من بابٍ أولى، وأيسر بكثير؛ من هنا يؤكِّدُ علماءُ الأخلاقِ على أنْ يحذرَ الإنسانُ من تكرار أيّ ذنبٍ؛ خوفًا من أنْ تنموَ هذه النبتةُ الصغيرةُ لتصيرَ شجرةً ذات جذورٍ قويةٍ ومتينةٍ يصعُبُ اقتلاعه. ولذا فقد أكّدَ أهلُ البيت (عليهم السلام) تأكيدًا شديدًا على مراقبةِ النفسِ أثناءَ اليوم، ومن ثم محاسبتها، فقد رويَ عنِ الإمامِ الكاظم (عليه السلام): "ليسَ مِنّا من لم يُحاسبْ نفسَه في كُلِّ يوم؛ فإنْ عملَ خيرًا استزادَ الله منه وحمدَ اللهَ عليه، وإنْ عملَ شيئًا شرًا استغفرَ اللهَ وتابَ إليه" فلنعزمْ جميعًا على أنْ نشحذَ الهممَ على تغييرِ عاداتِنا السيئة، وجعلها تصبُّ في رضا اللهِ (تعالى) وإمامِ الزمان (روحي فداه).

اخرى
منذ 5 أيام
55

بلسمُ روح (1)

بلسمُ روح (1) بقلم: فاطمة البعّاج يا أمانَ أهلِ الأرض.. كانَ جالسًا في مُصلّاه يقرأُ بتمهُّلٍ، فإذا بِهِ يصلُ إلى هذه الكلماتِ النورانيّة: رويَ عن الإمامِ المهدي (عليه السلام) أنّه قال: "إنّي لأمانٌ لأهلِ الأرضِ كما أنّ النجومَ أمانٌ لأهلِ السماء..".. فأخذَ طالب بالبكاءِ بِصوتٍ خافتٍ، تتخلّلهُ تمتمةُ المُناجاةِ مع ربّه وهو يقولُ ويدُه تُجفِّفُ دموعَه: اللهمّ إنّي أتوجّهُ إليك بحقِّ وليّك في أرضِك، بحقِّ مولاي الإمامِ المهدي، يا ربّ عجِّلْ بِشفاءِ زوجتي واحفظها لي وَلِعيالِها يا ربّ.. ثم عطفَ قلبَه على التوسُّلِ بوليّ اللهِ الحُجّةِ (عليه السلام) فقال: سيّدي ومولاي يا أبا صالح جُعِلتُ فِداكَ يا مولاي يا بن الحسن أدركْنا ولا تُهلكْنا بما سلفَ مِنّا.. هذه زوجتي نرجسُ أصبحتْ عليلةَ الجسدِ، فاقدةَ السيطرةِ على عقلِها، يا مولاي أدركْها؛ فإنّني عرفتُك بسببَها هي وبسببِ وجودها معي... سيّدي يا صاحبَ العصر والزمان أدركْنا.. وبكى طالبُ بمرارةٍ حتى علا صوتُ الحاجّ عليٍّ وهو يُرتِّلُ آياتِ الذكرِ الحكيم قبلَ أذانِ الفجرِ، فحاولَ أنْ يتماسكَ، وأخذَ يبعثُ تنهُّداتٍ محزنةً نحو السماء، وأغلقَ الكتبَ التي كانَ يُطالعُها عن دورِ الإمامَ المهدي (روحي فداه) في زمنِ غيبتِه، وكيفَ يكونُ قريبًا من المرضى والفقراءِ خصوصًا المُنكسرةِ قلوبهم؛ فهو كالبلسمِ الذي يشفي جراحَ قلوبِ المنتظرين. أقبلَ أبوهِ هاشم فوجدَه ساجدًا يدعو اللهَ (تعالى) بِحُرقةِ قلبٍ، فَتَبَسَمَ راضيًا بِقضاءِ اللهِ (تعالى)، ثم ذهبَ ليتوضّأ ويقرأ شيئًا من القرآنِ الكريم.. وبعدما انتهيا من الصلاةِ والدعاءِ والتوسُّلِ بالإمامِ الحجة (عجّل الله فرجه الشريف)، قال هاشم: -بُني طالب، أنتَ ثمرتي في حياتي.. نعم، أنتَ ثمرةُ حُبّي وعلمي.. تربيتُك وشخصيتُك الآنَ هي نتيجةُ ذلك الزيّ الذي ارتديِتُهُ أنا.. فينبغي لك التصبُّرُ والتقرُّبُ كثيرًا من بقيةِ الله (روحي فداه) -نعم، أبتاه هو كذلك، ليسَ لي سواه أحدٌ.. -يا بني، هوِّنْ على نفسِك، أعلمُ أنَّ مرضَ زوجتِكَ شيءٌ مُحزنٌ للغاية، لكن هذا ما قدّرَه اللهُ (تعالى) لك ولأبنائك كي يختبرَ صبرَك وقدرةَ تحمُّلِك. -أبي أنتَ لديكَ من علم آلِ محمد (صلى الله عليه وآله)، وأنا على يقينٍ بأنّ لك منزلةً عند الله ربّي وربك، وأنّك أقربُ إلى إمامي منّي، فادعُ لزوجتي بأنْ تتحسَّنَ حالتُها الصحية، وتعودَ كما كانتْ تُزهِرُ حياتَنا... -إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)، حتمًا سأدعو لها كثيرًا؛ فهي بمنزلةِ ابنتي. يتبعُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى).

اخرى
منذ 5 أيام
57

لديك رسالة جديدة ١٠٤

لديكَ رسالةٌ جديدةٌ (١٠٤) بقلم: علوية الحسيني صحيفةُ أعمالِك لن يُمليها إلا أنت، أيامُ عمرِك لن يعيشها إلا أنت؛ فجاهدْ على أنْ تكونَ لك خلوةٌ بربك؛ فارًّا من الأقربين والأبعدين؛ استعدادًا ليومِ الفرارِ العظيمِ للربِّ العظيم. قال (تعالى): "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه* وَأُمِّهِ وَأَبِيه* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه"

الخواطر
منذ 5 أيام
148

فنجان قهوة

(96) قالَ مُحِبّوها: في كُلِّ صباحٍ يتجدّدُ العهدَ مع فنجانِ القهوة. وأنتَ.. أ تُجدِّدُ العهدَ مع نفسك؟! مع إمامِ زمانِك؟! مع خالقِك؟! بأنْ لا تُذنِبَ هذا اليوم!

اخرى
منذ 5 أيام
49

عش_بإيجابية

#عش_بإيجابية لتكون إنسانًا إيجابيًا.. عليكَ أنْ تعدَّ كُلَّ مُحاولاتِك الفاشلة: • بناءً للمُستقبلِ وصناعةً للفارقِ بينك وبين الآخرين نحوَ الأفضل ... • جوازَ عبورٍ للضِفّةِ الأعمقِ من النجاح... • نجمةً تُضيءُ لكَ طريقَ الأملِ في الوصولِ للنجاح.. • لياليَ مضتْ بظلامها، وأنتَ الآن مُمسِكٌ بنفسِك وقلمِك وورقِك! أنتَ تمامًا في يومِ النجاحِ اللامتناهي ... [بقلم: نورا گاصد العبودي] • أحجارًا تبني بها سُلّمَ نجاحك. [بقلم: علوية الحسيني] • خطواتٍ نحو النجاح والإبداع، كخطواتِ استخلاصِ الذهب من الشوائب والصخور.. نعم، هي خطواتٌ قاسية، لكنّها سبيلٌ لإثباتِ هويته الحقيقة، وليزدادَ لمعانًا وتألقًا.. [بقلم: رضا الله غايتي] • تجاربَ تأخذُ منها العبرةَ لتزدادَ خبرةً، ومفاتيحَ لفتحِ الأبواب المقفلة، وأسبابَاً لفكِّ الرموزِ وحلِّ المشاكل التي تؤدّي للفشل، وجسرًا تسلكُه لتعبرَ المحنَ والصعوباتِ التي تواجِهُك [بقلم: أم حيدر الموسوي]

اخرى
منذ 6 أيام
49

قراءاتٌ باطلة!(1)

قراءاتٌ باطلة!(1) بقلم: فاطمة البعاج ونحنُ نعيشُ في عصرِ انتشارِ الكُتُبِ والرواياتِ التي تتحدّثُ عن عوالمَ بعيدةٍ كُلّ البُعدِ عن الدينِ الإسلامي وتُخالفُ روحَ الشرعِ الحنيفِ الذي جاءَ به خاتمُ الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، هناك سؤالٌ يطرحُ نفسه: إذا كانَ عندنا حُبُّ القراءةِ والاطلاعِ، فلماذا لا نقرأُ عن أُناسٍ أعزّهم اللهُ (تعالى) بعِزِّه، وخلّدَ ذكرهم لمواقفهم الجليلة، وذواتهم الطاهرة، وبصائرهم النقيّة، ونيّاتهم الحسنة، فكانت كلماتهم نورًا، وسيرتهم منارًا يُقتدى بها؟ لماذا لا نقرأ عن شجاعةِ الأميرِ علي (عليه السلام)؟ لماذا لا نقرأُ عن جَلَدِ السيدةِ فاطمة (عليها السلام) وقوتها، إذ واجهتْ أوباشَ الناس.. حتى أحرقتْ نارُ الأحقادِ بابَ دارها بعدما كانتْ ملائكةُ السماءِ لا تدخلها إلا باستئذانها؟! إذا كُنّا قارئين شغوفين بالقراءة فلماذا لا نستزيدُ علمًا وثقافةً بإمامِ زماننا (عجل الله (تعالى) فرجه)، وبحقيقةِ طول غيبته وأسبابها، وما يساهمُ في تعجيلِ فرجه، وكيفية الحياةِ بعد ظهوره؟! إذا كُنّا مولعين بالقراءة، فلماذا نقرأُ عن أشياءَ تدنِّسُ طهارةَ أرواحِنا وتُعكِّرُ نقاءَ قلوبنا؟! لماذا نتركُ القراءةَ عمّن نزدادُ بهم نورًا وطهارةً ورقيًّا، أولئك الذين شهدَ الكتابُ بطهارتهم وأوصى النبيُّ (صلى الله عليه وآله) بمُلازمتهم وشهدَ الجميعُ بتقدُّمِهم في كُلِّ شيء.. نحنُ لا ندعو إلى الاقتصار على قراءةِ الكتبِ الدينية؛ إذ هناك من الكتبِ ما هي نافعةٌ وتحثُّ على الخلقِ السليم والسلوك القويم، وهناك ما تدعونا إلى الاهتمام بسلامتنا النفسية وصحتنا البدنية وإدارة وقتنا وتنظيم أمورنا الحياتية، إلا أنّنا ندعو إلى نبذ الكتبِ التي تسمّمُ عقولنا وتدفعُ بنا نحو التسافل. ومن الجدير بالدعوة إليه أيضًا، عدمُ التسليمِ التامِّ لكُلِّ ما نقرأه ونطالعه خصوصًا وأن كاتبيه ليسوا بمعصومين، وإمكان ورود الخطأ والاشتباه والسهو فيما يكتبونه أمرٌ لا يختلف فيه اثنان. من المنطقِ السليم والعقلِ الصحيح عدمُ قبولِ دعوى بشرية دون المُطالبةِ بأدلتها وعدمُ التصديقِ بحكمٍ إنساني دون معرفةِ علله، لكنَّ العجبَ كلّ العجب حين تجدُ من يدّعي الثقافةَ وحبَّ المطالعة يُسلِّمُ لنظرياتٍ بشريةٍ دون تمحيصٍ وتتبعِ ما استندت عليه من أدلة وبراهين.

اخرى
منذ 6 أيام
38

وقفاتٌ تربوية 138

وقفاتٌ تربوية138 نفرحُ عندما نرى أطفالَنا يأكلون وهم يلعبون ويركضون والطعامُ يتناثرُ منهم يمينًا وشمالًا! أليس بإمكانِنا أنْ نُعلِّمَهم تناولَ الطعام وهم جالسون، وبعدها نسمحُ لهم باللعبِ والركض والهرولةِ ليستمتعوا بأوقاتهم. نستطيعُ أنْ نُعلِّمَ أطفالَنا التنظيمَ، وأنَّ للعبِ وقتاً، ولتناولِ الطعام وقتاً، وأنَّ النعمةَ باقيةٌ بدوامِ الشكر.

اخرى
منذ 6 أيام
53

من وحيّ الأخلاق(29)

من وحيّ الأخلاق(29) بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي كفِّرْ عن ذنوبك الذنبُ هو مُخالفةُ قانونٍ إلهي، يترتَّبُ عليه استحقاقُ العقوبة من اللهِ (تعالىٰ)، والعقوبة هي بمستوىٰ لا يمكن أنْ يتحمَّله بدن الإنسان الضعيف، الأمر الذي بيَّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: « واعْلَمُوا أَنَّه لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا، أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُه، والْعَثْرَةِ تُدْمِيه والرَّمْضَاءِ تُحْرِقُه، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ وقَرِينَ شَيْطَانٍ، أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ، حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِه، وإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِه...؟ ». ولكن هل مجرَّد ارتكاب المعصية يعني أنَّها كُتِبَت ورُفِعَت الأقلام وجفَّت الصُّحُف؟ كلَّا، فإنَّ الله (تعالىٰ) أبىٰ إلَّا أنْ يكون رحيمًا بعباده، ففتحَ لهم نافذةً واسعةً يستطيعون من خلالها التكفيرَ عن مُخالفاتهم ومحوها، وحتَّىٰ تتَّضحَ الصورةُ نتكلَّمُ في نقطتين: النقطة الأولى: معنى التكفير: الكفرُ لُغةً مأخوذٌ من التغطيةِ، ولذا سُمّيَ الليلُ كافرًا؛ لأنَّه يسترُ بظلمتِه كُلَّ شيء، وسُمّيَ البحرُ كافرًا أيضًا؛ لأنَّه يسترُ ما فيه، وكذا السحابُ المُظلمُ؛ لأنَّه يسترُ ما تحته، وسُمّيَ الزارعُ كافرًا؛ لستره البذرَ بالتراب، ومنه قوله (تعالىٰ): (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ) ، وكذلك القبرُ سُمّيَ كافرًا؛ لأنَّه يسترُ البدن. وإنَّما سُمّيَ الكافرُ باللهِ (تعالىٰ) كافرًا؛ لأنَّه يُغطّي الحقيقةَ، ويُلقي ظلامًا علىٰ فطرته التي تُنادي به كُلَّ صباحٍ ومساء: أنْ آمِنْ بالله (تعالىٰ)، قالَ (تعالىٰ): (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). هذا كُلُّه في المعنىٰ اللغوي. والمقصودُ من التكفيرِ في الذنوب لا يخرجُ كثيرًا عن هذا المعنىٰ اللغوي، فالتكفيرُ هُنا هو بمعنىٰ: ستر الذنبِ وتغطيته، وقوله (تعالىٰ): (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) ، أي سترناها حتَّىٰ تصيرَ كأنْ لم تكُنْ، أو يكون المعنىٰ: نُذهِبها ونُزيلها... ، أي سترناها عليهم، وغفرناها لهم. فالتكفيرُ باختصارٍ إمَّا بمعنىٰ إلغاءِ وحذفِ الذنوبِ السابقةِ تمامًا، وإمَّا بمعنىٰ إلغاء العقوبةِ المُترتِّبة عليها، وهو علىٰ كُلِّ حالٍ تجلٍّ واضحٌ جدًّا للرحمة الإلهيَّة. النقطة الثانية: ما هي مكفِّرات الذنوب؟ لقد وفَّرتْ لنا النصوصُ الدِّينيةُ جهدَ البحثِ عن تلك المُكفِّرات، وأرفدتنا بها بكُلِّ وضوح، وهي كثيرةٌ، والذي يُمكِنُ أنْ نراه فيها أنَّها علىٰ نوعين: النوع الأوَّل: لا إرادي: أيّ إنَّ هناك بعضَ الأُمورِ التي تُعدُّ من مُكفِّراتِ الذنوب، ولكنَّها تنزلُ علىٰ الإنسانِ وتتلبَّسُ به من دونِ إرادته، بل لعلَّه لا يعلمُ بأنَّها من مُكفِّرات الذنوب، ولعلَّه يكرهُ أنْ تنزلَ به، ولكنَّ اللهَ (تعالىٰ) ومن بابِ اللُطفِ بعباده والرحمةِ بهم، يُنزِلُ تلك الأُمورَ عليهم ليغفرَ لهم، إذا ما صبروا ولم يخرجوا عن حدِّ الإيمان. ومن تلك الأُمور التالي: أوَّلًا: العقوبة في الدنيا: فقد رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ المؤمنَ إذا قارفَ الذنوبَ وابتُليَ بها ابتُليَ بالفقر، فإنْ كانَ في ذلك كفّارةٌ لذنوبه وإلَّا ابتُليَ بالمرض، فإنْ كانَ في ذلك كفّارةٌ لذنوبه، وإلَّا ابتُلي بالخوفِ من السلطان يطلبه، فإنْ كانَ في ذلك كفّارةٌ لذنوبه وإلَّا ضُيِّقَ عليه عند خروج نفسه، حتَّىٰ يلقاه وما له من ذنبٍ يدَّعيه عليه، فيأمر به إلىٰ الجنَّة. وإنَّ الكافرَ والمُنافقَ ليُهوِّن عليهما خروج أنفسِهما حتَّىٰ يلقيان اللهَ حين يلقيانه، وما لهما عندَه من حسنةٍ يدَّعيانها عليه، فيأمر بهما إلىٰ النار» ثانيًا: الأمراض في الدنيا: فقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا ابتلىٰ اللهُ عبدًا أسقطَ عنه من الذنوبِ بقدرِ علَّته» ولكن بشـرط، وهو ما ذكره الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) فيما رويَ عنه: «من اشتكىٰ ليلةً فقبلها بقبولها وأدّىٰ إلىٰ اللهِ شكرها، كانتْ له كفّارةَ ستّين سنة»، قال الراوي أبو عبد الرحمن: قلت: وما معنىٰ: قبلَها بقبولها؟ قال (عليه السلام): «صبرَ علىٰ ما كان فيها» ثالثًا: الهمُّ والحزن: فإنَّها من مُكدِّرات الخواطرِ بلا شكٍّ، وتذكرُ بعضُ الروايات أنَّها قد تكونُ بسببِ صدورِ بعضِ الذنوبِ من العباد، فيكون تكفيرُ تلك الذنوب بالهمِّ والحزن، وقد رويَ عنِ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وآله): «ساعاتُ الهمومِ ساعاتُ الكفّارات، ولا يزالُ الهمُّ بالمؤمنِ حتَّىٰ يدعَه وما له من ذنب» وعنه (صلى الله عليه وآله): «إنَّ من الذنوبِ ذنوبًا لا يُكفِّرها صلاةٌ ولا صوم!»، قيلَ: يا رسولَ الله، فما يُكفِّرها؟ قال (صلى الله عليه وآله): «الهمومُ في طلبِ المعيشة» رابعًا: استغفار الملائكة: فقد رويَ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنَّه قالَ لأبي بصير: «يا أبا محمّد، إنَّ للهِ عز وجل ملائكةً يُسقِطون الذنوبَ عن ظهورِ شيعتنا، كما يُسقِطُ الريحُ الورقَ في أوان سُقوطِه، وذلك قوله عز وجل: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيم) ، استغفارُهم واللهِ لكم...» خامسًا: الموت: فقد رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «الموتُ كفّارةٌ لذنوبِ المؤمنين». سادسًا: العذاب في البرزخ: البرزخ هو القبر، وتُؤكِّد النصوصُ الدِّينية علىٰ أنَّ القبر إمَّا روضةٌ من رياضِ الجنَّة أو حفرةٌ من حُفَرِ النيران، أي إنَّه عبارةٌ عن محكمةٍ مصغَّرةٍ عن الآخرة، ومن ثَمّ فإنَّ المؤمنَ إذا كانَ عليه بعضُ الذنوبِ فإنَّه يأخذُ جزاءها في البرزخِ حتَّىٰ يقوم يوم القيامة سالمًا من آثارها، وقد رويَ عنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) ، والمعنىٰ: أنَّ منِ اعتقدَ الحقَّ ثمّ أذنبَ ولم يتُبْ في الدنيا عُذِّبَ عليه في البرزخ، ويخرج يومَ القيامة وليس له ذنبٌ يُسألُ عنه» النوع الثاني: إرادي: أي إنَّه لا بدَّ أنْ يقومَ العبدُ ببعضِ الأفعالِ الحسنةِ التي يكونُ لها أثرٌ في تكفيرِ الذنوب، وعنوانُ هذه الأفعال هو: فعلُ الحسناتِ عمومًا. فإنَّها في الوقتِ الذي تزيدُ من رصيدِ المؤمنِ الإيجابي، تعملُ بعضُها علىٰ تكفيرِ الذنوبِ السابقة، وقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ اللهَ (تعالىٰ) يُكفِّرُ بكُلِّ حسنةٍ سيِّئةً، قالَ الله عز وجل: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرىٰ لِلذَّاكِرِينَ) » أمَّا ما هي تلك الحسنات، فهذا ما وضَّحته لنا النصوص الدِّينية، ونذكر منها التالي: أوَّلًا: الصلاة: وهذا أمرٌ واضحٌ من سياقِ قوله (تعالىٰ): (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرىٰ لِلذَّاكِرِينَ). وقد رويَ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لو كانَ علىٰ بابِ أحدِكم نهر، فاغتسلَ منه كُلَّ يومٍ خمسَ مرّات، هل كانَ يبقىٰ علىٰ جسدِه من الدَّرَنِ شيء؟! إنَّما مثلُ الصلاةِ مثلُ النهرِ الذي يُنقّي الدَّرَن، كُلَّما صلّىٰ صلاةً كانَ كفّارةً لذنوبه، إلَّا ذنبٍ أخرجه من الإيمانِ مُقيم عليه» ثانيًا: حسن الخُلُق: فقد رويَ عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ حُسنَ الخُلُقِ يُذيبُ الخطيئةَ كما تُذيبُ الشمسُ الجليد، وإنَّ سوءَ الخُلُقِ ليُفسِدَ العملَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسلَ» ثالثًا: كثرة السجود لله (تعالىٰ): فقد رويَ أنَّ رجلًا جاء إلىٰ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسولَ الله، كثرتْ ذنوبي وضعُفَ عملي؟ فقالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): «أكثِرِ السجود، فإنَّه يُحِطُّ الذنوبَ كما تُحِطُّ الريحُ ورقَ الشجر» رابعًا: إغاثة الملهوف: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من كفّارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب» خامسًا: الحجُّ والعمرة: فقد رويَ أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) قال: «العمرةُ إلىٰ العمرةِ كفّارةٌ ما بينهما، والحجَّةُ المُتقبَّلةُ ثوابُها الجنَّة، ومن الذنوبِ ذنوبٌ لا تُغفَرُ إلَّا بعرفات» سادسًا: الصلاة علىٰ محمّد وآله الطاهرين: فقد رويَ عنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «من لم يقدرْ علىٰ ما يُكفِّرُ به ذنوبه، فليُكثِرْ من الصلاةِ علىٰ مُحمّدٍ وآله، فإنَّها تهدِمُ الذنوبَ هدمًا» اللهمّ صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ.

اخرى
منذ 6 أيام
48

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(93)

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(93) رويَ عن الإمامِ علي (عليه السلام): "أفضلُ عبادةِ المؤمنِ انتظارُ فرجِ الله"* ................. *يُشيرُ الإمامُ عليٌ (عليه السلام) إلى أمرٍ مهمٍ في واقعِنا الحياتي والروحاني وهو زرعُ روحِ الأملِ ونشرُ التفاؤلِ في الحياةِ الفرديةِ والاجتماعيةِ عبرَ قضيةِ انتظارِ فرجِ اللهِ (تعالى)؛ وذلك أنْ يعيشَ الإنسانُ الطمأنينةَ بأنَّ الباري (عز وجل) هو القادرُ على مُعالجةِ جميعِ القضايا العالقةِ التي يعسرُ على الفردِ حلُّها، ولا يتوقّعُ في الوقتِ نفسه من الآخرين التصدّي لقضائها، فإذا ما تحقّقَ هذا المعنى في النفوسِ فإنّها تعيشُ حالةَ الطمأنينةِ والراحةَ النفسية. *إنَّ الإيمانَ بأنَّ هناك يدًا غيبيةً ترعى العبادَ وترفعُ عنهم ما استعسرَ من الأمورِ يخلقُ في النفوسِ روحَ التفاؤلِ والأمل، ولا تسودُ عندها الانطباعاتُ السلبيةُ والسوداويةُ التي قد تؤدّي في بعضها إلى أنْ يسلكَ الفردُ طرقًا غيرَ مستقيمةٍ كالانتحارِ والقتلِ والسرقةِ وغيرِها من الآفاتِ الاجتماعيةِ التي تأتي نتيجةَ حصولِ حالةِ اليأسِ عندَ بعضِ الأفرادِ من تحقُّقِ بعضِ ما يطمحونَ إليه ويجدونَ صعوبةً في تحقُّقِها، ولكن من يؤمنُ بأنَّ هنالك خالقًا رحيمًا بعبادِه قريبًا منهم هو من يقضي حوائجَهم بحسبِ ما تقتضيه المصلحةُ فإنّه لا يعيشُ البؤسَ واليأس، بل تملأه روحُ التفاؤل بأنَّ فرجَ اللهِ (تعالى) قريبٌ، وسُرعانَ ما تتغيّرُ الأحوالُ والظروفُ وتنحلُّ جميعُ المُعضلات، وتنفتحُ عليه أبوابُ الرحمةِ والفرج. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ *المحاسن: ١ / 453 / 1044.

اخرى
منذ 6 أيام
41

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
144334

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
130031

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
85379

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
79116

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77747

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
72990